لقاء جعجع وفرنجية: نتائج سياسية قريبة وبعيدة

شهدت بكركي أول من أمس يوما تاريخيا أضيف الى سجل الأيام التاريخية التي مرت على الصرح البطريركي، مع تحقق المصالحة بين «القوات» و«المردة»، بين بشري وزغرتا، بين سمير جعجع وسليمان فرنجية، وإسدال الستارة نهائيا على حقبة سوداء فتحت عام 1978 مع «مجزرة إهدن» وعلى «ليالي الشمال الحزينة»، يوم المصالحة كان حدثا سياسيا بامتياز وطغى على كل الأحداث الأخرى، بما فيها أزمة تأليف الحكومة.

وبدا المشهد مؤثرا بين طرفين باعدت بينهما ظروف الحرب التي خرجت عن مسارها وتحولت أحيانا «حرب الأخوة». وعاشا يوم أمس حالة «تنقية الذاكرة وطي صفحة الماضي للتفكير بالمستقبل»، وما حدث في بكركي كان تتويجا لمسيرة وعملية مصالحة بدأت منذ سنوات عبر لقاءات مباشرة بين قيادات الطرفين في الشمال، وعبر لجنة مشتركة نجحت في احتواء ومعالجة كل التوترات والمشاكل، وفي نقل البحث من مرحلة التعاون الميداني الى مرحلة البحث السياسي، وبعد توقف فرضته ظروف الاستحقاق الرئاسي عام 2016 وما شهده من خلط أوراق، استأنفت اللجنة عملها وبزخم أكبر، بعدما أسفرت نتائج وتطورات العامين الماضيين الى تصدع و«انهيار» العلاقة بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، والى اتساع مساحة التقارب بين «القوات» و«المردة».

مشهد المصالحة أمس في بكركي بين «القوات» و«المردة» أعاد الى الأذهان مشهدا مماثلا حصل مطلع العام 2016 في معراب، عندما تحققت المصالحة الكاملة بين القوات والتيار الوطني الحر عندما كان العماد ميشال عون رئيسا له، وإذا كان من علامات حذر خرقت أجواء الارتياح والفرح يوم أمس، فإنها ناجمة عن مقارنة بين «المصالحتين»، وهاجس أن يكون مصير مصالحة بكركي مثل «مصالحة معراب».

ولكن مقارنة بين المصالحتين تظهر اختلافا كبيرا في الظروف والخلفيات، قد يكون وجه الشبه والقاسم المشترك أن المصالحتين جرتا في طقس ممطر وعاصف، ولكن ما خلا ذلك هناك فارق واضح بين المصالحة الوجدانية التي رعتها بكركي والمصالحة «الصفقة» السياسية التي لم يكن لبكركي يد فيها، فما تحقق بين القوات و«المردة» هو نتاج عملية حوار ونقاش بدأت منذ سنوات، وأهم ما فيه أنه اكتمل وأعلن بعيدا عن أي استحقاقات انتخابية وحسابات سياسية، فالانتخابات النيابية «مرت» وكان لكل طرف حساباته ولوائحه بحكم القانون النسبي الجديد، والانتخابات الرئاسية المقبلة بعيدة ومن المبكر الحديث عنها أو الغوص فيها وإبرام تفاهمات حولها من الآن.

الطرفان أظهرا حرصا على إضفاء الطابع التاريخي والبعد الوجداني، استنادا الى قيم التسامح والمحبة والسلام، والحرص أيضا على التقليل من الشأن والمضمون السياسي في هذه المصالحة التي لا علاقة لها باستحقاقات وتحالفات ومحاور، والتي لم تقم على أساس اتفاق خطي موقع وإنما اكتفت ببيان مشترك صدر بعد الاجتماع وكان بمثابة «وثيقة مصالحة» وأشبه بـ«ورقة النوايا» بين القوات والتيار التي هي أساس المصالحة، في حين أن اتفاق معراب كان هو الاتفاق السياسي، ولكن رغم الحرص الشديد على إفراغ مصالحة بكركي من مضمونها السياسي الى حد التذكير بوجود فوارق استراتيجية في الموقف والتموضع والتحالفات والسياسات، فإنه لا يمكن تجاهل وتجاوز واقع أن مصالحة «القوات» و«المردة» في بكركي يترتب عليها نتائج ومفاعيل سياسية على المديين القريب والبعيد، يمكن اختصارها في النقاط التالية:

1- إحداث حالة انتعاش وارتياح على الساحة المسيحية عامة والشمالية خصوصا مع طي آخر الصفحات سوادا وإيلاما، آخر صفحات الخلافات المسيحية الدموية والشروخات الواسعة التي بدأت من إهدن وتنتهي الآن في إهدن مع إقفال نهائي لهذه الصفحة بعد أربعين عاما، كان الأمر يحتاج الى هذه المصالحة الشاملة والى هذه المصافحة الرسمية والثنائية بين جعجع وفرنجية، فلا مبادرات الرئيس أمين الجميل باتجاه فرنجية، ولا زيارات الكتائب أيام رئيسها جورج سعادة، ولا زيارات سامي ونديم الجميل قبل أسابيع الى إهدن، ولا حتى لقاءات بكركي الرباعية التي جمعت جعجع وفرنجية (الى جانب عون والجميل)، كانت كافية لطي هذه الصفحة والإعلان أن المصالحة اكتملت وأنجزت.

2- خلط أوراق في معادلة الشمال، وتحديدا في الشمال المسيحي الذي يختصر في هذه المرحلة المعادلة المسيحية بحكم أنه ساحة تواجد وتنافس بين ثلاث قوى وزعماء: القوات (جعجع) والتيار (باسيل) و«المردة» (فرنجية).

وإضافة الى ما تحققه المصالحة من استقرار نفسي واجتماعي وأمني على مستوى قواعد الطرفين، فإنها تفتح الباب أمام عملية تعاون وتنسيق محلية في كل المجالات، بما فيها السياسية والانتخابات النقابية والبلدية والنيابية.

3- رفع درجة التنسيق والتعاون في الحكومة المقبلة مقارنة بما كان عليه الحال في الحكومة السابقة (حكومة تصريف الأعمال)، وهذا التنسيق يجري بمعزل عن الخلاف السياسي في ملفات إقليمية واستراتيجية، ويعكس التلاقي الحاصل في ملفات الإدارة والإنماء والكهرباء والتعيينات ومكافحة الفساد، ويعكس بالدرجة الأولى تلاقيا ضد هيمنة الوزير جبران باسيل، وتحديدا على القرار المسيحي في الحكومة، وعلى الشق المسيحي في الدولة.

4- فتح «أفق جديد» في انتخابات رئاسة الجمهورية المقبلة، وإضافة معطى أو احتمال جديد الى حساباتها ومعادلاتها، هو احتمال قيام تحالف أو تعاون بين فرنجية وجعجع ليكون هذا بمثابة عامل جديد مؤثر في المعادلة المسيحية وفي إقامة توازن سياسي دقيق، صحيح أن معركة رئاسة الجمهورية بعيدة زمنيا ولا يصح الكلام في ظروفها من الآن، ولكنها افتتحت سياسيا قبل أوانها وباكرا جدا هذه المرة، ومن خلفية أنها تدور بين خيارين ومرشحين: جبران باسيل وسليمان فرنجية، وأن القوات ستدرس خياراتها التي من بينها احتمال تأييد فرنجية إذا لم يترشح جعجع وإذا لم يتقدم خيار الرئيس الثالث «التوافقي» من جديد.

المصدر:
الأنباء الكويتيّة

خبر عاجل