90 عاماً… وأبو فؤاد بلا استقلال

90 عاماً... وأبو فؤاد بلا استقلال

الى طرق بيروت المشبعة بذكرياته رافقته، كان عابق الوجه وكأنه يختنق. بادرته بالقول: “ما بالك يا رجل”. لم ينطق بكلمة، ظل صامتاً، وكأنه يموت بالحياة.

غضبه لم يكن مفاجئاً، هو دائماً متعب النفس لأسباب كنت أجهلها وباتت شيئاً فشيئاً جزءاً مني، منذ تعرفت على أبو فؤاد الذي ناهز عمره التسعين ولا يزال ممشوق القامة إلا ان خطوط وجهه توحي بالتعب العميق، وهو الذي فقد ولديه بالحروب على لبنان، ويحمل فكراً سياسياً قل نظيره.

الى زاوية معتادة جمعت أحاديثنا وحكاياتنا وكلماته التي ما لبثت تؤثر بي، حملنا فنجاني قهوة وجلسنا. اقترب الاستقلال بذكراه الـ75 يا أبو فؤاد، هي أيام تفصلنا عنه. يجيب: “رحم الله فؤاد والاستقلال معه”.

“أنت يا أبو فؤاد، أنت الذي ضحيت بكل شيء لأجل سيادة هذا البلد تترحم على الاستقلال”؟، يبتسم: “مستعد للتضحية اليوم وحتى النفس الأخير، من يملك روحاً مقاومة لا يفقدها. لكن هذا الوضع المعلب المركب يربكني ويزعجني. أغضبتني يا فتاة، دعيني وشأني”.

“بالله عليك أخبرني ما بالك؟”، يتنهد: “تسألينني عن استقلال يتناتشه سلاح غير شرعي، استقلال منصاع لمناطق لا امكانية للجيش اللبناني من الدخول إليها، تسألينني عن استقلال انتزعناه بالقوة لنراه يتهاوى على أيدي مافيات السلاح والمخدرات. تسألينني عن استقلال وجيش بلدنا تحكمه القرارات السياسية البالية المهترئة”.

“ما تزيدها يا أبو فؤاد، لا شك ان السلاح غير الشرعي الإشكالية الأكبر ولكن في لبنان دولة ومؤسسات”، يقاطعني غاضباً بأسلوبه المعتاد: “في لبنان مؤسسات يحكمها الفساد والفاسدون، يحكمها الطمع والسرقة وسوء الإدارة التي تسرق حقوق شعب لا يعرف الانتفاضة، شعب مبّنج باتت انتهاكاتهم اعتيادية بالنسبة إليه. في لبنان حدود غير مضبوطة، سارحة مارحة وعين الفساد ترعاها”.

يكمل بحرقة لا تخفى على أي ناظر: “داخلي بركان وضجيج، داخلي ألم وحزن، وأمل بجماعة فعلت كل شيء ولا يزال امامها الكثير لتحافظ على سيادة الوطن وتجعل استقلاله فعلياً. ينتابني الخجل لأنني اشعر باليأس في وقت أرى وجوههم مزودة بالإيمان والعزم. لكنني افهم نفسي واسامحها، هي تسعون عاماً من المكافحة انهكتها الخيبات”.

“تسعون عاماً يا صغيرة، حاربت خلالها، وحارب فؤاد وشربل واستشهدا لأجل هذا المجتمع الذي لا تزال خياراته ضائعة، لا يزال يبرر الخطأ لأجل الزعيم، لا يزال غير متمسك بوطن ان خسرناه بتنا مشردين، على أبواب السفارات تائهين… كم من فؤاد وشربل علينا ان نخسر ليتعظ أبناء الخيارات الفوفاشية التضليلية”.

ادمعت عيناه هو الذي يضج كبرياءً، وصرخ بي: “ارحلي ولنلتقِ لاحقاً، لا تضيّعي وقتك معي، عودي الى النضال، اذهبي الى حيث الكرامة في هذا الوطن، ضعي كل قدرتك ليبقى لك ولأولادك وطن. انت دائماً بأحاديثك تزعجينني، ارحلي”. وأدار لي ظهره.

كالعادة، أخضع لكبريائه وأنسحب. ودّعته فهز رأسه ورحلت… أغلب لقاءاتنا تنتهي عندما يغلبه الألم، ويغلبني حبه، فكره، قوته التي نفسه يجهلها. وأرحل بعد كل لقاء مزوّدة بإيمان عظيم من هذه الموسوعة التاريخية، إيمان استقيه ممن امتحن بالنار ومنه ذهباً خرج.

 

كلام أبو فؤاد صحيح، يحدثني بلسان تسعيني ما أعيشه انا اليوم. فراغ وضياع، وما بينهما تقاذف للمسؤوليات يحكمون المشهد اللبناني. مللنا، حقاً مللنا من رمي التهم على من سبق ورحل، المسؤولية اليوم على من؟ ماذا ينتظر حكام البلد ليقوموا بسيادته ويحرروا استقلاله؟

استقلال جريح مجروح، استقلال ناقص منقوص، حتى مشهد السلطات الثلاث غير مكتمل وهي ليست المرة الأولى. سبب التعطيل واضح والمعني ينتظر… الفرج ربما!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل