12 عاماً على غياب “فتى الكتائب”.. والوطن

تحلّ غداً، الذكرى الثانية عشرة لاستشهاد الوزير بيار الجميل، الذي طالته يد الغدر في الواحد والعشرين من تشرين الثاني على يد مُسلحين صوّبوا إليه نيران غدرهم عشيّة عيد الإستقلال في منطقة الجديدة. وكان المُراد بقتل الجميل واستهدافه بهذه الطريقة الإجرامية، قتل روح الإستقلال وإيقاف نبض الشباب الثائر على أنظمة الإستبداد، ثم العودة بلبنان إلى زمن الإقتتال الطائفي.

 

على عكس ما أراده القاتل في ذاك اليوم، فقد وحدت دماء بيار الجميل اللبنانيين ودفعت بهم إلى التعبير عن غضبهم ورفضهم لآلة القتل المُستمرة، فكانت ان أُقفلت البلاد من شرقها إلى غربها واحتلت ملامح الحزن وجوه الناس الصغار قبل الكبار، كيف لا ومن رحل كان بمثابة الحلم لمعظم الشباب وأملهم بمستقبل واعد عبّر لهم عنه خلال لقاءاته بهم في الطرقات والمنازل بعد ان حوّل مكتبه ومنزله إلى نقطة وصل تجمع المواطنين المسلمين بالمسيحيين تحت راية واحدة عنوانها “كلنا للوطن” وهدف وحيد، يبدأ بإخراج المُحتل والقاتل من لبنان ولا ينتهي إلا مع عبور آخر جندي من جيش النظام السوري ومخابراته الحدود اللبنانية.

 

غداً، يستعيد لبنان ذكرى شاب كان المساهم الأبرز في تحوّل الأحلام إلى حقائق وفي ترجمتها على أرض الواقع وتشجيع أبناء وطنه على إيصال صوتهم إلى السماء وكسر حاجز الخوف ومن ثم العبور إلى الإستقلال الثاني، الإستقلال الذي أصبح فيه العلم اللبناني رمزاً فعليّاً لجميع اللبنانيين، فكانت أن زيّنت الساحات وأماكن الإعتصامات والمنازل بألوانه المنسجمة بين النقاوة والتضحية وشموخ الأرز، والأبرز، أن التنافس بين أبناء الشعب الواحد كان انحسر في زمن الشهيد، بصنع أكبر علم لبناني، ومن صناعة أكبر علم أطلق بيار الجميل بعد ذلك شعاره الشهير يوم تسلّم وزارة الصناعة “بتحب لبنان حب صناعتو”، صناعة يتفق الجميع على أنها حقّقت الحرية والكرامة والعزّة، لكن وأثناء سيرها نحو درب النجاح، طالتها رصاصات الفتنة وأردتها شهيدة مضرجة بدمائها، قبل أن تقطف ثمار إنجازاتها على الصعيد الحكومي.

 

الوزير الشهيد الذي تربّى على مبادئ وطنية والتضحية من اجل الوطن واحترام العائلة، حلم ذات يوم بتحويل أبناء وطنه إلى عائلة واحدة لا تخضع سوى لسلطة الدولة والقانون. شاب جاء من الغربة يسعى إلى وحدة الكلمة وقيامة وطن، شاب أقلق بحركته وتنقلاته وسعيه الدؤوب إلى الجمع لا التفرقة، أصحاب مشاريع الفتنة وإبقاء لبنان ساحة إقتتال ورقعة للإغتيالات والتصفيات السياسية. على الرغم من انه لم يكن يُدرك أنه سيكون الهدف بعد بعد الرئيس الشهيد رفيق الحريري والوزير باسل فليحان والصحافي سمير قصير و”أبو المقاومة” جورج حاوي والنائب جبران تويني، إلّا انه لم يغب عن باله إطلاقاً، فرضية استهدافه في أي لحظة، ولكن كان أيضاً يُسرّ إلى عدد من المقربين منه، أنه ما زال هناك الكثير من الأمور التي يجب أن تتحقّق قبل أن تطاله يد الإجرام.

 

بيار أمين الجميل، شاب من طينة وطن رفض الهيمنة ورفض الإستئثار بشعبه. جادل الجميع بالتي هي أحسن وناقش وحاور البعيد قبل القريب. كسر الحواجز المذهبية وفتح الأبواب الموصدة فكان النقاش البنّأء الوسيلة الوحيدة لإقناع الخصوم. تنازل لمصلحة البلد وأبنائه، لكنه حافظ على الثوابت الوطنية وقطع أكثر من مرّة، الطريق على المصطادين بالماء العكر. إنطلق في عملية البناء والوحدة من حزب “الكتائب اللبنانية”، الحزب الأقرب إلى عقله ووجدانه، فنجح في مهمته. شاب امتهن العمل السياسي إنطلاقاً من قناعات تُشبه أحلام وامنيات أبناء جيله وجيل أولاده، قبل أن يسقط شهيداً على مذبح وطن حُفرت في ذاكرته العديد من الأسماء، ومن بينها، سيبقى اسم بيار الجميل يتردد على ألسنة صغار وكبار، حملوا مشعل الكرامة ومضوا ينشدون.. “هيّا فتى الكتائب”.

 

غداً ستجتمع عائلة الشهيد في ذكراه وسوف تستعيد زمنه الحاضر أبدا. لن يسأل امين والكسندر عن مكان والدهما كما كان الحال وهم صغاراً، فهما اليوم يعلمان أن والدهما الشهيد في مكان أفضل من هذا العالم، وقد أصبح بإمكانهما أن يرويا سيرة والدهما على النحو الذي يجب وأن يُفصّلا مشواره منذ البداية وحتى آخر يوم من حياته. وسيؤكدان كما في كل سنة، أن من قتل والدهما هو جبان ومجرم وأنه لولا خوفه من مشروع بيار الجميل، لما تجرأ على إنهاء حياته. أمّا والد الشهيد الرئيس أمين الجميل، فهو حتماً سيبدأ حديثه عن فلذة كبده كالمعتاد، بجملة، “يا حبيبي يا بيار”.

 

يوم استشهاد بيار الجميل، كان الرئيس سعد الحريري مُكلّفاً بتشكيل حكومته كما هو الحال اليوم، فكان أول من نعى صديقه خلال لقائه وفوداً في قصر “قريطم”. يومها بكى الحريري بحرقة على صديقه ورفيقه في النضال، وبعد أن أعلم الحضور بالمصاب، اتّهم سوريا بالضلوع في الاغتيال. وقال “يريدون قتل كل لبناني حر. بدأوا مسلسل الاغتيالات الذي وعدوا به”.

 

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل