الآتي أظلم؟


كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” ــ العدد 1686

 

عندما أعلن رئيس حزب «القوات» سمير جعجع من معراب في 29 تشرين الأول الماضي الموافقة على دخول الحكومة بأربعة وزراء كان من المفترض أن يكون هذا الإعلان بمثابة إشارة الإنطلاق نحو تشكيل الحكومة قبل حلول موعد الذكرى الثانية لانتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية. ولكن ما حصل قلب التوقعات والمقاييس عندما شهر «حزب الله» سلاح التعطيل بإعلانه التمسك بتمثيل سنّة 8 آذار في الحكومة، الأمر الذي قوبل برفض طبيعي من الرئيس المكلف سعد الحريري ومفاجئ من رئيس الجمهورية ميشال عون. هذا التعطيل للحكومة وللعهد زاد الظلام السياسي ظلامًا وبشّر بأن الآتي من الأيام قد يكون أظلم بدل أن يكون موعد 31 تشرين الأول مناسبة لإضاءة شعلة أمل للبنانيين.

 

يُقال أن الرئيس عون كان يراهن على نجاح المساعي الأخيرة لاجتياز الأمتار الأخيرة من تشكيل الحكومة بعد انتظار طال منذ انتخابات 6 أيار الماضي، وأنه استقبل قرار «القوات اللبنانية» بفرح ولكنه أصيب بخيبة أمل بعدما تبلغ موقف الحزب المعرقل للتشكيل من دون أن يأخذ في الإعتبار أن هذا الأمر كان رهاناً شخصيا عنده. ولذلك لم يتردد الرئيس عون في إعلان موقفه الرافض لتوزير أي من النواب السنّة الستة الذين يتبناهم الحزب، معتبرا أنهم يأتون من كتل مختلفة ولا يشكلون كتلة، وأنه لا داعي لتوزيرهم.

 

في بيت الوسط كان أيضًا انتظار لموقف «القوات». بعد إعلانه من معراب نقله الوزير ملحم الرياشي مع أسماء وزراء «القوات» وكان الرئيس المكلف سعد الحريري فرحًا بتذليل آخر العقبات، وسارع إلى الإتصال بالدكتور جعجع مثمّناً الخطوة التي كان يجب أن تمهد لإعلان التشكيل الذي كان ينتظره أيضًا كما الرئيس عون.

ليست المرة الأولى التي يحرج فيها «حزب الله» العهد. منذ انتخاب العماد عون رئيسًا يبدو أن الحزب يقيس كل خطواته متحسبًا للطريقة التي يدير بها الدولة. وعلى رغم المواقف التي يطلقها الرئيس أحياناً وتصب في مصلحة تأمين تغطية رسمية للحزب يبدو أن الحزب لا ينام على حرير.

 

منذ البداية أعلن «حزب الله» وحركة «أمل» عما يريدانه من تشكيل الحكومة ومنذ البداية كان هناك تسليم بذلك. لم يضع الحزب في أي وقت أن يكون توزير أحد نواب سنّة 8 آذار شرطاً للتشكيل. كان يتم طرح الموضوع على سبيل ترك القرار فيه للرئيسين عون والحريري، ولكن يبدو أن الحزب كان يريد غير ما يظهر وربما كان يعتبر أن عدم إشهار هذا الطلب هو لعدم إحراج الرئيس سعد الحريري بحيث يبدو وكأن قرار توزير أحد هؤلاء هو خيار الحريري وليس شرطاً من «حزب الله»، ولكن الحريري لم يتبلغ مثل هذا الطلب ولم تتم مفاتحته به على أساس أنه من البداية ومنذ تسميته أشهر أنه يرفض هذا الخيار. فماذا تغيّر حتى عطّل الحزب عملية تشكيل الحكومة وعطل العهد؟

 

ربما كان الحزب يراهن على عدم حل العقدتين المسيحية والدرزية ولكن التطورات قد تكون أثارت قلقه. فما قام به على هذا الصعيد لا يدخل في إطار التكتيك بل ضمن استراتيجيته للمواجهة الشاملة. ربما أيضًا أن الحزب لم ينظر بارتياح إلى تجاوز مسألة المقعد الدرزي الثالث عبر موافقة رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط على تسليم الأمر للرئيس عون. وربما اعتقد الحزب أن عقدة تمثيل «القوات» ستبقى عالقة وراهن على استمرار التعطيل. ولكن موافقة «القوات» على حصتها في التشكيلة فاجأه. لم يتفاجأ بالحصة بل بالطريقة التي تم من خلالها تذليل العقدة، حيث أنه اعتبر أن ثمة قطبة مخفية حاكها البعض بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف ورئيس «القوات» ورئيس التقدمي لتذليل آخر العقبات وعلى مراحل من دون تنقيزه، ولذلك سارع إلى تعطيل هذا التفاهم الذي يعطي الرئيس الثلث المعطل ويعطي رئيس الحكومة كامل الحصة السنيّة ورئيس «القوات» أربعة مقاعد ورئيس التقدمي عدم حصول النائب طلال أرسلان على أي حقيبة. ونتيجة هذا الشك اعتبر أنه سيكون الحلقة الأضعف في الحكومة في حال استجدت تطورات على صعيد المنطقة والعقوبات الأميركية على إيران تمكن الرئيس عون من التفلت من الدعم الكامل له تماشيًا مع هذه المتغيّرات الأمر الذي يجعله مكشوفا. ولذلك اختار أن يكون التعطيل طريقاً إلى إضعاف تمثيل الآخرين وتقوية تمثيله لأنه ينتظر أيضًا أن يواجه في السنة المقبلة حكم المحكمة الدولية في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي لا يمكن أن يعارضه الرئيس عون.

 

الأمر الآخر الذي يخشاه الحزب هو أنه وعلى ضوء العقوبات الأميركية على إيران يمكن أن تعود المطالبة الدولية بتطبيق القرار 1559 الذي ينص على نزع سلاحه والقرار 1701 الذي يفتي باستعادة الحكومة اللبنانية سيادتها على كامل أراضيها.

السؤال الذي يمكن طرحه بعد هذه التطورات هو ما إذا كانت العلاقة بين الرئيس عون و«حزب الله» ستتعرض لهزة أكبر، خصوصًا أن عون يسلم بأن الحزب مسؤول مباشرة عن تعطيل تشكيل الحكومة وبالتالي تعطيل العهد وهو الذي كان يأمل ويبشر بأن عهده سيبدأ عمليًا بعد تشكيل هذه الحكومة.

لا تتوقف المشكلة عند هذا الحد. آخر ما كان يتمناه الرئيس مثلاً أن يواجه أزمة التعتيم الكامل في المعركة المفتوحة مع أصحاب مولدات الكهرباء. كأنه لم يكن يكفيه أن يتم تعطيل تشكيل الحكومة حتى يواجه أيضًا هذه المشكلة بينما كانت الوعود المرافقة لانتخابه تتحدث عن كهرباء 24 ساعة، فإذا بالوضع يتحوّل إلى ما يقارب عتمة 24 ساعة، وهذا ما كان يمكن أن يحصل لو لم يتم تدارك أزمة تفريغ بواخر الفيول من دون فتح الإعتمادات اللازمة لها.

 

ولذلك لا بد أن يحزَّ في نفس الرئيس أن «حزب الله» لم يقدر المواقف التي أعلنها من الأمم المتحدة تغطية لسلاحه ولا الجولة الدبلوماسية التي نظمها رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل في الضاحية، وأن زيارة وفد نواب كتلة الوفاء للمقاومة إلى قصر بعبدا كانت لرفع العتب. ولذلك لا يمكن أن يقبل الرئيس عون بأنه بعد عامين على رئاسته أن تعود الأمور إلى ما كان الوضع عليه قبل انتخابه وأسوأ: حكومة تصريف أعمال. مجلس نواب يجتمع لتشريع الضرورة. صرف أموال من دون موازنة. اقتصاد مهتز ومتراجع. ديون متزايدة. مزيد من العتمة. قليل من الأمل بالإنقاذ الذي طالما وعد به. بحيث يبدو الأمر وكأن مولدات الحكم هي المتوقفة عن العمل وليس مولدات الكهرباء.

 

فهل يتنازل «حزب الله» طالما أن شعار العهد أن الرئيس عون لا يمكن أن يتنازل، وطالما أن الرئيس سعد الحريري التزم أيضًا بعدم التنازل؟ فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بأسر الحكومة كما ورد في البيان الشهري لمجلس المطارنة الموارنة بعد دخول البطريرك بشارة الراعي على خط دعم الرئيس وتوجيه رسالة إلى «حزب الله»، بل انتقلت إلى محاولة أسر العهد. فهل يتحمّل العهد محاولة أسره وهو يدخل إلى الإحتفال بالذكرى ال75 لإعلان استقلال لبنان؟

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل