Site icon Lebanese Forces Official Website

جعجع وفرنجية معًا…

كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” ــ العدد 1687

سمير جعجع وسليمان فرنجية معًا في بكركي في 14 تشرين الثاني 2018. ليس الحدث عاديًا فهذا اليوم سيتحوّل إلى محطة من محطات التاريخ الحديث في صناعة الأحداث والتحولات. في 18 كانون الثاني 2016 كان الحدث في معراب مع زيارة العماد ميشال عون وتبني «القوات اللبنانية» ترشيحه لرئاسة الجمهورية وإعلان التفاهم مع التيار الوطني الحر. وفي 14 تشرين الثاني 2018 كان الحدث في بكركي، وفي الحدثين كان سمير جعجع و«القوات اللبنانية» محور الحركة ومحط الأنظار من أجل رسم صورة جديدة في المشهد السياسي وبناء مساحات للإلتقاء وهدم جدران الفصل على الساحتين المسيحية واللبنانية. ثمة أفعال تثبت أن المستحيلات يمكن أن تتحقق.

 

في خضم العتمة التي تلف الوضع في لبنان والمنطقة ومع انهيار الآمال في عملية تشكيل الحكومة بعد شروط «حزب الله» سرق لقاء بكركي بين جعجع وفرنجية الأضواء ونقل التركيز إلى مكان آخر ليتركا للمتابعين مساحات للإجتهاد والتحليل وبناء التوقعات.

 

كما في 18 كانون الثاني كذلك في 14 تشرين الثاني كانت العاصفة الجوية هي التي تسيطر على الأجواء في لبنان. تحت المطر وصل العماد عون إلى معراب وتحت المطر وصل جعجع وفرنجية إلى بكركي. ولكن اللقاء بحد ذاته سيخلق عاصفة سياسية تغطي على عاصفة الطبيعة.

منذ أعوام حصلت المصالحة عمليًا بين “القوات” و”المردة”. تأخر اللقاء المنتظر ولكنه كان حصل في المضمون وبقي أن يحصل في الشكل وقد حصل فعلاً. على رغم المطبات الكثيرة التي كانت في الطريق كان التصميم على إتمام المصالحة كفيلاً بإزالتها وتخطيها.

ثمة من تولى المقارنة بين ما حصل في لقاء معراب مع العماد عون وبين ما حصل في بكركي مع سليمان فرنجية. ثمة من شكك في إمكانية حصول اللقاء والتفاهم مع عون وشكك في إمكانية حصول اللقاء والتفاهم مع فرنجية، ولكن في الحالين كانت “القوات” حريصة على فتح الطريق أمام صفحات جديدة من العلاقات المسيحية المسيحية تمحو أخطاء الماضي وجراحه وتبني للمستقبل وتعطي أملا بأن ثمة مكان للمسامحة وتجاوز التاريخ القديم إلى تاريخ جديد.

 

لم يكن مطلوبًا أن يذهب سمير جعجع إلى بنشعي ولا أن يأتي سليمان فرنجية إلى معراب مع أن الفرضيتين كانتا مطروحتين وممكنتين وغير مرفوضتين ولكن كان لا بد من نقطة التقاء في الوسط ولم يكن من الأنسب إلا أن تكون بكركي هي ذلك المكان وأن يكون البطريرك بشارة الراعي هو الراعي للحدث.

لم يحتج التفاهم بين “القوات” و”المردة” إلى إعلان نوايا وإلى ورقة تفاهم وإلى اتفاق سياسي. إنها مصالحة تحققت من قبل وتكرست في بكركي وتعمدت في لقاءات كثيرة، وهي باتفاق الطرفين ليست تحالفاً سياسياً ولا استراتيجياً على قاعدة احترام كل منهما لمواقف الآخر وعلاقاته وخياراته لأن الكلمة هي التي تجمع ولأنها تبقى أهم من أي تفاهم مكتوب قد لا يتم الإلتزام به ورميه في سلة المصالح.

 

على رغم حوادث عديدة حصلت بين “القوات” و”المردة” بقيت ردود الفعل تحت دائرة الإنضباط. وعلى رغم الإشكال الكبير الذي حصل مع ترشيح عون إلا أن الإحترام بقي هو السائد. منذ بدأت اللقاءات الثنائية بين الطرفين قبل أعوام كانت هناك إرادة ثابتة مشتركة بعدم السماح بالعودة إلى الماضي وبناء الأمل بالمستقبل. بين الطرفين كانت دائمًا هناك عملية مقاربة للواقع المسيحي في لبنان وللخطر الذي يتهدده، وإن كانت هناك رؤية متباعدة في طريقة التصدي له واحتوائه. ولكن المشترك على رغم التباين كان دائمًا أن مثل هذا الإلتقاء واللقاء هو الذي يساهم في درء ذاك الخطر لأن الخطأ التاريخي الذي حصل في 13 حزيران 1978 كان بداية الطريق لضعف كبير في الوجود المسيحي الفاعل في لبنان. وعلى رغم الإنجازات الكبيرة التي تحققت في بعض المراحل فإن الجرح الذي كان مفتوحًا في الشمال كان نقطة ضعف دائمة.

 

في 20 تشرين الأول 2017 قال سمير جعجع من أوستراليا “إن الشعوب تمر بساعات تخلٍ وفي أواخر السبعينات مررنا في الشمال المسيحي بساعة تخلٍ أدت إلى جرح ما كان أحد منا يريده أو يتمناه واستشهد طوني فرنجية وزوجته وإبنته وعدد من رفاقه، كما أدت إلى استشهاد عدد من رفاقنا… هذا الجرح لن يفتح من جديد لأن الوعي عند “المردة” وقيادات زغرتا والوعي عندنا هو الذي منع أي أحد من أن يستفيد مما حصل…”

ويوم الأحد 04 تشرين الثاني 2018 التقى رئيس تيار “المردة” الوزير والنائب السابق سليمان فرنجية أهالي الشهداء في قصر الرئيس الراحل سليمان فرنجية في زغرتا لوضعهم في أجواء ما آلت إليه الاتصالات مع حزب “القوات اللبنانية”. وأكد أن “الحوار أو اللقاء نتيجة طبيعية للمصالحة التي تمت في بكركي وللقاءات التالية من دون أي انتقاص من كرامة شهدائنا أو كرامتكم التي هي كرامتنا”. ولفت الى أننا «نتطلع الى مرحلة جديدة نتخطى من خلالها الماضي إلا أننا نأخذ منه العبر لأولادنا كي نبقى ونستمر”.

وأوضح فرنجية أن “من هذا البيت كانت الانطلاقة، ومنه انطلق شعار عفا الله عما مضى»، مشيراً الى أن «الحوارات مع حزب «القوات اللبنانية» مرت بعدة مراحل، واللقاء الثنائي مع الدكتور سمير جعجع يأتي تتويجاً لهذه اللقاءات التي على المستوى القيادي لم يتم التفريط خلالها لا بكرامتنا أو بكرامتكم أو كرامة شهدائنا وسيكون لقاء من دون مصالح آنية أو ظرفية”.

بدوره، قال النائب طوني فرنجية إن “شهداءنا ماتوا دفاعًا عن الوطن، ونحن اليوم كشباب نتطلع الى مستقبل جديد معكم ونريده من دون أحقاد الماضي وجروحه، وأن تطلعاتنا إذا أردنا النجاح هي الذهاب بمحبة ووحدة الى المستقبل، لذا علينا طي صفحة الماضي والتنافس ديمقراطيا وسياسيا”.

“القوات اللبنانية” أيضًا مهدت للقاء المنتظر بجولة قام بها النائب السابق الدكتور فادي كرم على عدد من عائلات الشهداء في “القوات اللبنانية” في الشمال والهدف التطلع إلى المستقبل والخروج من الماضي.

كان يكفي أن يكون هذا هو الهدف لكي تنجح المحاولة ولكي يتجاوز لقاء فرنجية جعجع في بكركي أزمة تشكيل الحكومة ويعطي أملاً للناس وللمسيحيين تأكيدًا على أن عفا الله عما مضى ومبارك الآتي باسم الرب الذي يبارك المصالحة.

 

·         كلمة البطريرك الراعي

نستهل الترحيب بهذا اللقاء بما جاء في صلاة المزمور 133 «ما أطيب وما أجمل أن يجلس الأخوة معًا. بهذه الصلاة أستقبلكم والفرح يملأ قلوبنا وقلوب كل اللبنانيين الذين يتابعوننا عبر وسائل الإعلام. مَنْ الفَرِح معنا اليوم؟ كثيرون في لبنان وخارج لبنان. كل الذين يحبون السلام والمصالحة والتعاون والتلاقي في سبيل الوطن اللبناني وشعبه وقيام الدولة ومؤسساتها، لأننا كلنا أبناء آب واحد، ولذلك نحن أخوة مهما كان ديننا ولوننا. كل البشرية أمام الله أخوة. لذلك كانت صلاة المزمور 133 «ما أطيب وما أجمل أن يجلس الأخوة معًا». من أين هذه الطيبة؟ من أين هذا الجمال؟ مما يشرحه يسوع المسيح في إنجيل متى: «حيث اجتمع إثنان أو ثلاثة أكون بينهم». الفرح والسعادة عندما يكون الأخوة معًا.

نعم نلتقي حتى نعيش بفرح وسلام ونبحث عن الحقيقة وتجمعنا المحبة ونبني مجتمعنا. نحن هنا ليس من أجل استكمال المصالحات. المصالحة الحقيقية حصلت في أيار 2011 مع قطبين آخرين هما الرئيس ميشال عون عندما كان لا يزال رئيسًا للتيار الوطني الوطني الحر والرئيس السابق أمين الجميل رئيس حزب الكتائب.

هكذا انطلقنا واليوم نطوي الصفحة مع القطبين الدكتور سمير جعجع والوزير سليمان فرنجية لنؤكد أن المصالحة تسير الى الأمام. كانت الغاية عندما التقينا في أيار 2011 أن يكون اللقاء منطلقاً للوحدة الوطنية الشاملة التي يحتاجها لبنان، ولم يكن بإمكاننا أن نفكر بالوحدة إلا مع الأقطاب الموارنة ليكونوا يعيشون الوحدة لننطلق الى الوحدة الوطنية. لم نكن نجتمع كموارنة للموارنة بل من أجل الوحدة الوطنية الشاملة. نحن كما تعرفون ضد الثنائيات والثلاثيات والرباعيات. نحن مع الشعب اللبناني كله ومع مؤسسات الدولة كلها. وإذا كان لا بد من ثنائية واحدة فلتكن ثنائية الجناحين المسيحي والمسلم متساويين متكاملين، وعندها يحلق الطائر اللبناني في المنطقة، وهذه هي أبعاد هذا اللقاء التاريخي الكبير بين المرجعيتين الكبيرتين الوزير سليمان فرنجية والدكتور سمير جعجع، ومن خلالهما ومعهما كل أنصار وأعضاء الحزبين. ولذلك نرفع صلاتنا ليبارك الله هذا اللقاء وقد أعطانا علامة من خلال هطول هذا المطر الذي لم يكن منتظرًا، فهذا كله خير للبنان. ونسأل الله أن يبارك هذا اللقاء لخير لبنان.

 

·         وثيقة بكركي – “القوات اللبنانية وتيار المردة”

إنطلاقاً من لقاء بكركي الرباعي للأقطاب المسيحيين بتاريخ ٢٠/٤/٢٠١١ حول المصالحة المسيحية، التي توخّت خير المصلحة المسيحية والوطنية اللبنانية.

وبعد المصالحة الوطنية التي أنجزت عبر وثيقة الوفاق الوطني في الطائف، ومصالحة الجبل والمصالحة بين «القوات اللبنانية» والتيار الوطني الحر عبر تفاهم معراب، تأتي وثيقة بكركي – «القوات اللبنانية» و«تيار المردة»، إستكمالاً طبيعياً لهذا المسار التصالحي العام الذي يدعم وحدة لبنان ومصالح شعبه.

وفاءً لتضحيات شهدائنا جميعاً،

يلتقي اليوم في مقر البطريركية المارونية في بكركي، هذا الصرح الوطني الكبير، وبرعاية غبطة البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي، رئيس «تيار المردة» الوزير سليمان فرنجية ورئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع، ترسيخاً لخيار المصالحة الثابت والجامع.

إن المصالحة تمثّل قيمة مسيحية – إنسانية – لبنانية مُجرّدة، بصرف النظر عن الخيارات السياسية لأطرافها الذين ينشدون السلام والاحترام المتبادل، وخير لبنان دولةً وشعباً وأرضاً، من دون أي حسابات سياسية قد تتبدّل تبعاً للظروف والتغيّرات.

لقد مثّل الشمال، الحصن المنيع لنواة الحضور المسيحي التاريخي منذ يوحنا مارون والبطاركة الأوائل مروراً بالمقدّمين ويوسف بك كرم والمناضلين والشهداء في المراحل اللاحقة وصولاً إلى اليوم دفاعاً عن الكرامة والوجود والمصير.

لقد مرّ المسيحيون عامة ومسيحيّو الشمال خاصة، خلال الحرب اللبنانية، بمرحلة أليمة من الاقتتال والشرذمة، ما سبب لهم الحزن والألم والإحباط والتفرقة، وانعكس سلباً على وضعيتهم السياسية والديموغرافية والاجتماعية في لبنان كلّه، ولن يتخطى المسيحيون هذا الواقع السلبي للانطلاق نحو مستقبل واعد لهم وللبنان، إلا إذا نجحوا في طيّ صفحة الماضي الأليم، والإلتزام بالقواعد الديموقراطية في علاقاتهم السياسية.

لقد مرت العلاقة بين الطرفين في السنوات الأخيرة بمحطّات سياسية وانتخابية عدّة، ولم تعكّر استقرارها أي شائبة، بالرغم من بقاء الاختلافات السياسية بينهما على حالها، ما يؤكد أن الالتقاء والحوار ليس مستحيلاً، بمعزلٍ عن السياسة وتشعبّاتها.

بالاستناد إلى ما تقدّم، يُعلن «تيار المردة» وحزب «القوات اللبنانية» عن إرادتهما المشتركة في طيّ صفحة الماضي الأليم، والتوجه إلى أفق جديد في العلاقات على المستوى الإنساني والاجتماعي والسياسي والوطني، مع التأكيد على ضرورة حلّ الخلافاتٍ عبر الحوار العقلاني الهادف إلى تحقيق مصلحة لبنان العليا ودور مسيحييّه، والعمل معاً على تكريس هذه العناوين عبر بنود هذه الوثيقة.

إن هذا الحدث مناسبة لإكبار من استشهد وضحّى وعانى من النزاعات الدموية بين الفريقين. عزاؤنا الوحيد أن تضحياتهم أثمرت هذا اللقاء التاريخي الوجداني بعيداً عن أي مكاسب سياسية ظرفية ليكون بحجم معاناتهم ومآسي أحبائهم.

إن ما ينشده الطرفان من هذه الوثيقة ينبع من اضطلاع بالمسؤولية التاريخية ومن قلق على المصير، وهي بعيدة عن «البازارات» السياسية، ولا تسعى إلى إحداث أي تبديل في مشهد التحالفات السياسية القائمة في لبنان والشمال، مع التشديد على أنها لم تأتِ من فراغ، وليست وليدة اللحظة، وإنما تتويجاً لسلسلة اجتماعاتٍ وحوارات، نجح خلالها الطرفان في كسب ثقة متبادلة عبر احترام قواعد العمل السياسي الديموقراطي، ووقف كل أشكال الصدامات والالتزام بتطبيع العلاقات، ما شجّع الطرفين على مواصلة الحوار وتطويره وصولاً إلى هذه الوثيقة.

بناء على ما تقدّم،

يؤكد الطرفان على الأُسس التالية:

-​إن التلاقي بين المسيحيين والابتعاد عن منطق الإلغاء يشكلان عامل قوة للبنان والتنوع والعيش المشترك فيه.

-​إن زمن العداوات والخصومات بين «القوات اللبنانية» و«المردة» قد ولّى وجاء زمن التفاهم والحوار وطيّ صفحة أليمة والاتعاظ من دروس الماضي وأخطائه وخطاياه منعاً لتكرارها، أملاً بغدِ الرجاء والتفاهم.

– ​ينطلق اللقاء من قاعدة تمسّك كل طرف بقناعاته وبثوابته السياسية ولا تقيّد حرية الخيارات والتوجّهات السياسية ولا تحمل الزامات محددة، بل هي قرار لتخطي مرحلة أليمة، ووضع أسس حوار مستمر تطلعاً إلى أفق مستقبلي مفتوح.

-إن الاختلاف السياسي في بلد سيَد ودولة مؤسسات لا يمنع التلاقي حول القضايا الوطنية والإنسانية والاجتماعية والإنمائية مع السعي الدائم لتضييق مساحة الاختلاف السياسي قدر الإمكان.

-​احترام التعددية السياسية والمجتمعية وحرية الرأي والحريات العامة والخاصة، والالتزام بالدستور والقوانين والقواعد الديموقراطية بما يختصّ بالعمل السياسي والحزبي في لبنان.

-​تعميم المناخات الإيجابية بين الطرفين عامة، واستبعاد المصطلحات التي تُجرّح بالطرف الآخر وبرموزه وشهدائه.

-​احترام حرية العمل السياسي والحزبي في القرى والبلدات والمناطق ذات العُمق الأكثري لكلا الطرفين، والتنسيق في ما يتعلق بالنشاطات والخطوات التي قد تُثير أي سوء تفاهم مُعيّن بينهما لمصلحة الجميع، ومنعاً لأي احتكاكات تضرّ بأهداف المصالحة.

في الخاتمة،

هذه الوثيقة شِئناها تتويجاً للقاءاتِ مصارحاتٍ وحواراتٍ عقلانية، لتجاوز مراحل مدمِّرة من الخلاف والاقتتال، كما نريدها استشرافاً لغد أفضل، يحمل تصميماً لدينا، كلٌ من موقعه السياسي، ببدء مرحلة تعاون صادق، وثيق، بنّاء، نابع من مسؤوليتنا الوطنية المشتركة لتحقيق أماني وتطلعات اللبنانيين في بناء دولة حقوق المواطن وكرامة الوطن.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com

Exit mobile version