العودة إلى الكيان والدّولة

 

أقفلت صناديق الاقتراع في بلد الحزبين وتمّ تقاسم الرّبح. الديمقراطيّون انتزعوا مجلس النوّاب منذ ثماني سنوات للمرّة الأولى، والجمهوريّون احتفظوا بمجلس الشيوخ بعدما أفلت مرشّحوهم من الخسارة بفوارق بسيطة. وبغضّ النّظر عن خسارة حزب الرّئيس ترمب سيطرته على مجلس النوّاب إلا أنّه وصف انتخابات التّجديد النّصفي للكونغرس بأنّها نجاح هائل. وسط هذه المشهديّة التي ستنعكس حتماً على السياسة الدّوليّة للولايات المتّحدة، أين لبنان؟ ولماذا يصرّ فريق الثامن من آذار على أخذ البلاد رهينة اللّحظة الأخيرة؟

 

من البديهي ألا تتأثّر دولة بحجم لبنان، بهذه الحالة الدّوليّة. إلا أنّ الأهميّة الجيوبوليتيكيّة لبلدنا، تضعه في عين العاصفة، لا سيّما مع إصرار حزب الله وفريقه السياسي على المضي قدماً في دعمهم حليفهم الايراني الذي دخل بدوره في حالة اشتباك مع المجتمع الدّولي.

لم يكتفِ هذا الفريق بزجّ لبنان في آتون الحرب السّوريّة بل تابع مسيرته التصاعديّة عارضاً نفسه ليكون منصّة تهرب وتتفلّت عبرها إيران من كمّاشة العقوبات الأميركيّة. لكأنّ بلد الـ 10452 كلم2 يستطيع مواجهة بلد 9,834 مليون كلم 2.

 

اكتفينا في لبنان بطولات دونكيشوتيّة، إنْ آنَ آنٌ، آنَ أوانُ بناء الدّولة القادرة القويّة، السيّدة الحرّة المستقلّة، هذه الدّولة التي لا نريدها أن تنأى بنفسها عن الصّراع العربي الاسرائيلي بل أن تعتمد على ما تمّ التوصّل إليه بعد القرار 1701، وأن تنأى بنفسها عن سائر أزمات المنطقة، من سوريا إلى اليمن فالقطيف، والعراق، والكويت، والبحرين، وأيّ مكان آخر، وليس انتهاءً في فنزويللا وأميركا اللاتينيّة.

 

بات لبنان اليوم في سجن دوليّ كبير، ورهينة بيد الايرانيّين الذين سيستخدمونه كورقة تفاوض على مصيرهم الاقتصادي. ولم يعد الموضوع تنافس وزاريّ على مقعد في الحكومة، أو حتّى صراع وجوديّ بين المكوّنين الحضاريّين في لبنان: السنّي والشّيعي. ومن الطّبيعي جداً، أنّ ما اصطلح هؤلاء على خلقه وتسميته بالعقدة القوّاتيّة أو العقدة الدّرزيّة قد أسقطوه بأنفسهم بعدما كشفوا عن نواياهم المستورة في التزلّم للخارج.

 

الحقيقة اليوم باتت واضحة كالشّمس. وقد بات معلوماً من يريد أن يبني دولة ومن يريد أن يرهن ما تبقّى من دولة لمصلحة الايرانيّين. نعم، نتّفق مع حزب اللّه في ملفّ مكافحة الفساد، ولكننا نختلف معه في تموضعه الاقليميّ ونظرته إلى المجتمع الدّولي. ومتى اعترف هذا المكوّن بلبنانيّته قبل أي انتماء آخر فلن يفرّقنا عنه أيّ شيء سوى التّنافس السياسي الشريف على مشاريع بناء الدّولة.

 

ما لم نفهمه بعد هذا الاصرار على “التسهيل” الاقليمي على حساب بناء الدّولة. نفهم الانتماء الدّيني والعقائدي لأيّ مجموعة حضاريّة في لبنان والعالم. لكن ما لا نستطيع تقبّله أن ترهن اي مجموعة حضارة نفسها لتصبح آداة تنفيذيّة بيد من تدين له بالانتماء الفكري والعقائدي. ماذا وإلا لصار المسيحيّون كلّهم جيش روما، ولصارت الامبراطوريّة الرّومانيّة اليوم لا تغيب عنها الشّمس.

 

زمن الامبراطوريّات ولّى إلى غير رجعة.  لذلك ندعو اللّبنانيّين كلّهم، مع كامل احترامنا لانتماء أيّ منهم، فكرياً كان أم عقائدياً دينياً، ندعوهم إلى العودة إلى أحضان الكيان اللّبناني لبناء الدّولة اللّبنانيّة على قاعدة الذّكي الذي يتعلّم من تجاربه، لكن العبقري هو الذي يتعلّم من تجارب غيره. ندعوهم إلى العبقريّة وبالطّبع لا ينقص أيّ لبناني ميزة واحدة من هذه المميّزات. ماذا وإلا فهم يضعون بأيديهم لبنان على مقصلة التّاريخ الذي لن يرحمهم أبداً. فهل يتّعظون؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل