.jpg)
في حين يعيش اللبنانيون هاجس غرق مدنهم وقراهم بالعتمة، وعوضاً عن البحث عن حلول جذرية، حاول وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل صرف الأنظار عن الكارثة الكهربائية التي تسبب بها هو سابقاً ووزير الطاقة والمياه الحالي سيزار أبي خليل، الذي ينتمي إلى تياره السياسي، بالتصويب على وزارة الصحة.
قد لا تكون المرة الأولى التي يتلقى فيها وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال غسان حاصباني سهام التجني. ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة، لكن، وكما تأهب البعض “تويترياً” لدعم وجهة نظر باسيل، أتى الرد سريعاً من أهل بيته، لأن “الشمس طالعة والناس قاشعة”. دخل النائب ابراهيم كنعان على الخط، مناقضاً ما صرح به باسيل، فبدا التخبط والتناقض بالآراء واضحاً داخل التيار الواحد.
ولأن وزير الصحة عليم بالأرقام كما حاول أن “يلقّبه” أحدهم، وهو طبعاً دليل على نجاح حاصباني، لا بدّ من التوقف عند نقاط هامة وأساسية، ليكون المواطن على بيّنة مما يجري في وزارة الصحة. تمكن أكثر من 389 ألف حالة من دخول مستشفيات سُجلت في عام واحد، وخلال تولي حاصباني الوزارة، كما حصل 26 ألف مريض على أدوية أمراض مزمنة ومستعصية ومليون ونصف المليون استخدموا 240 مركزاً للرعاية الصحية الأولية المنتشرة على كافة الاراضي اللبنانية.
يختصر حاصباني الحملة عليه بالقول: “الأداء الصحي للبنان أتى في المرتبة الاولى عربياً على الرغم من حجب الموازنات عن وزارة الصحة العامة والتضييق عليها لمدة سنتين”.
ولمن نسي او تناسى، قدم حاصباني مقاربة حديثة للبطاقة الصحية ورافق كل اجتماعات لجان مجلس النواب فأقرت البطاقة في لجان الصحة والادارة والعدل والمال والموازنة، وهذه البطاقة من شأنها أن تؤمن تغطية اشمل للمواطن وتخفف على الكلفة الإجمالية المترتبة على الدولة.
يذكّر حاصباني في حديث لموقع “القوات اللبنانية” أن السقوف المالية التي ينتقدها باسيل تعود للعام 2016 وقد وافق عليها بنفسه مع زملائه التسعة في حكومة الرئيس السابق تمام سلام، يوم لم يكن حزب القوات اللبنانية مشاركاً في الحكومة، ولَم يُسمع من معاليه أي دفاع عن حقوق المواطنين ولا عن المستشفيات المسيحية التي يشير اليها، فكانت التوزيعات السياسية سيدة الموقف.
ويضيف: “عندما جئنا لتصحيح المسار لم يدعمنا ولَم يحارب معنا ولَم تدرج التعديلات على طاولة مجلس الوزراء، ما اضطرني لإجرائها مستخدماً صلاحيات الوزير في اعادة التوزيع بحسب الحاجة، لإنصاف المستشفيات كافة، بمعادلة علمية لا سياسية، وهذا الامر أزعج الكثيرين، لكنه حاز على إشادة من السينودوس الماروني. لَم يدعم باسيل التعديلات المذكورة لا علناً ولا ضمناً على الرغم من متابعات مستشاريه لهذا الموضوع عن قرب”.
بالإضافة إلى إطلاق وزير الصحة استراتيجية “صحة 2025″، بدأ بتنفيذ عدد من أهدافها حتى الآن او وضعها على السكة، من ضمنها البطاقة الصحية، والرعاية الصحية الأولية وسلامة الغذاء و خطة اعادة انشاء المختبر المركزي وصناعة الأدوية واستراتيجية الدواء والخدمات الرقمية وتطوير المستشفيات الحكومية والسياحة العلاجية.
كما أطلقت الوزارة العمل بالمجلس الصحي الأعلى ولجنة التنسيق بين الجهات الضامنة لتحسين بنية القطاع الصحي في لبنان بالتزامن مع العمل على البطاقة الصحية في مجلس النواب، وهنا يعلق حاصباني: “يبدو أن وزير الخارجية كان منهمكاً بأمور اخرى ولَم يسمع بالخطة الصحية، وكان همه على ما يبدو أيضاً إقامة مؤتمرات عن الصحة بدل مناقشة الملف الصحي كوزير في الحكومة على طاولة مجلس الوزراء او كسياسي لبناني يبدي رأيه”.
وعن سبب امتناع الوزارة عن وضع خطة لإنشاء معامل صناعة دواء، يوضح حاصباني أن صناعة الدواء تخضع لمعايير السوق الحرة ولا يمكن للوزارة أن تضع خططاً لإنشاء معامل أدوية، لأن الدولة ليست في نظام تأميمي إشتراكي، لكن الوزارة اتخذت إجراءات عدة لتشجيع الصناعة المحلية للدواء منها ادخال الدواء المحلي في مناقصات الدولة وإعفاء الصناعة الدوائية من الرسوم الجمركية على المواد الأولية والسماح للصيادلة باستبدال الأدوية الجَنِيسية الأجنبية بأدوية لبنانية.
