تعرب أوساط مسيحية قريبة من بكركي عن ارتياحها الشديد للمصالحة التي تحقّقت بين رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع ورئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية، وتحديداً لجهة حرصها على أن تتوّج هذه المصالحة في بكركي، انطلاقاً من الدور التاريخي المعروف لهذا الصرح البطريركي، وتحديداً لجهة أن يقوم بتتويج هذه المصالحة البطريرك بشارة الراعي، والذي كان أول من اقترح دعوة الزعماء الموارنة إلى طاولة البطريركية، ذلك أن مشروع البطريرك الراعي الأساسي، ومنذ لحظة وصوله، إذ كان احد اهدافه العمل على توحيد المسيحيين وتوحيد الصف المسيحي بمعزل عن الموقف السياسي، لأنه يعتبر أن وحدة الموقف في المسائل الأساسية يجب أن تكون قائمة، ولكن في الوقت نفسه، فإن وحدة الصف تبقى الأولوية، لأنه في الموقف السياسي من الضروري أن يكون تنوّع وتعدّد.
وتكشف الأوساط أن البطريرك الراعي قد حرص خلال اجتماعات الزعماء الموارنة التي حصلت في بكركي في السنوت الماضية، على الابتعاد عن التشنّجات والانقسامات والقطيعة السياسية، لأنه يعتبر أن ضعف المسيحيين وتراجع دورهم، قد نتج من تشرذمهم وانقسامهم، وبالتالي، تنقل الأوساط عن بكركي أنها ترى أن ما تحقّق في المرحلة الأخيرة على صعيد المصالحة بين «القوات» و«التيار الوطني الحر» ثم بين «القوات» و«المردة»، يؤدي إلى تعزيز الدور المسيحي، وتعزيز حضور المسيحيين في الحياة الوطنية، ولذلك، فإن البطريرك الراعي مرتاح للواقع المسيحي الحالي، على الرغم من حصول بعض التباعد بين بعض الأطراف المسيحية وبين رئيس الجمهورية ميشال عون، وكذلك، فهو يؤكد أمام زواره على سروره جراء استعادة بعبدا لحضورها وحيويتها ودورها.
وفي هذا المجال، فإن بكركي قد أدت دوراً أساسياً أيضاً في قانون الانتخاب، اذ عمل البطريرك الراعي على وضع أجندة خاصة لبكركي، كان هدفها الأول توحيد المسيحيين، وتعزيز الدور المسيحي الوطني، وذلك تعزيزاً للشركة الوطنية، والهدف الثاني كان الذهاب إلى إقرار قانون انتخاب يحقّق التمثيل لكل شرائح الوطن.
وبعد تحقيق المصالحات، تضيف الأوساط المسيحية، بات من الممكن الحديث عن إقفال كل صفحات الحرب والبدء بالتطلّع اليوم نحو المستقبل للبحث في كيفية تعزيز الدور الوطني اللبناني وتفعيل الحضور المسيحي. أما بالنسبة للهدف الثاني فقد تحقّق، واستعاد المسيحيون شركة حقيقية كانت مفقودة منذ العام 1990 بعد إقرار قانون الإنتخاب وإجراء الإنتخابات النيابية، وبالتالي، فقد دعت بكركي إلى انتخاب رئيس للجمهورية يعكس تطلّعات بيئته السياسية، وهو ما حصل مع انتخاب العماد عون، في موازاة الشركة الحقيقية في مجلس النواب بنتيجة الانتخابات النيابية، وكذلك الأمر بالنسبة لمجلس الوزراء.
أما الهدف الثالث الذي تعمل عليه بكركي، كما تكشف الوساط نفسها، فهو عودة المسيحيين إلى المؤسّسات، وأن يطووا الصفحة التي تم خلالها إخراجهم عنوة من أجل ضرب الوحدة الوطنية وضرب الدولة وإضعافها، ولذلك، فإن ما تحقّق على هذا المستوى كان على قدر من الأهمية، اذ ان البطريرك الراعي، قد عبّر خلال اللقاء المغلق بين رئيسي «القوات» و«المردة» عن غبطته، إذ قال ان «هذا اليوم هو أسعد أيام حياتي، لأن ما تحقّق كان حلماً للمسيحيين، ويجب أن نحافظ عليه، وسأتابع هذه المسيرة لكي أجمع كل أبناء رعيتي». وتضيف الأوساط المسيحية، أن «اللحظة» كانت مؤثّرة ووجدانية، لأن الوعي لدى القيادات المسيحية أدى إلى تجاوز حال الشرذمة، وخصوصاً أن الحصار والحرب التي تعرّضت لها «القوات» في الماضي، والانقسامات داخل الصف المسيحي، كان يهدف إلى إضعاف دور الدولة وليس الدور المسيحي فقط، لأن وحدة المسيحيين تساهم في تقوية الدولة وانقسامهم يضعفها. وتخلص إلى اعتبار المصالحة خارطة طريق لتعزيز الدولة وتقوية لبنان، ولذلك، فإن الكنيسة مرتاحة لهذا التوجّه، وتواصل خطواتها من أجل الوصول إلى أن يقدّم المسيحيون نموذجاً للتعاطي السياسي، بعيداً عن الخلاف وعن القطيعة السياسية، لأن المصالحات قد بدأت، ويجب أن تتحوّل إلى ثقافة على المستوى الوطني، لكي ينبذ الجميع ثقافة العنف ويتّجهون إلى ثقافة الحوار، مما سيقود تدريجاً إلى قيام الدولة الفعلية. وأكدت الأوساط، أن الأمور ستتابَع، وكل شيء متوقَّع في المرحلة المقبلة، والوضع مفتوح على لقاءات مشتركة في معراب وفي بنشعي.