.jpg)
كمن يرقص على الزجاج، هذا هو “وطن” هذه الايام، وليس هو الوطن بالأساس. نرقص على الزجاج ونتسلّى بموتنا الذي بدأ يسارع خطواته. وطن بأمه وأبيه وقف يستمع الى شاشة و”زعيم”! وطن بأمه وابيه وتاريخه العريق الضارب في التاريخ، جلس ينصت الى من يصرخ في وجهه، يؤنبه لأنه لا يزال وطنا وحرا بحده الأدنى!
وطن مكلل بالعمر ولم يجتاحه بعد شيب الأيام، بل يزهر كل يوم أكثر رغم كل السواد والمسوّدين، زحف الابيض فجأة الى هيبته، بدا مكسور الخاطر حين جلس يستمع الى من يهدد كيانه ويتطاول على قاماته الروحية والزمنية والسياسية، ويعيده الى وعورة البدايات، حين كان يحمل البارودة ليدافع عن هؤلاء قبل سواهم!
وطن بأمه وأبيه وأجياله جلس يستمع الى خطاب قد يفعل الكثير الا أن يبني الأجيال ويزرع أرز الانتماء! وطن بأمه وابيه وقديسيه وحتى شياطينه، استكان في السمع والترقب جلس يشاهد خطاب الاصابع حين تعلو في وجهه معلنة التهديد والوعيد والليل والويل. ويا رب تنجينا من يخالف حضرة “الخوف” المفترض، المنهمر من شاشة صغيرة، من بلازما صارت على مرّ السنين هي المتراس والمحراب والمنبر وإطلاق الفرمانات من السلطة “العلية”، ولا سلطة من المفروض ان تفوقها او تتجاوزها او تعلو عليها!!
هنا ليس الوطن من يتكلم، وهنا ليست تلك المساحة المزنّرة بالشهداء اكثر من عدد حبيبات ترابها وحجارتها، وهنا ليس عبق البخور حين يشيّع ابطال الزمان والمكان وحكايات الكرامة والعنفوان، هنا غير حكاية تحيك ومنذ زمن، خيوطها شبكة عنكبوت لا خيوط حرير الحب والإخلاص.
هنا حكاية وطن مهزوم، مندفع بغزارة صوب الهاوية، متهالك على جسده وقلبه، متقطع النبضات يتحايل على الحياة والكرامة ولا من حياة. هنا في تلك اللحظة بالذات وصوت الوعيد يقذف حمم التفلّت من بلادنا، جلس وطن القرفصاء يستمع ويشرب الكلام كمن يتجرّع كأس السم، انتصب في وجهه إصبع الذل، سأل نفسه “انا من؟ من يدافع عني؟ من يقف الى جانبي في صفي؟ من الشجعان في لبنان، السلطات العليا المفترضة؟ الزعماء السكارى بخطابات التهديد والانصياع؟ ام الناس الحقيقيون الاحرار في ذواتهم وكراماتهم؟ المسؤولون الحقيقيون القلة المتبقون في صحراء الكرامة تلك؟”….
كمن يرقص على الزجاج استمع الوطن الى خطاب الحطام المتكسّر فوق اجنحته، ثمة الكثير من الجروح صارت، وكيف تداوي نزيف الاجنحة المتكسّرة؟ سأل نفسه الوطن الذي زاد عدد كارهيه ونقص عديد محبيه، من الاقوى هنا، جبروت السلاح ام قوة الايمان؟! صار يخاف الوطن من كلام مماثل، يقال انه شعر فارغ، صحيح في مكان ما، لكن ماذا يملك وطن مماثل غير تلك الحقيقة الدامغة؟
لا نملك أكثر من الشجاعة والايمان والنزاهة والرجولة الحقيقية، الرجولة يا خطاب، يا إصبع التهديد، يا وطنا مفترضا في قلب الوطن لنواجه، لندافع عن الوطن، لنجلس قربه وليس القرفصاء، انما منتصبي القامة والروح، نحمل البنادق الحقيقية التي لا تقتل الاجساد انما تحيي الارواح المتخاذلة وتحيي الايمان والكرامة. نقف وندافع عن بلادنا حتى آخر القطرات فينا، اتعرفون لماذا؟ لأنه اذا لم نفعل نحن اموات، واذا فعلنا ومتنا نبقى احياء الى الابد ويعيش الوطن. فلنمت بكرامة وليعش سوانا في الذل ميتا. هؤلاء نحن، هذه بلادنا ارضنا شرفنا كنيستنا مسجدنا مدينتنا ضيعتنا مواسمنا… ولن نموت الا مرفوعي الهامة والروح يا ارض.