حاصباني اول وزير للصحة بتاريخ لبنان زار ميدانياً مصانع الأدوية جميعها، وعمل على مساعدتها على تصدير منتجاتها وحمايتها، “ضمن خطة متكاملة، لكن يبدو ان وزير الخارجية لم يسمع عن الموضوع”.
وفي سياق عرض خطة عمل وزارة الصحة خلال تولي حاصباني شؤون الوزارة، يؤكد الوزير أنه انكب على فك عقدة البطاقة الصحية التي تُعطي الحق لكل اللبنانيين بفحوصات مجانية سنوية وبملف صحي منظم وبتغطية شاملة وفحوصات خارجية في المستشفيات الحكومية للذين لا جهة ضامنة لهم والاستشفاء في المستشفيات كافة إضافة الى الأدوية المجانية للأمراض المستعصية والمزمنة، مُمرراً إياها في لجان مجلس النواب كقانون بعد اجراء دراسة تقنية واكتوارية ومالية مفصلة ساهمت بإنجاح المقاربة. وكان العمل تشاركياً مع النواب بحو إيجابي وهذا نموذج عن كيفية العمل البناء بهدوء وموضوعية.
وأضاف: “لكن وزير الخارجية اكتشف ذلك أخيراً، إنما في الأمر إيجابية، إذ خيراً من أن يأتي الاكتشاف متأخراً من الا يأتي أبداً، واهلاً به إذا أراد الانضمام إلينا في هذا الإنجاز فربما ينقل منه شيئاً الى القطاعات الاخرى”.
على الجهة الأخرى، حاصباني لم يغفل في رده على كلام باسيل حديث النائب ابراهيم كنعان الذي قال الأحد في مؤتمر الطاقة اللبنانية للصحة إن البطاقة الصحية ستوفر أكثر من 60% من الهدر والأهم أنها تبقى التغطية الشاملة لا سيما أن 35% من اللبنانيين لا يحظون بتغطية صحية، مؤكداً أن كنعان وهو رئيس لجنة المال والموازنة على حق، لا سيما أن اللجنة اطلعت على المشروع وأقرت معظم بنوده وهو على علم بالفائدة التي يقدمها مشروع البطاقة الصحية. ويتابع: “لكن يبدو أن الوزير باسيل لا يزال في بداية الطريق النظرية ولَم يستفسر عن الموضوع، وعليه أن يعود الى من كتب له خطابه للاطلاع أكثر”.
ويوضح الوزير أن موازنة وزارة الصحة هي 3.5% من إجمالي الموازنة العامة، وهي لا تتعدى ربع قيمة دعم قطاع الكهرباء. هذه الموازنة قليلة مقارنة مع موازنات دول أخرى شبيهة بلبنان وهي متدنية كثيراً بالنسبة الى الإنجازات التي تحققت، وهذا يدل على ان باسيل غير مطلع على ملفات الموازنة. علماً انه كان يمثل رئيس الجمهورية في مؤتمر هو خارج حقل اختصاصه، ومن غير الواضح ما إذا كان القصر الجمهوري دقق بكلمة باسيل ووافق عليها بحسب الأصول المتبعة، او انه يتكلم من تلقاء نفسه باسم رئيس الجمهورية.
وزير الصحة يتأسف لما أدلى به النائب علي المقداد من أن أداء مختلفاً ستشهده الوزارة في الحكومة المقبلة على أكثر من صعيد، وسيلاحظ اللبنانيون الفرق في التعامل مع الناس واحتياجاتهم الصحية، وأن دواء السرطان يجب أن يقدم مجاناً الى المرضى ويصل إلى بيوتهم.
ويشدد حاصباني في هذا السياق على ان دواء السرطان يُقدم مجاناً لكل من ليس لديهم جهة ضامنة، مؤكداً أن النائب المقداد يعلم ذلك تماماً، اما بالنسبة الى ايصال الدواء الى بيوت الناس، فهذا الأمر لا يحدث في اَي مكان في العالم حفاظاً على سلامة نقل الدواء. الا إذا كان ثمة من يريد استغلال الناس سياسياً بخدمات قد تضر بهم صحياً، او اذا كان هناك من اجندة اخرى لاستيراد ادوية من مصادر معينة تُعوّم السوق من دون ان تكون مستوفية لشروط السلامة المتبعة حالياً.
من الواضح ان مثابرة حاصباني في حضور اجتماعات اللجان النيابية لتمرير البطاقة الصحية والنفس التعاوني من رؤساء واعضاء اللجان معه، شكل الدفع الاكبر في اتجاه اقرارها، وهذا يؤكد النهج الذي يعتمده حزب القوات والقائم على التفاعل الايجابي واحترام الآليات القانونية والمؤسساتية والشراكة مع الجميع لما فيه مصلحة الشعب اللبناني بعيداً عن الزواريب الضيقة. لذا فلنبعد مصالح المواطنين عن شد الحبال السياسي او المهاترات، ولنعزز منطق الشراكة والعمل البناء لأن التجني ورمي التهم جزافاً هدام ولم يعد ينطلي على اللبنانيين.
