للحقيقة عنوان

حقيقة لا تقبل التأويل، وحان وقت الإضاءة عليها لتكون وثيقة مثبتة ومرجعاً يلجأ إليها الشاخصون والطامحون للعمل الوطني الخالص في مجال السياسة العميقة والمترفّعة، وهي تتلخص بجرأة رجل ميّز نفسه، لم يكن راديكالياً ولا تقليدياً… لم يُغرِه تشجيع البعض على ما يقوم به لأنه لأجل الوطن، كما لم يكترث لمن لامه على ما قام به لأن إيمانه بقضيته قد يلامس إيمانه بربه…

تجرأ سمير جعجع يوم غامر بمستقبله  الأكاديمي وترك مقعده الجامعي في السنة السادسة وتخلى عن ردائه الطبي الأبيض ليلتحق بقوافل الأبطال في مشروع الدفاع عن الأرض والوجود.

تجرأ سمير جعجع يوم أطاح الإتفاق الثلاثي الذي  هندسه ورعاه الرئيس حافظ الأسد المعروف بطغيانه واحتلال جيشه آنذاك لمعظم المناطق اللبنانية. وعلى الرغم من ذلك قَبِلَ سمير جعجع التحدي، حرّك ماكينته العسكرية، قطع الطريق على “اتفاق الذل والإذعان”، أطاح أحد رموزه من مركز القيادة، تولّى زمامها، أعاد الأمور إلى نصابها فأنقذ القضية من أنياب الأسد ومخابله وقَلب الموازين وقال: الأمر لي وهكذا كان…

تجرأ سمير جعجع يوم انخرط في اتفاق الطائف واعتبره خاتمة الحرب اللبنانية وبداية حل يلوح في الأفق، في وقت كان بعض من يتسلّم زمام السلطة آنذاك يرفض “التسوية” ويستعد لمواجهتها.

تجرأ سمير جعجع يوم تخلى عن “لباسه العسكري” وسلّم سلاحه لمن هم ليسوا على مستوى الثقة والشراكة، إنما إيماناً منه بمد اليد والسعي للبدء في بناء دولة الحق والقانون، دولة العدل والمؤسسات.

تجرأ سمير جعجع يوم سلّم نفسه لأعدائه وسكن “القبر” تحت تراب لبنان وهو حيّ يُرزق، مقابل رفض قاطع للانتقال والعيش في جادات الغرب.

تجرأ سمير جعجع يوم اعتذر من كل اللبنانيين، من كسروان عاصمة الموارنة، اعتذر عما تم ارتكابه في الحرب عن قصدٍ أو عن غير قصد… في وقت امتنع باقي “أمراء الحرب” عن التفوّه بكلمة واحدة في هذا السياق وكأنهم من أصناف الملائكة أو من أنصاف الآلهة ولم تقترف أيديهم أية شائبة…

تجرأ سمير جعجع يوم وقّع مع “خصمه اللدود” اتفاقاً كان يعرف مسبقاً أن “الشريك” فيه قد يتخلى عنه عند أول مفترق، وعلى الرغم من ذلك تبنى ترشيحه لا بل خاض معركة وصوله إلى سدّة الرئاسة سعياً منه لطي صفحة أليمة ولإعادة لمّ شمل المجتمع المسيحي المتعطش لإستعادة دوره.

تجرأ سمير جعجع بالأمس وطوى صفحة سوداء كتبها سواه، امتدت ذيولها لأربعين عاماً، أخذها بصدره وخطّ بيده صفحة ناصعة في تاريخ الموارنة والمسيحيين ولبنان على حد سواء، فكانت المصافحة والمصالحة التاريخية التي شهدت بكركي وسيدها ومجدها على عظمتها وصدقيتها، وما يضفي عليها هذه الصفات هي أنها ليست على عتبة انتخابات نيابية عابرة ولا أمام  أي استحقاق يمحوه الزمن.

سمير جعجع، يا عملاقاً من بلاد الأرز يسكن عقله الكبار والعظماء، ويسكن قلبه الأطفال والأبرار، نم مرتاح الضمير، لأنك حَفِظتَ القضية برمش العين ودمعها وحملتَ هموم الوطن وأثقاله فوق كتفيك بهدف ولوج بر الأمان والإطمئنان…

نعم، دخلتَ التاريخ من بابه العريض، باب الصعاب التي تصقل العظماء، وذلك لا لشيء إلا لأنك تجرأت في زمنٍ قلَّ فيه النبل والوفاء والرجال… والسلام.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل