#adsense

حان الوقت لعودة إيران الى إيران

حجم الخط

كتبت “المسيرة ” – واشنطن – العدد 1686:

أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات التي تم رفعها كجزء من الاتفاق النووي على قطاعات الطاقة وبناء السفن والشحن البحري والبنوك الإيرانية، قد إستهدفت هذه العقوبات المناطق الأساسية للاقتصاد الإيراني وهي ضرورية لتحفيز التغييرات التي تسعى إليها واشنطن في سياق حرمان النظام من الإيرادات التي يستخدمها لنشر القتل والدمار في مختلف أنحاء العالم، إضافة إلى تحقيق الهدف النهائي المتمثل بإجبار إيران على التخلي بشكل دائم عن أنشطتها غير الشرعية والموثقة بشكل جيد والتصرف كبلد طبيعي. وهكذا تؤكد الولايات المتحدة أن حملة الضغط الاقتصادي الهائلة ضد إيران لن تتوقف لأن هذه الدولة لا تزال أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم، حيث أصدرت تسعة عشر جولة من العقوبات وحددت مئة وثمانية وستين هدفا كجزء من حملة الضغط القصوى، وتمحورت تلك العقوبات حول ملاحقة الشبكات المالية التي يستخدمها النظام الإيراني لتغذية وكلائه الإرهابيين مثل حزب الله وحماس وتمويل الحوثيين في اليمن ودعم نظام الأسد الوحشي في سوريا.

بموجب الجولة الأخيرة من العقوبات التي كانت مفروضة سابقا في مجالات الطاقة والشحن وبناء السفن والقطاع المالي في إيران أضافت وزارة الخزانة الأميركية أكثر من 700 اسم إلى قائمة الكيانات المحظورة وستشتمل هذه الأسماء مئات الأهداف التي سبق أن منحت إعفاءات من العقوبات بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة، حيث أعيد فرض العقوبات التي تم رفعها بموجب شروط الاتفاقية النووية الإيرانية على الأفراد والكيانات والسفن والطائرات التي تتعاطى بالعديد من قطاعات الاقتصاد الإيراني، وشملت هذه العقوبات قطاع الطاقة والقطاع المالي في إيران، كما أن أي مؤسسة مالية أو شركة أو فرد تتجنب العقوبات تخاطر بفقدان إمكانية الوصول إلى النظام المالي الأميركي والقدرة على التعامل التجاري مع الولايات المتحدة أو الشركات الأميركية، وتسعى الولايات المتحدة في النتيجة إلى ضمان توقف تدفق الأموال العالمية إلى خزائن النظام الإيراني.

وفي هذا السياق ستتشدد الولايات المتحدة في تعاملها مع أنظمة الرسائل سويفت وستستخدم وزارة الخزانة الأميركية سلطاتها بقوة عند الضرورة لمواصلة الضغط الاقتصادي المكثف على النظام الإيراني وأن سويفت ستخضع للعقوبات الأميركية إذا قدمت خدمات الرسائل المالية لبعض المؤسسات المالية الإيرانية المعينة حيث جرى إبلاغ سويفت بضرورة فصل أي مؤسسة مالية إيرانية في أقرب وقت ممكن من الناحية التقنية لتجنب التعرض للعقوبات، على أن يسمح للمعاملات الإنسانية إلى الكيانات غير المدرجة استخدام نظام الرسائل سويفت كما فعلت من قبل ولكن يجب على البنوك أن تكون حذرة جدا لئلا تكون هذه المعاملات مقنعة أو قد تخضع لعقوبات معينة، وقد إستجابت سويفت للطلبات الأميركية.

وفي ضوء هدف العقوبات المتمثل بقطع صادرات النفط الإيرانية قدر الإمكان، وذلك بغية تعظيم تأثير حملة الضغط الرئاسية، كان لافتاً أنه في اليوم الذي أعلنت فيه إعادة فرض العقوبات خصصت واشنطن ثماني ولايات قضائية أو دول كما هو متعارف عليه في نظام التعامل النفطي وسمحت لها بإستيراد النفط من إيران، ولكن يعود سبب ذلك بالتحديد إلى أن هذه الدول أظهرت تخفيضات كبيرة في نفطها الخام وتعاونت في العديد من المجالات الأخرى واتخذت خطوات مهمة نحو الوصول إلى نسبة صفر من استيراد النفط الخام الإيراني. وستقوم اثنتان من هذه الولايات القضائية بإنهاء الواردات بالكامل كجزء من اتفاقياتهما، بينما ستقوم الولايات الأخرى بالاستيراد بمستويات منخفضة جدا.

وكانت إدارة الرئيس السابق أوباما أصدرت إعفاءات لـ20 دولة عدة مرات بين العامين 2012 و2015، في حين أن الإدارة الحالية تكون قد أصدرت ثمانية فقط وطلبت بإصدار تنازلات أكثر جدية من هذه الولايات القضائية قبل الموافقة على السماح لها بالاستمرار في استيراد النفط الخام الإيراني بشكل موقت وهذه التنازلات ضرورية لضمان زيادة حملة الضغط القصوى والوصول إلى نسبة الصفر.

وتهدف الولايات المتحدة من وراء هذه الإعفاءات إلى حد كبير في الحفاظ على استقرار اسعار النفط من خلال تحديد السعر القياسي لسعر نفط برنت كما كان في عندما انسحبت من خطة العمل الشاملة المشتركة ولا يفيد ذلك المستهلكين الأميركيين والاقتصاد العالمي فحسب، بل يضمن أيضا ألا تتمكن إيران من زيادة عائداتها من النفط مع انخفاض صادراتها، وهنا فإن النتيجة تتمثل في إنخفاض صادرات النفط الخام الإيرانية بأكثر من مليون برميل حتى قبل دخول هذه العقوبات حيز التنفيذ، وهذا الانخفاض الهائل منذ شهر أيار من العام الماضي هو أعلى بثلاثة إلى خمسة أضعاف مما توقعه الكثير من المحللين.

وقامت وزارة الخارجية الأميركية بإغلاق ثغرة المكثفات التي خلفها عهد أوباما والتي سمحت للدول بالاستمرار في استيراد المكثفات من إيران حتى أثناء فرض العقوبات، وقد سمحت هذه الثغرة لملايين الدولارات بالاستمرار في التدفق إلى النظام. وتتعامل هذه الإدارة مع المكثفات مثل النفط الخام لأن النظام لا يميز بين نوعي المنتجات هذه عندما يقرر إنفاق عائداته النفطية على الصواريخ الباليستية غير القانونية والإرهاب والهجمات الإلكترونية والأنشطة الأخرى المزعزعة للاستقرار، مثل مخطط الاغتيال الذي كشفته الدنمارك. ولن يكون لإيران أي عائد نفطي تنفقه على أي من هذه الأمور، وسيتم الاحتفاظ بمئة بالمئة من العائدات التي تحصل عليها إيران من بيع النفط الخام في حسابات أجنبية ولا تستطيع إيران استخدامها إلا من أجل التجارة الإنسانية أو التجارة الثنائية في السلع والخدمات غير الخاضعة للعقوبات.

فشل الاتفاق في لجم خطط إيران العسكرية

تعتبر الإدارة الأميركية الحالية أن الاتفاق النووي مع إيران بموجب خطة العمل المشتركة لم ينجح في تحقيق هدفه الأساسي، ألا وهو قطع كافة سبل الحصول على قنبلة نووية إيرانية بشكل دائم، ولم يحرك ساكنا للتعامل مع تصرفات النظام الخبيثة عبر مختلف أنحاء الشرق الأوسط ومناطق أخرى في العالم ولا سيما في أوروبا ودول أميركا الجنوبية، فقد ارتفعت الميزانية العسكرية الإيرانية بحوالي 40 في المئة منذ تم التوصل إلى الصفقة النووية وضخ النظام الإيراني مليارات الدولارات في الصراعات الإقليمية وسرّع تطوير الصواريخ وانتشار الأسلحة وقد استهدفت العقوبات عددًا كبيرًا من الأفراد بسبب ارتباطهم بدعم إيران للإرهاب وبرنامج الصواريخ الباليستية وكذلك انتهاكات حقوق الإنسان والأنشطة الإجرامية وغير ذلك، وستؤدي العقوبات إلى قطع الإيرادات التي يستخدمها النظام لتمويل الجماعات الإرهابية وإثارة عدم الاستقرار العالمي وتمويل البرامج النووية والصاروخية وإثراء قادتها.

تأثير الخطط في سوريا

شدد مراقبون في الولايات المتحدة أن الإدارة الحالية تواصل العمل على تنفيذ خططها في شرق سوريا، حيث تدربت القوات الأميركية والتركية طوال شهر تشرين الأول لبدء دوريات مشتركة بالقرب من بلدة منبج بشمال سوريا، وكان لافتاً زيارة الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القيادة المركزية الأميركية منطقة التنف المقفرة في جنوب سوريا حيث أكد أهمية دور القاعدة العسكرية الأميركية في محاربة تنظيم «داعش».

