هل يحافظ ترمب على سيطرته في الانتخابات النصفية؟

 

خاص “المسيرة” – واشنطن

العنف السياسي يسبق الناخبين إلى مراكز الاقتراع

هل يحافظ ترمب على سيطرته في الانتخابات النصفية؟

 

لم يحدث أن ترافقت الحملات الدعائية للانتخابات النيابية أو لأي استحقاق ديمقراطي في الولايات المتحدة مع هذه الكمية من العنف السياسي اللفظي وفي عدد من الأحداث على الأرض. وقد واجهت الولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق باراك أوباما العديد من الأحداث العنفية الداخلية منها المتصلة بالعمليات الإرهابية، ومنها ما هو مرتبط بعدد من القضايا الحساسة التي قد تدفع البعض الى تنفيذ أعمال مسلحة بغرض القتل ولفت الانتباه.

ولكن قبل أيام قليلة من موعد الانتخابات النصفية في السادس من تشرين الثاني التي يتقرر فيها مصير الأغلبية في مجلسي الكونغرس كما جرت العادة في النصف الثاني من عهد أي رئيس أميركي، هز الولايات المتحدة حدث إرسال كمية من الطرود المشبوهة التي شملت أنابيب تستخدم في تجهيز عبوات ناسفة موجهة إلى قادة في الحزب الديمقراطي، مما زاد من حدة الاستقطاب ورفع وتيرة التخاطب السياسي عشية الانتخابات. وتحولت انتخابات التجديد النصفي بالفعل إلى ما يشبه الاستفتاء على الرئيس دونالد ترمب الذي أكّد ردا على ما حصل أن لا مكان للعنف السياسي في الولايات المتحدة.

لقد تميزت تغطيات بعض المحطات الإخبارية المرموقة في العامين الماضيين بالعداء تجاه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وتوجيهها الانتقادات القاسية للجمهوريين، الذين حلوا محل أوباما وهزموا هيلاري كلينتون في انتخابات العام 2016. ولكن في المقابل فإن الرئيس بشخصيته المثيرة للجدل لم يوفر أحداً في الداخل من انتقاداته وحملاته ولا سيما وسائل الإعلام، وهذه المعركة انتقلت على أرض الواقع لا سيما مع تلقي مكاتب شبكة التلفزة الأميركية «سي أن أن» في نيويورك طرداً مفخخاً، ما يؤشر إلى أن التعبئة هي ليست فقط على المستوى السياسي بين الرئيس ووسائل الإعلام، بل انتقلت إلى الرأي العام المنقسم على ذاته بين واقع يؤيد الرؤية القومية – الوطنية التي يريد الرئيس ترمب تطبيقها لكي يحمي الولايات المتحدة من المهاجرين ومن كل تأثير أو استغلال خارجي لمواردها، وبين شريحة أخرى ترى في هذه السياسة أو الرؤية خطراً على النظام الأميركي نفسه، قد يؤدي إلى تدميره وانقسامه في نهاية المطاف، وحجة هذا المحور قد تبدو منطقية بعض الشيء لأن الجميع يدرك إن في الولايات المتحدة أو في الخارج مدى الدور الكبير الذي تلعبه هذه الدولة على مسرح الأحداث منذ الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا. وبالتالي فإن ما يطرحه الرئيس ترمب قد يرتد سلباً على البلاد، لا سيما وأن الأرض الأميركية هي في الأساس أرض المهاجرين، لا بل هي حقيقة من اكتشاف المهاجرين وأولهم كريستوف كولومبوس.

 

وقد تحركت أجهزة إنفاذ القانون للسيطرة على الأوضاع بعد توالي عملية إرسال الطرود المشبوهة على مدى يومين، وتمكنت بسرعة قصوى من القبض على المشتبه به في هذه القضية، وقد دلت الوقائع عدم احترافيته في التخطيط وتنفيذ ما قام به بدليل أن بصماته وجدت على الطرود المرسلة، وأدّت فحوصات الحمض النووي إلى إلقاء القبض عليه في مؤشر على أن عمله فردي غير مخطط له بإستثناء ما قد يعتقده أن ما قام به هو بفعل ما تعيشه البلاد من أجواء مشحونة.

 

ولعل اللافت في عملية إرسال العبوات التي استهدفت سياسيين من الحزب الديمقراطي، هو شمولها منزل الملياردير الديمقراطي جورج سوروس المجري الأصل والذي لم يكن في منزله يوم الحادث. ولطالما كان سوروس وهو أول من تلقى الرزم المشبوهة، شخصا مكروها بالنسبة للجماعات اليمينية وهو يعيش في بدفورد في ولاية نيويورك على مقربة من كلينتون. ويعتبر رجل الأعمال البالغ من العمر 88 عاماً واحداً من أغنى الشخصيات في العالم، إذ تقدر ثروته بأكثر من ثمانية مليارات دولار وهو أحد رجال الأعمال الخيرية البارزين في العالم وهو موّل حملة هيلاري كلينتون، خلال الانتخابات الرئاسية عام 2016، وهو متهم من قبل القوميين برعاية الاحتجاجات والسعي لدفع أجندة ليبرالية متعددة الثقافات.

 

وفي وقت سابق من هذا الشهر، اتهم ترمب سوروس بالدفع لمتظاهرين للاحتجاج على مرشحه للمحكمة العليا القاضي بريت كافانو، الذي واجه اتهامات بالاغتصاب في واقعة حصلت قبل نحو 30 عاما ويواجه سوروس اتهامات بتمويل قافلة المهاجرين الذين خرجوا من هندوراس باتجاه الولايات المتحدة عبر المكسيك.

 

أهمية الانتخابات النصفية

لم يكن لانتخابات التجديد النصفي هذا القدر الكبير من الترقب والانتظار لما ستسفر عنه من نتائج، وذلك لأن العامين الماضيين شهدا في ظل حكم ترمب الكثير من العواصف والجدل والأزمات. وبذلك تصبح الانتخابات المقبلة أشبه باستفتاء على ترمب الذي وصلت شعبيته إلى حدود 40 في المئة من تأييد الرأي العام الأميركي، وهي نسبة ضئيلة لرئيس لم يكمل عامه الثاني بعد في الحكم. ولو استطاع الحزب الجمهوري الاحتفاظ بأغلبيته في مجلسي الشيوخ والنواب، فإن الشعب الأميركي يكون قد منح ترمب ثقته من جديد مما يعطيه زخماً إضافياً للمضي في تنفيذ أجندته. ولكن لو تمكن الديمقراطيون من تحقيق انتصارات جديدة، فقد يدفع هذا الرئيس إلى مراجعة سياسته. وستأتى تلك الانتخابات أيضا في الوقت الذي يترقب فيه الأميركيون إعلان المحقق الخاص روبرت مولر عن نتائج تحقيقاته في شأن التدخل الروسي في الانتخابات عام 2016، وعما إذا كان هناك تواطؤ من حملة ترمب مع الروس وهل سعى الرئيس لعرقلة سير العدالة، ومن المرجح أن تكون نتائج هذا التحقيق ذات تأثير ملموس على تصويت الأميركيين.

 

حظوظ الفوز

ويتوجه الناخبون الأميركيون إذاً إلى مراكز الاقتراع في السادس من تشرين الثاني لاختيار كافة أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435 إلى جانب اختيار 43 من أعضاء مجلس الشيوخ من إجمالى 100، وعلى العكس من الانتخابات الرئاسية التى تستخدم أصوات المجمع الانتخابي لتحديد من يدخل البيت الأبيض، فإن انتخابات الكونغرس تعتمد على التصويت المباشر. ويخدم أعضاء مجلس النواب فترات كل واحدة مدتها عامين، وهو ما يعني أن كل النواب يتم انتخابهم فى التجديد النصفي وفي الانتخابات الرئاسية.. يحدد عدد النواب عن كل ولاية وفقا لعدد سكانها. ولكي يصبح الشخص مؤهلا لانتخابه في مجلس النواب، يجب ألا يقل عمره عن 25 عاما وأن يكون مواطنا أميركيا لسبع سنوات على الأقل ويعيش في الولاية التي يريد تمثيلها.

 

أما أعضاء مجلس الشيوخ فيخدمون لفترات متداخلة تبلغ مدة الواحدة سبع سنوات. يتم انتخاب ثلث أعضاء مجلس الشيوخ خلال كل انتخابات نصفية وكل انتخابات رئاسية، ويبلغ أعضاء مجلس الشيوخ 100، بمعدّل عضوين عن كل ولاية. ويجب ألا يقل عمر المرشح عن ثلاثين عاما وأن يكون مواطنا أميركيا لتسع سنوات على الأقل ويعيش في الولاية التي يريد أن يمثلها.

ويحتاج الديمقراطيون في مجلس النواب إلى 24 مقعدا إضافيًا من أجل أن تكون لهم الأغلبية. وتشير الاستطلاعات إلى أن الجمهوريين سيواجهون صعوبة في الحفاظ على أغلبيتهم.

وفي مجلس الشيوخ يدافع الديمقراطيون عن 26 مقعد من الـ43 التي سيجري الانتخابات عليها، ويحتاجون إلى مقعدين إضافيين للفوز بالأغلبية. لكن المشكلة التي تواجههم هي أن أغلب المقاعد التي يسعون للدفاع منها في ولايات استطاع ترمب أن يحقق نصرا انتخابيا كبيرا فيها في السباق الرئاسي عام 2016 وتشمل الانتخابات أيضا اختيار 36 من حكام الولايات وثلاث مناطق أميركية. ومن أبرز الولايات التي ستشهد انتخابات لاختيار حاكمها هذا العام أوهايو وميتشيغن وبنسلفانيا وفلوريدا.

وفي الوقت الراهن، يشغل جمهوريون 33 من إجمالي 50 منصبا لحكام الولايات، ويسيطرون على أغلب مجالسها التشريعية. ومن بين 36 ولاية تشهد انتخابات الحكام، 23 منها جمهوريون يسعون للدفاع عن مناصبهم وإعادة انتخابهم.

 

الخلافات داخل إدارة ترمب

ولعل استحقاق الانتخابات ليس هو وحده من التحديات التي تواجهها إدارة ترمب التي ظلت منذ تسلم الرئيس الحالي مهام منصبه في البيت الأبيض تشهد توتراً وقلاقل داخل الفريق الحكومي ذاته، ولم يسبق أن شهدت إدارة أميركية هذا الكم من الاستقالات داخل الفريق الحكومي مثل ما عرفته الإدارة الحالية، وفي آخر سلسلة من التجاذبات، برزت إلى الواجهة محاولة مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض جون بولتون ونائبته لإقالة وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس عن طريق نشر شائعات حول مغادرته الوشيكة للإدارة. ويعتقد بولتون ونائبة مستشار الأمن القومي التي اشتبكت مراراً مع ماتيس بشأن تعيينات مسؤولي وزارة الدفاع، أن الوزير لا يتناسب مع رؤية إدارة الرئيس دونالد ترمب.

 

وأشار أحد المسؤولين في إدارة دونالد ترمب إلى أن بولتون ونائبته هما الوحيدان اللذان سيستفيدان من رحيل الوزير ماتيس، مضيفاً أن الوزير يحظى باحترام كبير داخل الحكومة ومن قبل المشرعين الديمقراطيين والجمهوريين. وتثير مسألة استقالة ماتيس اهتماماً واسعاً في واشنطن، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنه ينظر إليه على أنه مسؤول يتمتع بالخبرة والحكمة وثبات الرأي داخل الإدارة الحالية التي غالباً ما تعاني من الاضطرابات والتقلب. وبحسب المعلومات فإن عدم انتظام اجتماعات مجلس الأمن القومي التي يتلقى فيها الرئيس تقييمات وآراء مجموعة من المسؤولين، بما في ذلك وزير الدفاع هو مصدر إحباط بالنسبة للبنتاغون حيث أن الرئيس لا يستمع بانتظام بأي طريقة منظمة ومنضبطة إلى آراء مجموعة كاملة من مستشاريه، ويحضر بدلاً من ذلك اجتماعات معينة تحت سيطرة بولتون. وقد تسببت هذه المسألة في حدوث توترات بين ماتيس وبولتون في الماضي، على الرغم من وصف مسؤول آخر في الإدارة  هذا الأمر بأنه مجرد إشاعة يروّج لها ماتيس نفسه. وأشار مسؤول في البيت الأبيض إلى أن بولتون وماتيس ووزير الخارجية مايك بومبيو يلتقون ببعضهم البعض أسبوعياً تقريباً لتناول وجبة الإفطار ولمناقشة سياسة الأمن القومي.

 

في ضوء كل ما تقدّم لا تبدو إدارة ترمب في أفضل أحوالها على الرغم من إعلان الرئيس الأميركي بذاته مراراً وتكراراً عن التقدم الذي حققه في مجالات عدة ولا سيما على الصعيد الاقتصادي وتوفير المزيد من الوظائف للأميركيين. فهل يبدو الناخب الأميركي مقتنعاً بوجهة نظر رئيسه ويمنحه ويمنح الحزب الجمهوري ثقته من جديد في انتخابات التجديد؟ أم أنه سيصدر حكمه في صندوقة الاقتراع وتأتي النتائج بما لا تشتهيه الإدارة الحالية، مع ما يعني ذلك أن الولايات المتحدة قد تكون مقبلة على المزيد من الأزمات في العامين المتبقيين من عهد ترمب؟ أم أن عهد ترمب سيبقى صامداً على الرغم من كل الضغوط وربما قد يقود انتصاره في الانتخابات النصفية إلى تجديد ثقة الأميركيين به في الاستحقاق الرئاسي المقبل عام 2020؟

 

لإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل