
بعد الاستسلام الذي أبداه فريق تعطيل البلاد نتيجة الموقف الأخير للقوّات اللّبنانيّة، انصرف هذا الفريق ليعيد مخطّطاته التّهجّميّة على “القوّات” على خلفيّة انتقاد آداء وزرائها حيث لم يبق له أي موضِع للكلام. وذلك على وقع ضغوط دوليّة تتزايد مع بدء تنفيذ العقوبات الأميركيّة الجديدة على الجمهوريّة الاسلاميّة في إيران. فهل سيتمكّن لبنان من التفلّت من براثن سجّانيه ليتحوّل إلى دولة سيّدة حرّة ومستقلّة عن حقّ؟
لقد أفقد رئيس حزب القوّات اللّبنانيّة فريق الثّامن من آذار ورقته الهجوميّة على الفريق السياديّ، وعلى رأسه حزب القوّات اللّبنانيّة، وبات الفريق المتّهم بالتّعطيل الفريق الوحيد الذي عمل على تسهيل مهمّة الرّئيس المكلّف. فيما بان للملأ بأنّ المعطِّل الحقيقيّ لعمليّة التّكليف هو حزب اللّه الذي صرّح بالعلن على لسان نائب أمينه العام، الشيخ نعيم قاسم بأنّ لا حكومة من دون تمثيل سنّة الثّامن من آذار.
ومقابل ذلك كلّه، أظهر فخامة الرّئيس تصلّباً في رفضه تمثيل هذا الفريق من حصّته الوزاريّة. وهذا ما زاد الموقف السياسيّ تعقيداً. وكذلك رئيس الحكومة المكلّف رفض الإعتراف بوجود أي تكتّل لهؤلاء، مع العلم بأنّه تمّ استيلاده لهم من قبل مايسترو الثّامن من آذار بعدما صارت كرة تسهيل التأليف في ملعبه نتيجة الضّربة الحرّة التي وجّهها الحكيم الى هذا الفريق.
وما بين هذه المواقف استعاد رئيس التيّار الوطني الحرّ، الوزير جبران باسيل هجومه على وزير الصحّة القوّاتيّ مغفلا مسؤوليّته وفريقه السياسيّ عن عدم وجود صرف صحي، وعدم وجود كهرباء، وعدم وجود خطّة متكاملة منذ أكثر من 10 سنوات لتولّي فريقه هذه الوزارة. فعوض التّركيز على تنظيف المياه وتأمين الكهرباء للنّاس ها هو يتهجّم على وزير الصحّة مستذكراً مسألة السّقوف الماليّة التي أقرت بمرسومها المجحف عام 2016 عندما كان هو نفسه في الحكومة. بينما قام وزير الصحّة في العام 2017 بإدراج قانون لتعديل هذه السّقوف بما يتلاءم مع وجع النّاس، إلّا أنّ معاليه لم يدعم هذا الاقتراح مع العلم بأنّه كان على اطّلاع عليه. ولذلك كلّه عاد الوزير حاصباني وطرح في العام 2018 الشيء نفسه، فلم يلقَ أيّ استجابة، لذلك أعاد توزيع السقوف. ولماذا لم يتطرّق باسيل إلى موضوع البطاقة الصحيّة مثلا؟
متى سننتهي في لبنان من القراءات المجتزأة ومن تهشيم الخصم لنرتقي إلى النّقد الموضوعي البنّاء؟ عبثاً حاولنا مع هذا الفريق، ولكنّنا لن نستسلم، فما جمعته معراب في 18 كانون الثاني من العام 2016 لن تفرّقه مصالح ضيّقة. نعم، لقد زهدنا أصلا فيها منذ تأسيس القوّات اللّبنانيّة. ماذا وإلا لما تعرّضنا إلى ما تعرّضنا إليه من ظلم وغبن واعتقال واضطهاد وصل إلى حدّ التّصفية الجسديّة.
ألم نصل بعد في بلدنا إلى قناعة مفادها المصلحة الوطنيّة فوق أي اعتبار آخر؟ أم أنّ الموضوع اليوم بات بحكم مصلحة حزب مأسور في بوتقة توتاليتاريّة تيوقراطيّة يحارب في ساحة وطنه كرمى لوطن غيره؟ فالعقوبات الاميركيّة واقعة حتماً، وحزب الله عائد من سوريا مزهواً بما أمّنه للنّظام السّوري والايرانيّين والرّوس. من هنا، لن يستسلم الحزب للفريق السيادي في لبنان بعدما حقّقه في سوريا. فكما استثمر ما بعد حرب تمّوز 2006 في الدّاخل اللّبناني، هو مستعدّ اليوم لإعادة ما قام به.
لكن من المفيد جدًّا القراءة في الملفّات الدّوليّة وتأثيرها في السّاحة اللّبنانيّة، وهذا ما يدعو الى مزيد من تدعيم لسيادة لبنان إن كان فعلا يُعمَل بحسب سياسة النّأي بالنّفس. ماذا وإلّا المجتمع الدّولي قد تقدّم أشواطًا كبيرة جدًّا على العقل السياسي اللّبناني، وبات مدرك تمامًا بأنّ التّمثيل عليه والادّعاء بالسّير تحت المظلّة الدّوليّة لم يعد نافعًا. لذلك، سيواجه لبنان بدوره عقوبات جديدة تبدأ على حزب الله ولا يعرَف على من قد تنتهي.
وذلك كلّه مع تأكيد أميركيّ جديد بأنّ صمود الجيش السّوري قد غيّر قواعد اللّعبة في المنطقة. والمعايير باتت مختلفة عمّا كانت عليه سابقًا. اما التّركيز اليوم فلم يعد فقط على سوريا وإيران بل صار لبنان محطًّا للأنظار الدّوليّة، لا سيّما بعدما تمّ كشف المعرقِل الحقيقي لقيام دولة فعليّة فيه. علينا أن نختار بين خيارين لا ثالث لهما: الشرعيّة أم العقوبات؟ فهل سيتمكّن الرّئيس الحريري من إعادة وضع لبنان على الخارطة الدّوليّة بعد إعادة تكوين السلطة السياسيّة فيه؟ أم أنّ البلاد ستكون بفضل مايسترو الثّامن من آذار حصانًا طرواديًّا لمواجهة اقتصاديّة، لا يُعرَف متى قد تزداد سوءا، لنحتمل عندها ما لا يُحتمَل؟