
سلام الشجعان. نقطة على السطر. ومن اول السطر حتى آخره، هي أجمل المصالحات على الاطلاق بعد خصام قارب العداء، وسوء تفاهم والتباس وزعل وزعل وزعل دام نحو اربعين عاما الا يكفي؟
خلص امتلأ الكأس المر من مرارة السنين وتعبها، ليس اجمل من اللقاء والبقاء فيه، سنين طويلة من البعد وسنين اخرى من محاولات تقريب القلوب، الى ان نضج قطاف العناقيد، تعتّقت المحاولات الى ان صار اللقاء نبيذ اللحظة. ليس أجمل من ذاك المشهد، مصافحة الحكيم والبيك، وشو بدنا من الالقاب، ولنقل مصالحة ولاد الشمال، سمير جعجع وسليمان فرنجية، ذاك الشمال الذي لبس الحزن طويلا كما كل لبنان، وحان وقت خلع الثياب السود واللحظات السود والزمن بدأ يكون ميلاديا، ولنلتقي في مغارة المسيح، وليس في تلك المغارة اجمل من تلك الهدية على الاطلاق، نور المحبة.
جلسنا الى الشاشات ننتظر اللحظة، كل نبضة في قلب الحكيم الكبير الكبير، ذاك الرجل الذي صنع التواريخ المجيدة الحقيقية للبنان، كان نبضنا قلبنا لهفتنا شغفنا لطي صفحة الماضي.
وصل سليمان فرنجية، الشجاع الاخر، هرع لمصافحة البطريرك الراعي، وقف الزمن للحظات، حانت الساعة يا انتظار، واقترب فرنجية من جعجع وتصافح الرجلان بشدة، وتبادلا قبل الاخوة واللقاء تحت قبة بكركي، هذا الصرح الماروني العريق الضارب في التاريخ والمجد والكرامة.
خييي التقينا، التقينا رغما عن كل ما يحيط بنا من تباعد وتناتش وخيانات، خيانات بالجملة والمفرّق، واصوات الوعيد واصابع التهديد والويل والثبور، والحكومة الاسيرة في سجن السلاح والتعنت والعناد وما شابه، ورغم كل ذلك جاء اللقاء شتوة تشرين تروي البساتين العطشى، وتغرق الينابيع بالنعمة السماوية. وكأن الرب ارادها اشارة قال البطرك الراعي، دفقت النعمة مع تدفق اللقاء، شو حلو، واحلا ما في تلك اللحظة التاريخية هو البيان المشترك، ولعله من افضل البيانات واوضحها واصرحها على الاطلاق في مصالحة تاريخية مماثلة.
لم يعلنا اتفاقا على اساس تبادل الشروط المسبقة، انما بيانا واضح البنود اول واهم صفاته طي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة على كل الصعد، واللقاء غير المشروط للطرفين، لا قيود هنا ولا امضاءات على بنود، لا قيود في الحلفاء والاصدقاء والخصوم، لكل منهما الحرية المطلقة في اختيار من يشاء وساعة يشاء.
ويبقى الاتفاق واللقاء على عدم التباعد وعدم الخلاف رغم الاختلاف، اللقاء على المواضيع الانسانية الاجتماعية السياسية ايضا مع الحفاظ على القناعات الحرة المتحررة للطرفين، هذا هو عمق اللقاء، الحرية المتبادلة واحترام خيارات الاخر، الحرية لتسرح بينهما رياح السماوات كما يقول ابن الشمال جبران خليل جبران.
وفيما كان المطران جوزف نفاع يتلو البيان الختامي للقاء التاريخي، كانت أجراس الكنائس تقرع في بشري وزغرتا فرحا بالمصالحة، بدا هالقد؟! بدا اكتر بعد. منذ زمن لم نفرح ببساطة، لم نهلل بعفوية ابناء الضيعة وطيبتهم، لم نحقق انتصارا انسانيا وليس بالضرورة سياسيا، ليس بالضرورة مكاسب في حكومة ورئاسة. اجمل الانتصارات تلك التي يهتف لها القلب فرحا صادقا صافيا رقراقا، لانها تلمس مشاعر الناس وتدق على باب انسانيتهم كجرس الميلاد تماما، انا مبسوطة ورايت الحكيم سعيدا من قلبه يضحك، ومعقول ما يكون في مسيحي صادق حر مش مبسوط اليوم؟!