ويشير المراقبون إلى أن الزيارة والخطط الموضوعة حول منبج للموقف تؤكد الموقف الأميركي تجاه سوريا بشكل عام، حيث لا تزال واشنطن ملتزمة بمحاربة «داعش» ولكنها مضطرة أيضاً لمواجهة إيران ومحاولة التعامل مع المخاوف التركية. وتشير المعلومات إلى أنه على الرغم من قضية مقتل الصحافي والكاتب السعودي جمال خاشقجي في قنصلية الرياض في إسطنبول، فإن ذلك لم يؤثر في  الحسابات الأميركية حول هدف التعاون مع حليف رئيسي للولايات المتحدة في المنطقة ألا وهو السعودية التي قامت على الرغم من تداعيات هذه القضية بتقديم 100 مليون دولار لدعم جهود الاستقرار في شرق سوريا ولتحقيق هذه الغاية، ينسق الفريق المعني بجهود الاستقرار، والمعروف باسم ستارت، مجموعة من الجهود مع وزارة الخارجية الأميركية.

وتعمق واشنطن مشاركتها، بعد عام من هزيمة «داعش» في عاصمته في الرقة. وفي الوقت نفسه، تنفذ قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة وشركاؤها من قوات سوريا الديمقراطية في وادي الفرات معارك عنيفة ضد «داعش» حول منطقة تدعى هجين، وتعتبر الولايات المتحدة أن ما تقوم في سوريا يأتي أيضاً في سياق مواجهة إيران، حيث كشف الجنرال فوتيل أنه في حين أن الجهد الرئيسي المرتبط بالعقوبات على إيران هو دبلوماسي واقتصادي، فإن هناك أشياء موازية يقوم بها الجيش الأميركي في سوريا وتدعم مواجهة بعض التأثير الإيراني الخبيث، ليس فقط في سوريا، ولكن أيضاً في المنطقة.

وبدا أن تمويل البنية التحتية والمساعدة في تحقيق الاستقرار واستمرار الدور الأميركي في شرق سوريا هي أهداف صاغتها الرياض وواشنطن سوياً. وعلى الرغم من إشارة الرئيس دونالد ترامب في آذار الماضي إلى أن الولايات المتحدة ستغادر سوريا قريباً جداً ولكن بعد سلسلة خطط وضعها مستشار الأمن القومي جون بولتون، تبنت إدارة ترامب موقفاً جديداً قد يستلزم البقاء في سوريا إلى أن تقوم إيران بسحب قواتها من هذا البلد وقد سعت الولايات المتحدة إلى خفض التمويل لشرق سوريا وإلى تشجيع السعودية على دفع المزيد وهو ما يعني باختصار التنازل عن المسؤولية المالية في شرق سوريا للرياض بينما تحافظ الولايات المتحدة على بعض النفوذ العسكري على الأرض وتدرب قوات سورية الديمقراطية للقيام ببقية المهام على الأرض.

وهكذا يعتبر المراقبون أن كل شيء يسير على ما يرام بالنسبة لخطة ترامب في سوريا، ودور الرياض في السياسة الإيرانية الأوسع عموماً. ويؤكد هؤلاء أن أن إطالة الحملة على «داعش» في شرق سوريا مع التركيز على البقاء في سوريا حتى يتم تقليل الوجود الإيراني أصبحت سياسة مركزية بالنسبة لإدارة ترامب. وسيظل تحديد تفاصيل كيفية القيام بذلك بدعم من الخليج، بما في ذلك دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسعودية، مع معالجة المطالب التركية هو التحدي الرئيسي أمام واشنطن حتى نهاية العام.

في ضوء كل ما تقدم فإن استراتيجية الولايات المتحدة لإيران تركز على ثلاثة جهود، ألا وهي الدبلوماسية واستعادة الردع والوقوف إلى جانب الشعب الإيراني. وضمن هدف استعادة الردع ستمنع واشنطن مليارات الدولارات عن النظام الإيراني، وهي مليارات كان سينفقها في سوريا والعراق. وأضافت الولايات إلى بنداً رئيسياً ضمن هذه الإستراتيجية ويتمثل بالعمل على إخراج كافة القوات الخاضعة للقيادة الإيرانية من سوريا حيث يتواجد نحو 2,500 جندي من الحرس الثوري الإيراني في سوريا ويدير قاسم سليماني حوالي عشرة آلاف مقاتل شيعي، ويشكل هذا الوجود عائقا أمام تحقيق الاستقرار في سوريا والتوصل إلى دستور جديد وإجراء انتخابات والمضي قدما في عملية سياسية لا رجوع فيها. وستمنع الولايات المتحدة مساعدات إعادة الإعمار عن أي مناطق خاضعة لسيطرة نظام الأسد كشرط لتحقيق أهدافها الاستراتيجية هذه، بما في ذلك خروج القوات الخاضعة للسيطرة الإيرانية من سوريا بشكل كامل.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل