لبنان في مهبّ العاصفة الأميركية ـ الإيرانية

كتب فادي عيد في “المسيرة” – العدد 1686

 

دخلت في الرابع من الجاري الحزمة الثانية من العقوبات الأميركية على إيران حيّز التنفيذ، وهي تشمل حظراً إقتصادياً على 700 شركة ومؤسّسة وشخصية إيرانية، وأهمها تلك المرتبطة مباشرة بتصدير النفط الإيراني إلى الخارج، إضافة إلى المصارف، وفي مقدّمها المصرف المركزي الإيراني. وإذا كان الإستهداف نفطياً ومالياً، فإن الغاية الأولى هي سياسية، فهل ستحقّق الولايات المتحدة مآربها جراء هذه الحزمة التي وصفت ب» الأكثر قساوة في تاريخ أميركا» ؟ وما هو تأثير الصراع مع إيران على لبنان ودور «حزب الله»  فيه؟

د. بول سالم: تأثيرها على لبنان سياسي

ودور إيران في الخارج هو الهدف

مدير «معهد الشرق الأوسط في واشنطن» الدكتور بول سالم، إعتبر أن «هذه العقوبات إقتصادية ولكن هدفها سياسي، لذلك، يجب التمييز ما بين الفاعلية الإقتصادية والفاعلية السياسية. فعلى المستوى الأول، فإن التأثير كبير نظراً لتحكّم الولايات المتحدة بقسم كبير من النفوذ الإقتصادي والمالي في العالم، مما يؤثّر على كل الدول من أوروبا إلى الصين واليابان، والعقوبات السابقة كان لها وزن، أما اليوم فإن هذه العقوبات ستكون فاعلة، إذ أن صادرات إيران النفطية ستتراجع، واستثناء 8 دول من استيراد النفط الإيراني، يعود إلى سببين:

الأول: أن الإدارة الأميركية لا تريدأن تحدث صدمة تؤدي إلى رفع أسعار النفط في العالم، مما يؤثّر على الإقتصاد الأميركي وعلى ناخبي الرئيس دونالد ترامب.

الثاني: هو أن واشنطن لا تريد أن تؤثّر سلباً على دول أخرى تربطها علاقات جيدة أو مقبولة بها، وهي أعطتها فترة زمنية من أجل استبدال النفط الإيراني بنفط من دول أخرى».

أضاف سالم: «إن الوضع الإقتصادي الإيراني يعاني العديد من المشاكل الداخلية، من سوء إدارة وفساد، وسيعاني من العقوبات الأميركية في المرحلة المقبلة.

أما بالنسبة لهدف العقوبات، فإن الرئيس ترامب، يقول أن هدفها دفع إيران إلى التفاوض للوصول إلى معاهدة رسمية تصدّق في الكونغرس الأميركي. ولكن هناك بعض الصقور يرفضون الصفقة أو المعاهدة، ويريدون إسقاط النظام الإيراني، وهم لن يستطيعوا أن يؤثّروا على هدف ترامب المعلن وهو التفاوض دون شروط مسبقة من خلال لائحة من المطالب الأميركية ستقلب السياسة الإيرانية الخارجية».

وقال سالم: «إيران رفضت ذلك، ودخلت في مرحلة صمود كما أعلنت طهران، لأنهم يعتبرون أن الرئيس ترامب هو حالة عابرة، والمهم أن يصمدوا مرحلياً، وهم قد اعتادوا هكذا أزمات بعد مراحل طويلة من الحصار بسبب العقوبات الماضية» .

وأشار الدكتور سالم، إلى أن «العقوبات لن تغيّر في السنتين القادمتين في الموقف الإيراني، ولن تصل إلى اتفاق، مع الأخذ بالإعتبار، أنه من الصعب توقّع ردّة فعل الرئيس ترامب، انطلاقاً من علاقته مع كوريا الشمالية التي انقلبت من العداء إلى التعاون بعد اجتماع وحيد، ومن دون مضمون، لأن ترامب يتحرّك إعلامياً في الدرجة الأولى» .

وعن الموقف الأوروبي الرافض لهذه العقوبات، لاحظ سالم، أن الموقف الأوروبي، قد يناسب إدارة ترامب، لأن الدول الأوروبية تحافظ على الإتفاق النووي مع إيران، بينما واشنطن قد انسحبت منه، بما معناه أن إيران لا تزال ملتزمة بالشروط التي تمنعها من التقدّم في اتجاه تفعيل البرنامج النووي. وبالتالي، فإن هذه الإتفاقية تطمئن أميركا وإسرائيل.

أما بالنسبة لمحاولة أوروبا تجنّب العقوبات الأميركية بالنسبة للتعامل الإقتصادي مع إيران، فإن الأمر سيكون صعباً لأوروبا، حيث الأسواق الحرّة والشركات غير مملوكة من الدول، ومعظم الشركات الكبرى قد اتّخذت قراراً بعدم خسارة الأسواق الأميركية لمصلحة السوق الإيراني الصغير. بالنسبة للولايات المتحدة، فإن الشركات الكبرى سوف تتجنّب الإستثمار في إيران، بينما إيران ملتزمة بالإتفاق النووي مع أوروبا.

وعن الخطة «ب» البديلة في حال فشلت هذه العقوبات، رأى سالم، أنه ليس هناك خطة «ب»، بل هناك نتيجة الخطة «أ»، وهي أن إيران تتفاوض مع أميركا حول ملفها النووي، وهذا هو الهدف «أ»، أما الهدف «ب»، وليس الخطة «ب»، فهو إذا رفضت إيران التفاوض ستتعرّض لحصار شبه عالمي، وتصبح أضعف من السابق، ويتراجع دورها في الخارج، وهذا هو الهدف «ب». وبما أن الهدف «أ» مستبعد، فإن الهدف «ب» هو المرجّح، ولكن ما من خطة أميركية لأي تحرّك عسكري ضد إيران وحلفائها في أي مكان.

وعلى صعيد انعكاس هذه العقوبات لبنانياً، فقد اعتبر سالم، أنه كلما تصاعد التوتّر بين أميركا وإيران، سوف تزول المناطق الرمادية لمصلحة المناطق السوداء أو البيضاء، أي أن الإنقسام سيكون واضحاً ما بين حلفاء إيران ومعارضيها.

أما بالنسبة للوضع الإقتصادي الداخلي، فإن الإقتصاد اللبناني منفتح وليس مغلقاً، وهو مرتبط بالإقتصاد العالمي، كما أنه لا يقيم علاقات قوية مع إيران.

في المقابل، وعن تأثير العقوبات على النظام المصرفي اللبناني، قال سالم، أنه مرتبط بالنظام العالمي في نيويورك، ولذلك، ما من خيار أمام المصارف سوى الإلتزام بالشروط الأميركية، لأنه واقع النظام المصرفي اللبناني. ولكن المشكلة ربما تظهر في لبنان على مستوى تشكيل الحكومة الجديدة، وذلك لجهة حصة «حزب الله» فيها، إذ أنه في ضوء وجود عدد كبير من الصقور في الإدارة الأميركية، فإن واشنطن قد تتّخذ موقفاً سلبياً من الحكومة، وهذا الأمر، لن يؤثّر فقط على حجم المساعدات الأميركية للجيش، وهو ليس كبيراً، ولكن على مؤتمر «سيدر1»، وعلى مواقف دول الخليج من لبنان. لذلك، فإن الزورق اللبناني، هو اليوم في مهبّ العاصفة الأميركية ـ الإيرانية، ولا شك أن هناك ضرورة للتحلّي بالكثير من الحكمة، لكي يتفادى لبنان أسوأ نتائج هذه المواجهة.

د. سامي نادر: تعليق تشكيل الحكومة

ورقة بيد إيران وعون يعيد تموضعه

من جهته، رأى الخبير الإقتصادي والمحلّل في شؤون الشرق الأوسط الدكتور سامي نادر، أن العقوبات الأميركية هي التي دفعت إيران إلى الجلوس على طاولة المفاوضات التي هدفت إلى الحدّ من نشاطها النووي. أما اليوم، فإن واشنطن استعادت حزمة العقوبات السابقة كلها، وزادت عليها عقوبات جديدة، مع العلم أن رفع العقوبات من قبل الإدارة الأميركية السابقة، لم يساهم في تحسين الوضع الإقتصادي الإيراني، حيث أن الواقع المالي والإقتصادي مأزوم، وليس منذ اليوم، بل منذ الإعلان عن قرار العقوبات، ذلك أن الأسواق استبقت العقوبات، مما أدّى إلى ارتفاع نسبة التضخّم إلى 300 في المئة، فيما ارتفعت نسبة البطالة بشكل كبير، كما أن صادرات إيران النفطية انخفضت إلى مليون برميل، وستستمرّ بالإنخفاض إلى أن تصل إلى مستوى صفر صادرات.

وإذا كانت العقوبات قد أثبتت فاعليتها في السابق، فهي ستكون أكثر فاعلية في المستقبل، بسبب القرار الأميركي الحاسم ضد إيران والإرادة القوية لدى الرئيس ترامب، الذي يوسّع حلبة النزاع مع الإيرانيين، ويزيد من حدّته بشكل تدريجي.

ورداً على سؤال حول قدرة الأوروبيين من خلال موقفهم لتخفيف وطأة العقوبات، اعتبر أن هذا الموقف غير مؤثّر، لأنهم وضعوا الشركات الكبيرة أمام خيارين، إما السوق الأميركي، وإما السوق الإيراني، مما دفعها إلى اختيار الأسواق الأميركية التي هي أكبر بعشرين مرة من السوق الإيراني. لذلك، عندما تنسحب شركات مثل «سيمنز» و»توتال» وغيرها من إيران، لن تبقى في إيران إلا الشركات التي لا تملك أية مصلحة في الأسواق الأميركية، مع العلم أنه حتى بالنسبة لهذه الشركات التي بقيت، فإن أميركا عيّنت فريقاً خاصاً للإتصال بها بشكل فردي وحضّها على وقف التعامل مع إيران، خاصة وأن هذه الشركات لا تستطيع القيام بالمعاملات المالية، بل هي تقبض من دولها التي تقوم بعمليات مبادلة مع إيران على غرار ما كان يحصل مع الروس خلال الحرب الباردة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المنظومة فشلت خلال الحرب الباردة، وهي ستفشل اليوم.

ومن جهة أخرى، أضاف نادر، البارز اليوم أن هناك تغييراً قد طرأ على المزاج الأوروبي، إذ أن أوروبا تمايزت عن أميركا في موقفها من الإتفاق النووي الإيراني، ولكن في مواجهة إيران وسياستها، فإن موقف الطرفين هو واحد في الفترة الأخيرة، فالدانمرك تقوم بملاحقة إيران أمام المحاكم الأوروبية، وفي بريطانيا يدرس مجلس العموم مشروعاً يوقف التمييز بين سلاح «حزب الله» ودور الحزب السياسي.

من هنا، فإن المزاج الأوروبي قد بات أكثر تفهّماً وأكثر تلازماً مع الموقف الأميركي، مما يجعل من وقع العقوبات أقسى من السابق.

بالإضافة إلى ذلك، فإن إيران، ومنذ انتخاب ترامب رئيساً، خسرت مواقع جيو استراتيجية في المنطقة، إذ تراجع نفوذها في سوريا بفعل تدخل روسيا التي تمتلك الدور الأول والرئيسي، وكذلك، انحسر النفوذ الإيراني في العراق في السنتين الماضيتين. وبالتالي، فإن العقوبات الأميركية ستضغط على إيران بدلالة ردّة الفعل القوية من الإيرانيين ومحاولتهم زرع الشقاق بين أوروبا وأميركا.

وعن دوافع استثناء العقوبات لبعض الدول، أشار الدكتور نادر إلى أن هذا القرار يعود إلى سببين:

ـ الأول: أن الصين والهند، أو أي دولة كبرى تلتزم بمبادرة منها بالموقف الأميركي، ولا تستطيع واشنطن أن تفرض عليها هذه العقوبات.

ـ الثاني: أن الإدارة الأميركية لا تريد أن تكون متشدّدة كثيراً رغم بعض الإنتقادات الداخلية في واشنطن، وهي قامت باستثناء المواد الطبية والغذائية.

وفي المقابل، فإن أي حظر كامل على بيع النفط الإيراني، سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً، مما سيقوّض كل الإنجازات التي قام بها الرئيس ترامب في الداخل الأميركي. لذلك، فإن الأطراف القريبة من واشنطن، مثل كوريا الجنوبية واليابان وإيطاليا تواصل استيراد النفط من إيران، وذلك، برضى أميركي، وللحفاظ على صمّام أمان يسمح بتحقيق الأهداف الأميركية، ولكن بشكل تدريجي، ومن دون خسارة السيطرة الأميركية على سعر النفط عالمياً، لأنه إذا ارتفع سعر البرميل فوق عتبة ال80 دولاراً، فإن التضخّم سيعود إلى الولايات المتحدة الأميركية ويتراجع النمو ويرتفع مستوى البطالة. ومن أجل الحفاظ على ارتفاع النمو، وإبقاء أسعار الفوائد متدنّية، فإن الإدارة الأميركية بحاجة لاستقرار سعر النفط.

وبالنسبة لتأثير العقوبات على «حزب الله»، لفت إلى أنه من الطبيعي أن يتأثّر، وفي مرحلة أولى علينا أن نعرف عدد اللبنانيين من بين أل700 شخصية التي أعلنت عنها واشنطن، وفي مرحلة ثانية، يجب انتظار مدى تأثير العقوبات على البيئة الحاضنة ل»حزب الله»، وفي مرحلة ثالثة، فإن الإقتصاد اللبناني يعاني من الركود وينتظر مؤشّرات إيجابية، وليس سلبية، كما أن «حزب الله» هو في المركب نفسه مع كل اللبنانيين في لبنان، ولذلك، فإن أي انهيار في الإقتصاد اللبناني سينعكس عليه وعلى بيئته الحاضنة، كما على كل اللبنانيين. إذن، فإن العقوبات تأتي في توقيت بالغ الخطورة بالنسبة للإقتصاد، حيث يتم العمل على إعادة الثقة به داخلياً وخارجياً.

وعن العمليات المصرفية في لبنان، فأشار إلى أن قيوداً مصرفية جديدة قد أضيفت عليها، إذ أن عمليات التدقيق في كل المعاملات المصرفية ستطرح قيداً إضافياً على بيئة الأعمال في لبنان وأسعار الفوائد.

أما على صعيد الحكومة المقبلة، فاعتبر نادر أن أكثر من علامة استفهام ستطرح حول مشاركة «حزب الله» فيها، وتأثير ذلك على الدعم الخارجي.

وحول المشهد الإيراني في المرحلة المقبلة، رأى نادر، أن الوضع الداخلي الإيراني سيتأثّر بشكل كبير، لأن العقوبات أثبتت فاعليتها، وعندما قال باراك أوباما، أن العقوبات غير فاعلة، وأن الإتفاق النووي مع إيران يحقّق الأهداف الأميركية، كان الموقف الإسرائيلي أنه لوبقيت العقوبات، لكانت واشنطن حصلت على اتفاق نووي بشروط أفضل تحقّق المصلحة الأميركيةوالهدف السياسي، وهو وقف النشاط النووي. لذلك، وانطلاقاً من الوضع الإقتصادي الضاغط، والنقمة في الشارع، فإن العقوبات ستزيد من الضغوط على النظام، ولكن من دون أن تظهر أية مؤشّرات حول ردّة الفعل المرتقبة من إيران على العقوبات، والتي قد تتراوح ما بين استهداف مواقع أميركية في المنطقة، كما في العام 2005 و2007، أو اللجوء إلى وسائل عسكرية، أو عمليات مشابهة، أو أنها ستفتح الباب أمام المفاوضات. فما حصل في مسقط، مؤشّر على أنه من الممكن أن يكون هناك خط تفاوض سرّي بوساطة من سلطنة عمان.

وعما إذا كان لبنان قد اتّخذ إجراءات للحدّ من تأثير هذه العقوبات، أشار إلى أن السلطة اللبنانية لم تقم بأية إجراءات واضحة، ولكن من اللافت حصول عملية إعادة تموضع من قبل رئيس الجمهورية عشية العقوبات الأميركية على إيران، وعملية تعليق تأليف الحكومة مرتبط بذلك، لأن حكومة لبنان، كما في العراق، باتت اليوم مرتبطة بالملف الإقليمي الكبير، لأن إيران تعمل على الضغط من خلال الأوراق التي تمتلكها في المنطقة في اليمن والعراق ولبنان وسوريا.

إن إيران تمسك بأوراقها في هذه الساحات، ولكنها لا تحرّكها، بانتظار الجلوس على طاولة المفاوضات، ولذلك، تجمّدت عمليات تشكيل الحكومة في لبنان، كما في العراق.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل