المصالحات: وقائع وخلاصات

 

المصالحات: وقائع وخلاصات

يتطلب التوصيف الدقيق لأهمية المصالحة بين القوات والمردة، كما المصالحات التي سبقتها، العودة الى مسببات الخلاف والتباعد. وكذلك البعد الإستراتيجي الذي تقع على خطه المصالحات.

فمنذ ما قبل الحرب كان يعلم نظام الأسد انه لا يمكن السيطرة على لبنان موحّد. وفور دخول جيشه الأراضي اللبنانية عمل على تنفيذ مبدأ: “فرق تسد”. وكانت بداية المخطط والجرح حادثة إهدن… وكرّت بعدها السبحة، لتطال التفرقة، الركيزتين المؤسِّستين للبنان: الدروز والموارنة. وكانت حرب الجبل ومعظمنا بات يعرف ان ظروفها حيكت في غرف المخابرات. وكانت حرب الإلغاء. وأيضا بات معظمنا يعرف ظروفها المفتعلة…

أهمية هذه المحطات، أنها في الأولى تضرب الشمال المسيحي وهو كان يومها خزان المقاومة اللبنانية. وفي الثانية تضرب الدروز والموارنة الأكثر تمسكا بكينونة لبنان. وفي الثالثة تضرب القوتين العسكريتين الأكبر في المنطقة غير الخاضعة لنفوذ الأسد: الجيش والقوات… وبين هذه المحطات الكبرى آلاف المحطات الصغيرة، ما مكّن نظام الأسد من إحكام قبضته على لبنان، بارتكاب الفعل ونسبه إلى الآخرين وتحميلهم تبعاته، ثم استخدامه لذم الخصوم والإمعان في التباعد.

في العام 2005 (بل قبله بقليل) كان لأي نظرة استراتيجية شاملة للأمور أن تبدأ بإزالة أسباب التفرقة، وقد وعى هذا الأمر البطريرك صفير والزعيم وليد جنبلاط والدكتور سمير جعجع من معتقله، وأيضا الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وعند نضوج الظروف تمت مصالحة الجبل، فأُقفل واحد من الجروح الثلاثة الكبرى. وبعدها بدأ العمل على المصالحة بين القوات والتيار الوطني الحر ليقفل بإتمامها الجرح الثاني. ثم أول الجروح المفتوحة وآخر الصفحات الأليمة حادثة اهدن التي برأت ندوبها بلقاء بكركي بين الكبيرين سمير جعجع وسليمان فرنجية.

وبهذا تكون التهنئة الكبرى لنجاح استراتيجية محو آثار التفرقة التي افتعلها نظام الأسد، قبل التهنئة بنجاح كل محطة بذاتها. وأهمية الأمر علاوة على البعد الوطني والوجداني، في أن هذه الخطوة بالذات هي ما يمكن ان يقفل كوّة الحرب وليس أي أمر آخر.

أولا، أهمية المصالحة الأولى عمليا أنها تمت بين طائفتين مختلفتين ما أعطاها بعدا وطنيا. وهي أسست، مع سابق الزمن، لقيام جبهة عريضة بدأت تتبلور في لقاءات البريستول، ومن ثم جبهة ١٤ آذار التي على الرغم مما حل بها فهي أدت دورا عظيما للبنان. وأهميتها معنويا أنها تمت بمباركة ومشاركة أب الإستقلال الثاني البطريرك صفير. وبدعم مباشر من الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

ثانيا، أهمية المصالحة الثانية أنها أطلقت ارتياحاً مسيحياً عارماً كان المسيحيون في أمسّ الحاجة اليه بعد عقود من التغييب والتغليب والشعور بالإحباط والخيبة، ما انعكس على الأداء السياسي والوطني العام. وتاليا كان من نتائجها أنها ساعدت على إنهاء الفراغ الرئاسي. وحتى مع سقوط إتفاق معراب بالمعنى القانوني، كون أي اتفاق يسقط بانسحاب أحد المتعاقدين، فإن مفاعيله الإستراتيجية قائمة ولو مشوبة ببعض الممارسات ذات الأبعاد الآنية والضيقة.

ثالثا، مصالحة بكركي، وهي الأكثر وهجا والأبعد صدى، للأسباب التالية:

1 – هي اول الإنقسامات وآخر المصالحات، ولهذا المعطى دلالات كبيرة في السياسة والوجدان الجماعي والإرتدادات الوطنية.

2 – هي ذات بعد محلي مناطقي مستند الى إرث ذي ميزة خاصة من العلاقات.

3 – لأسباب عديدة بينها مصداقية الرجلين والتزامهما بالإتفاقات، أشاعت المصالحة ثقة بأنها ثابتة ومستدامة، وهذا عامل قوة إضافي ومساعد على زيادة الجدوى منها.

4 – كونها لم تتضمن التزامات سياسية بل احتفظ الفريقان بحرية الإختلاف واحترامه، هو مصدر قوة للمصالحة وليس نقطة ضعف.

5 – لاقت مصالحة بكركي ثناء جميع اللبنانيين تقريبا وأنصار الفريقين بالمطلق، في حين ان مصالحة معراب لم تنل مثل هذا الإجماع، علما ان المنطق كان يفترض العكس على خلفية ترنح الإتفاق بين القوات والتيار الوطني الحر.

6 – ربما بين أبرز خصائص هذه المصالحة أنها قطعت الطريق على من كانوا يستخدمون غيابها لصب الزيت على النار وغرز السكاكين في الجرح، كلما اعتبروا أن ذلك يُبقي لهم بعض المكاسب السياسية الآنية.

وعليه، جاءت مصالحة القوات والمردة، ليس فقط لتختم جرحاً كان لا بد من اندماله بعد أربعة عقود، بل لتُنهي آخر ما تبقّى من خطة التدمير السورية. وتضع “النقطة النهائية” على الصفحة الجديدة التي فُتِحت منذ ما قبل العام 2005 واستُكملت مع مصالحة بكركي، وباتت جاهزة للتنفيذ.

وإذا كانت الإشارة الأولى للتخلص من نير الإحتلال السوري انطلقت مع نداء المطارنة الموارنة في أيلول العام 2000، والمرحلة الأولى من التنفيذ العملي تمت بخروج آخر جندي سوري في نيسان 2005، فإن المرحلة الأخيرة (بالمعنى الهيكلي) أقفلت بمصالحة القوات والمردة.

يقودنا هذا إلى الوقوف على أهمية ما نَسَج له، وسعى من أجله، وأتمّه، الدكتور سمير جعجع على هذا الصعيد. وجوهر ما هو مطلوب أن يُقلِع البعض عن تصوير المصالحات على أنها ذات أهداف شخصية وآنية، وأنها تتم مع جهة لاستهداف أخرى، جريا على ما اعتاده اللبنانيون. أهميتها في أنها عبرت كل المطبات ونجحت في إعادة لملمة كل حبوب العقد الذي قطّع السوريون خيطه ذات حرب… فلنُبشر بالسلام ونعمل له. ومع الشكر لكل الساعين للسلام وبناء الدولة، تبقى التحية الأكبر لهادم جدران العزل وباني الجمهورية القوية… سمير جعجع!

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل