عظمة رجـل

لِنضع المناكفات جانباً، ولنضع المماحكات أيضاً.

لِنترفّع عن صغائر الأمور و”التنمير” على بعض.

ولننسَ الإسـتفزازات التي لا تؤدي إلى أي نتيجة سـوى إلى إرسـاء الفتَن والتهرّب من مواجهة الحقيقة.

لكل زمن متطلّباته ومواقفه. ولكل زمن، وبحسـب المعطيات المتاحة، يُـمتحن الرجال بمواقفهم وبرؤيتهم المسـتقبلية لما يجري على السـاحة وبكيفية تعاطيهم مع ما يجري، وأيضاً بحسـب المعطيات المتوفّرة.

 

في هذا الزمن الرديء، زمن وصول بلد إلى مرحلة الإفلاس التام، زمن عدم إمكانية تلاقي أي فريق مع أي فريق آخر، في زمن وضع العصي في الدواليب، كل الدواليب. في زمن التحديات التي نراها ونسـمعها مِـمَّن يُتوقع أن يكونوا هم قادة وحكماء، نراهم يتلهّون بصغائر الأمور التي تزرع الشـقاق. فتهتز الإتفاقيات بين الحلفاء ويصير التعنّت سـيد الموقف.

وفي حين يتطلّع الجميع إلى كلمة ما، أي كلمة، أو مبادرة ما، أي مبادرة، كي تعطي وّلَوْ بصيص أمل علّها تُفرَج في مكان ما، نرى أن كل الكلمات التي تُـسمَع إنما هي تزيد الطين بلّة وتُعقِّد الأمور أكثر ممّا هي معقدّة.

في غمرة كل هذه العتمة والظلمة الحالكة هناك من لا يزال يرفض أن يرى الأمور من زاوية الأفق المسـدود، إنما ما زال ينظر إلى هذا الوطن كوطن نهائي لأبنائه وبالتالي ما زال يفكّر ويخطّط ويعمل ويجهد، مؤمناً أنْ طالما الإرادة موجودة فنحن واصلون إلى أهدافنا.

وبالرغم من أن الطريق شـاق وصعب، وبالرغم من أن العصي أصبحت أكثر من الدواليب، لكن في النهاية لن يصحّ إلا الصحيح.

 

في حين يتخبّط الجميع في أتون التأليف ونار الفوضى، ظهر إلى العَلَن ما كان يُحضر له منذ فترة طويلة لردم هوّة سـحيقة خال إلى البعض أنها اتسـعت بشـكل بات من الصعب عدم الوقوع فيها.

جاءت خطوة المصالحة التي أُطلق عليها أسـماء عدة، كالمصالحة التاريخية والوجدانية والعميقة… ولكنها في الحقيقة، وبكل بسـاطة، هي خطوة واحدة، لازمة كان يجب أن تتم، ليـس لوقف المناكفات وحسـب، إنما كي تكون مدماكاً أسـاسـياً في عملية بناء الوطن. إذ لا يمكن أن يُبنى بناء ما وحجارته الأسـاسـية، مداميكه، متباعدة عن بعضها البعض. هكذا يجب أن نرى هذه المصالحة التي جرت بين حزب القوات اللبنانية وتيار المردة. وهكذا يجب أن نقرأ المصالحة التي تمّت بين حزب القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر. هذه المصالحات ليسـت من باب وقف المناكفات، إنما خطوات يجب أن تُـتَّخَذ كي، من بعدها، ننتقل إلى خطوة ثانية وثالثة وعاشـرة وألف خطوة إذا لزم الأمر، كي نصل إلى الوطن الذي نحلم به.

 

مصالحات من هذا النوع يلزمها نوعية خاصة من الرجال. نوعية تسـتطيع أن تعتذر عن أي خطأ يكون قد ارتُكِب في زمن ما حتى لو لم يكن هو مرتكب الخطأ. يلزمها رجل يسـتطيع أن يخطو خطوة كان غيره يعتقد أنها مسـتحيلة، فأزالها من حسـاباته.

يأتي هذا الرجل ليقوم بالخطوة تلك التي تُفاجىء الجميع، فيهلّلون لها بفرح عظيم. لكن البعض، يسـيء الظن، إلا ان حكمة صاحب الخطوة تجعله يتعالى عن الصغائر وعن ردود الفعل السـلبية.

وعلى ما يبدو نقل الرجل هذه الذهنية وأعني بها ذهنية الترفّع عن الصغائر ومماحكات الكلام، إلى كل فريق عمله، فصاروا كلّهم وكأنه هو. وهنا سـر عَـظَـمَة الرجل والرجال، أن يكون واحداً فيصيروا كلهم واحداً.

مصالحة التيار الوطني الحر، ومن ثم مصالحة تيار المردة سـتليهما حكماً خطوات باتجاهات مماثلة، فلا يخطئَنَّ أحد الظن. فسـمير جعجع ليـس برجل عادي، إنما هو رجل مواقف، رجل المبادرات والمصالحات، على أمل أن يلاقونه، وليس ضرورياً في منتصف الطريق، لانه هو مسـتعد أن يذهب إلى آخر الطريق في سـبيل الوطن، وليـس أي وطن.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل