الاقتصاد والرهان على الوعود: هل ولّى زمن المعجزات؟

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1685

من وعد انتخاب الرئيس الى وعد تشكيل الحكومة

الاقتصاد والرهان على الوعود: هل ولّى زمن المعجزات؟

 

يتوسم الجميع خيرا من تشكيل الحكومة الجديدة أملا في نجاحها بإنقاذ الوضع الإقتصادي البالغ الدقة. هناك من تخلّى عن كل الإعتبارات السياسية والأمنية، ورأى أن ما بلغه الإقتصاد الوطني من تراجع كاف للمبادرة سريعا إلى تشكيل حكومة. ومِنَ الإقتصاديين من قال: شكِّلوا حكومة واتركوا الباقي علينا، نحن القطاع الخاص سنتكفّل بإطلاق المبادرات الدافعة للنمو. لكن بالعودة بالذاكرة إلى فترة الشغور الرئاسي، والرهان على أن انتخاب رئيس سينقذ الوضع الإقتصادي، يتبيّن أن ملء الفراغ أشاع نوعا من الثقة والإرتياح الموقتين، لكنه لم يخلق الدينامية المطلوبة لدفع الدم من جديد في شرايين الإقتصاد.

 

لا يُخفى على أي متابع أن الإقتصاد اللبناني بقطاعاته كافة بات منذ مدة في وضع حرج. لم تعد المهدئات تكفي لمنحه قدرا مقبولا من العافية يُعينه على تخطي ما يواجهه من صعوبات. هو بات في حاجة إلى عملية إجتراحية تعيد إليه الحياة وتعيده إلى النشاط المطلوب. الخطوة الأولى في هذا المسار، تتمثل – بحسب الإقتصاديين – بتشكيل حكومة طال انتظارها. وبعدها الخطوات الإصلاحية الجدية، وهي عديدة ومحددة، وإلا فلن يبلغ البلد الخلاص المنشود.

 

الأمل المفقود

بعد انتهاء الإنتخابات النيابية بدأ الإقتصاديون كما سائر اللبنانيين يتطلعون إلى تشكيل حكومة جديدة تقوم بالإصلاحات المطلوبة والإجراءات اللازمة لتنشيط الإقتصاد. طال موعد التشكيل وتعقّدت الأمور أكثر، من دون أن يتمكن لبنان خلال هذا الوقت من الإفادة حتى من الموسم السياحي المعتبر محرِّكا أساسيا للإقتصاد. ومع اقتراب نهاية العام الحالي، لامست المؤشرات الإقتصادية حدود الخطر. فالعجز المُزمن آخذ بالإرتفاع وكذلك المديونية العامة، فيما النمو ثابت عند معدلاته الدنيا. فهل إن تشكيل الحكومة قادر فعلا على اجتراح المعجزات؟

في مسح أجرته وكالة «بلومبرغ» عن آفاق الاقتصاد اللبناني، وآراء خبراء ومحللين اقتصاديين، توقعت أن يكون النمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في لبنان قد بلغ نسبة 1.9 في المئة في العام 2018، وأن يرتفع إلى 2.4 في المئة في العام 2019. في موازاة ذلك، توقع الخبراء أن يراوح العجز في الموازنة العامة بين 6.5 في المئة و9.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام. وأشاروا إلى أن متوسّط نسبة احتمال دخول لبنان في انكماش اقتصادي في الأشهر الـ12 المقبلة، يصل إلى 20 في المئة.

 

وبمقارنة هذه الأرقام مع ما كانت عليه في العامين الماضيين، وقبل انتخاب رئيس للجمهورية، يتبيّن أن العجز يقارب هذا العام الـ 4.7 مليارات دولار، في مقابل ما يقارب.4.8 مليارات دولار في العام 2016. والنمو كان 1.8 في المئة في نهاية 2016، وهو أقل من ذلك أو مساويا له في نهاية العام الحالي. ومع أن الخبراء كانوا توقعوا نموا أفضل في العام 2018 إلا أنه لم يحصل. علما أن البنك الدولي كان توقّع أن ترتفع نسبة النمو الإقتصادي الحقيقي في لبنان إلى 2.3 في المئة، وأن يزيد الدين العام اللبناني ليصل إلى 158.4 في المئة في العام 2018. من هنا تتصاعد التحذيرات المحلية والدولية من إمكانية انهيار الاقتصاد اللبناني في ظل العجز المتنامي في الموازنة والدين العام وتراجع النمو في الناتج المحلي، بحيث أصبح لبنان ثالث أكثر بلد مديون في العالم.

 

آراء للإسترشاد

إلى أي مدى يتوقع الخبراء أن يؤدي تشكيل الحكومة الجديدة إلى إحداث تغيير إيجابي في هذا الواقع؟ أو بطريقة أخرى إلى أي مدى يؤثر تأخير التشكيل سلبا على ما تبقّى من نَفَس للإقتصاد؟

يرى البروفسور روك-أنطوان مهنا أن تشكيل الحكومة يعطي نفحة تفاؤلية وإيجابية ولكن على المدى القصير. العبرة برأيه هي في أداء الحكومة ومستوى الوزراء، فإذا كانوا من المتخصصين في الحقائب التي تسلموها فهذا جيد ويوحي بالثقة. لكن إذا كان وزراؤها من غير المتخصصين، وإذا استمرت المناكفات التي شهدناها في الحكومة الحالية، فلا شك في أن ذلك سينعكس تشنجا. ويضيف مهنا لـ»المسيرة» أنَّ الأهم أن يتم تنفيذ الإصلاحات الموعودة للإستحصال على الهبات والأموال من مؤتمر «سيدر». وهذه الأموال هي الأمل الأساسي لإنقاذ الإقتصاد المتدهور يوما بعد يوم. أما الإصلاح الأهم بين جملة الإصلاحات المطلوبة فهو مكافحة الفساد والهدر المتفشي أكثر وأكثر، وتاليا إصلاح القطاع العام الذي بات حجمه متضخما وغير مقبول وزادت فيه المحسوبيات وقلة الإنتاجية بحيث بات معظم مداخيل الدولة يذهب إلى تغطية الرواتب والأجور، من دون أن يوقف بعض المسؤولين التوظيف السياسي في القطاع العام سواء بالتعاقد أو بالفاتورة خصوصا في فترة الإنتخابات، مضاعفين هذا العبء على الموازنة العامّة.

ويرى البروفسور جاسم عجاقة، أن التأخر بتشكيل الحكومة، يشكّل أحد أبرز أسباب الأزمة الإقتصادية التي يعاني منها لبنان، ما أثر سلباً على السوق المالية والثقة بالاقتصاد المحلي.

 

ويشدد على أن الملفات التي تنتظر الحكومة العتيدة، كثيرة، وعلى رأسها الملفات الإجتماعية التي ستُبرز أزمات إجتماعية في الفترة المقبلة. فارتفاع الأسعار الناتج عن سلسلة الرتب والرواتب وإرتفاع أسعار النفط، هو المُشكلة الأساسية التي ستواجه اللبنانيين الذين سيرون أن قدرتهم الشرائية تتراجع.

 

كذلك، فغياب الإستثمارات يحرم خزينة الدولة من ضرائب كانت لتُخفّف عن كاهلها. أضف إلى أن عدم الإستثمار يمنع التوظيف ويؤدّي إلى تراجع على الصعيد الإجتماعي لأنه يزيد من نسبة الفقر ويزيد إنفاق وزارة الصحة بحكم أن الذين لا يعملون لا يُمكنهم الإستفادة من الضمان الإجتماعي. أمًا ماليًا فإن غياب الحكومة يؤدّي حكمًا إلى إرتفاع الكلفة من باب الدين العام الذي سترتفع خدمته مع تراجع التصنيف الإئتماني للبنان الناتج عن التخبّط السياسي، ولكن أيضًا نتيجة إرتفاع الفائدة على الدولار الأميركي في العالم والتي سترفع خدمة الدين العام بما يقارب الـ 50 مليون دولار أميركي سنويًا. وهذا الإرتفاع لا يُمكن تمويله إلاّ من خلال رفع الضرائب كما نصح صندوق النقد الدولي لإيجاد توازن مالي.

 

مقارنات وعِبر

هذا الواقع يتوقف أمامه الإقتصاديون لإطلاق صافرة الإنذار قبل انهيار الهيكل على رؤوس الجميع. ويعتبرون أن العوائق التي ظهرت في الأيام الأخيرة أمام عملية التشكيل نسفت ما كان تجمّع من أمل بحكومة قريبة. لكن المؤسف بنظر هؤلاء أن الطريقة التي يجري بها التعامل مع قضايا وطنية بهذا الحجم، هي طريقة خاطئة وغير مسؤولة ولا تؤدي إلى المرتجى، حتى مع تشكيل حكومة. لأنه لا يبدو أن هناك وعيا لما وصل إليه الوضع من سوء ولا تصميما على تبدية المصلحة العامة على المصالح الخاصة.

وفي الذكرى الثانية لانطلاق عهد الرئيس ميشال عون، يعود هؤلاء بالذاكرة إلى مرحلة الشغور الرئاسي وسلبياتها على الإقتصاد، والأمل الذي عُلّق يومها على انتخاب رئيس لتحسين المؤشرات التي كانت جميعها في حال تراجع. ويستطردون أن انتخاب رئيس من دون تحقيق الإصلاحات الموعودة وتطبيق سياسات محاربة الفساد والهدر وتحفيز النمو، لم يُحدِث الصدمة الإيجابية المطلوبة، فاستمرت المؤشرات في التراجع أو أنها بقيت عند مستوياتها الضعيفة في أحسن الأحوال. ويعتبرون أنه انطلاقا من ذلك، فإن تأخر تشكيل الحكومة يمثّل رصاصة الرحمة على ما تبقّى من نبض في الإقتصاد. لكن تشكيلها، وإن يؤمل منه أن يعطي نفحة الأمل المرتجاة، إلا أن ذلك لن يدوم ولن ينعكس تحسنا في الإقتصاد إذا لم تكن حكومة منتجة وصاحبة مشروع إصلاحي، وذلك بسبب عاملين أساسيين: أولا، لأن الوضع بات يتطلب إصلاحات فورية وشاملة ليتمكن من استعادة بعض ما فقد من عافية. وثانيا اعتماد سياسات خارجية غير التي اعتمدت في الفترة الأخيرة فحجبت الإستثمارات، وهي أنجع ما يحتاجه لبنان اليوم.

 

ويُجري الإقتصاديون مقارنة مع الأمل المندثر بعد فترة من انتخاب رئيس، وما يُعلّق على الحكومة العتيدة من آمال، لافتين إلى أنه بدل زيادة التأمينات الإجتماعية ودعم النمو، وجدنا أنه خلال العامين الماضيين توقفت القروض السكنية عبر المؤسسة العامة للإسكان، وارتفعت الفوائد المصرفية على الودائع والقروض وتراجعت الإستثمارات وزادت التحويلات المالية إلى الخارج كما زادت من الليرة إلى الدولار. وهذه كلها مؤشرات غير مطمئنة. ويرون أن زيادة الإنفاق الحكومي تؤدّي حكماً إلى رفع الضرائب وبالتالي تؤدّي إلى خفض إنفاق القطاع الخاص. من هنا يتوجّب على الحكومة العتيدة وضع سياسة إقتصادية واضحة لمواكبة دينامية الإستثمارات، والتي توصل إلى خفض تلقائي لأسعار الفوائد.

 

فهل يكون مجرد تشكيل الحكومة كافيا لمعالجتها من دون جدية في التعاطي وتطبيق خطة إقتصادية حكيمة؟ طبعا لا يمكن الجزم بذلك، خصوصاً أن ما يجري في إطار التشكيل غير مشجع!

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل