.jpg)
لمَ فوجئ لبنان بـ”النتائج المالية” التي جعلت من النصف الأول من السنة “كارثة” تنبئ بإقتراب لبنان من المحظور؟ فهل كان مَن يتوقع تحسّنا من عام محموم، سياسياً وإجتماعياً وإقتصادياً؟ وعلام كان يفترض أن يستند مسار المالية العامة، إن كان لبنان باق على تقاعسه حيال إصلاح ما يمكن قبل الإنهيار الكبير؟
كالصاعقة، نزلت “النتائج المالية” التي نشرتها وزارة المال منتصف الأسبوع الماضي عن أداء النصف الأول، رغم أنها جاءت ترجمة طبيعية لمناخ محلي مثقل بعوامل إقليمية، منذ تغلفت المؤشرات القطاعية بـ”الأحمر” لتنذر بتراكم الأعباء على الإقتصاد الوطني. فهل كان متوقعاً أن ينتظم قطار الإنفاق العام “المتفلت” ضمن قاطرة الإيرادات المضغوطة لتكبح تنامي العجز والدين العام، في ظل هذا الكمّ من مفاعيل فراغ حكومي قاتل ومفتوح الأفق؟ وهل بلغ لبنان حافة السقوط بعد حلقات فشل متوالية، لتسدّ الأفق أمام حفنة متبقية من المؤمنين والصامدين بالإستثمار والعمل والبقاء في لبنان؟
توصيف “الدولة الفاشلة”، هو قرار يتخذه المجتمع الدولي ويعلنه بعد أن يتيقّن من عجز الدولة بعد فترات سماح عديدة، عن تسديد ما يتوجب عليها من مستحقات مادية وغير مادية، أي وعود وإلتزامات. وهذا توصيف ينطبق على لبنان بعد فشله في إدارة المالية العامة، وبات يضيّق الخناق أكثر فأكثر على مكوّنات المناعة والقدرة على الصمود في وجه الصدمات. وفي أقرب الدلائل، تقاعس السلطة عن تطويق “مزارب الهدر” في المالية العامة، ما رفع الإنفاق بنسبة 29% وخفّض الإيرادات بنسبة 2%، فرفع تاليا العجز المالي بنسبة 34% بمقدار 3 مليارات دولار!
لا يقتصر الفشل على إدارة الشؤون المالية، إذ يعاني لبنان قصورا عن إصلاح ما يحتاج من قطاعاته المنهكة، وفي مقدمها الكهرباء التي أرغمت الدولة على “توّسل” بضعة ميغاواط من “سوناطراك” الجزائرية قبل تسديد ثمن إعتمادات الفيول. والدواء بشهادة أهل البيت، مهدد بالإنقطاع إن لم يتم تأمين إعتماد لسدّ العجز المالي المزمن. ويمتدّ القصور الرسمي إلى تسديد إلتزامات المورّدين الذين يقدمون خدماتهم للدولة ولا يحصّلون جزءا من مدفوعاتهم إلا بعد تاخير وتراكم. وأيضا، ثمة مؤسسات عامة لم تتسلم ما يستحق لها من أموال بذمة الدولة منذ أشهر، بما ينذر بإستحالة إستمرار هذا النمط من الأداء.
في فترة الفراغ الحكومي المستمرة منذ 6 أشهر، تغيب القرارات السياسية الجريئة لحلول جذرية تصدّرت عناوين مؤتمر “سيدر”، لتبقى الحلول العادية والمؤقتة متاحة من دون أن تجدي نفعا في إقتصاد متهالك لفظ نحو 2200 مؤسسة منذ مطلع السنة، وفق رئيس الهيئات الإقتصادية محمد شقير.
6 أشهر من الفراغ في إتخاذ قرارات قد تكفل تصويب بعض من الإنحرافات لأن السلطة التنفيذية في عطلة مفتوحة زمنياً. وهذا يعني أن ربع الفترة المنقضية من عمر العهد، خلت من أي إنجاز، بإستثناء الصراع المستمر على السلطة. لكن، ما نفع السلطة إن لم تكن قادرة على إتخاذ قرار أو إنقاذ الدولة؟
لبنان بات دولة فاشلة، يقول أحد وزراء تصريف الأعمال، “ولا ينقصنا الا إعلان رسمي من المجتمع الدولي ووضع اليد على الدولة وتعليق السيادة حتى تنفّذ الإصلاحات، وستكون على حساب المواطن اللبناني”. فالمساحة الزمنية غير كافية إلا لتحرك سريع يفضي إلى تشكيل الحكومة وإتخاذ قرارات إقتصادية ومالية جريئة، “قبل ان يسحب المجتمع الدولي ثقته بقدرة لبنان على إدارة نفسه”. وها هو مؤتمر “سيدر” جاثم في إنتظار صفارة، لينطلق نحو الإصلاح والعلاج، أو نحو وجهة أخرى جدية وجادة في الإفادة من أموال المانحين.
وهل من داع للإستغراب؟ فإلى متى ستطول إنتظارات الداعمين قبل أن يحوّلوا ما أظهروه من دعم في “سيدر” إلى موقع اخر؟ علما أن تلك الدول تعاني أزمات وطنية وتتعرض لإنتقادات بسبب مساعدة دول اخرى. فهل سيكون مفاجئاً إن سحبت الولايات المتحدة دعمها المالي للبنان إنسجاماً مع رفعها منسوب العقوبات على “حزب الله” وإنخراط الأخير أكثر في الحياة السياسية؟ وهي التي لم تتردد في سحب دعمها عن “الأونروا” للضغط على للفلسطينيين، فيما عجزت الدول المانحة الاخرى عن تعويض ذلك.
وهل من موجب للعتب إن بادر بعض الدول المانحة إلى إعادة النظر في إلتزاماته في “سيدر”، إن بقيت الإصلاحات الحقيقية عصية على التنفيذ؟ وإن بقي لبنان عاجزاً عن توفير الكهرباء والدواء لعدم وجود الإعتمادات اللازمة، فكيف له أن ينهض بالإصلاحات المطلوبة، والأقوياء من أبنائه يتسابقون على السيطرة على مجلس الوزراء وعلى السلطة؟
ليس في الأفق ما تستكين له النفوس سوى ما صدر نهاية الأسبوع من تطمينات لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة إلى إستقرار سعر صرف الليرة، وإرتياحه إلى النموذج اللبناني القاضي بالحفاظ على الثبات النقدي والذي يستخدم الدولارات المؤمنة بفضل الثقة “ولا يعتمد على عائدات الموارد الوطنية، باعتبار أنه ليس لديه موارد من المواد الأولية أو دولارات محصّلة من الصادرات”. وقائع إقتصادية ومالية ومصرفية، رأى أنها تتطلب حركة إصلاحية “تساهم في تصغير حجم القطاع العام الذي بات عبئا كبيرا على الإقتصاد، وتعيد توليد ثقة لجذب الإستثمارات”.
ما يهمّ اللبنانيين هو إصلاح ذات البين بين أهل البيت، لأن الحكومة العتيدة لن تعيد الروح إلى إقتصاد واهن في زمن الأزمات التي تلفّ إقتصادات العالم. ورغم كل ذلك، ثمة ترقب لما سيعرضه رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري ظهر غد في مؤتمر صحافي، قيل إنه مخصّص لعرض التطورات السياسية والمستجدات الحكومية!