
لا ترتاح السماء من شبابنا! او لعل بعض من في الارض يريد ان يرتاح منهم، فيرسلهم تباعاً عرساناً شهداء قوافل الى حضن الرب. هذا كلام كبير خطير كافر من قلم مؤمنة.
هو الشوق الممزوج غضباً ربما يأخذنا الى مشاعر السلبية احياناً. وأحياناً نظن ان الزمن مر وانتهى كل شيء معه. ها هي 12 عاماً عبرت على استشهاد الشاب بيار الجميل، وسط الشارع في عز النهار، وبوقاحة الجريمة اغتيل ولا من سأل.
أحياناً أقول نيالو بيار الجميل مات، ونيال كل الشهداء قبله وبعده، على الاقل ارتاحوا من هذه الارض المنهِكة المثقلة المدمِرة لكل ذلك الحب. الحب من طرف واحد، من طرفنا باتجاهها. لكن وفي لحظات الهدوء وانا اناجي بلادي الحلوة السليبة الجمال، اعرف أن الوطن ليس مسؤولاً عن بشاعاتنا، نحن المسؤولون، نحن من أدخلنا الموت الى ديارنا وجعلناه وليمة الولائم بيننا.
نحن بأيادي العملاء والفاسدين والتجار وناكري الجميل والفريسين الكثر، جعلنا شبابنا وليمة الموت على مدار السنين. وشبابنا المتلهف للكرامة والنضال والمقاومة، ذهب طوعاً الى مصيره. نحن نعيش لنسكر بالحياة وحياتنا لا تكتمل الا بالشهادة لأجل المسيح ولأجل الأرض. وارضنا هي مذبح الرب ايضاً، قرباننا تلك الدماء الحمراء القانية التي نشربها نبيذا من خمر يسوع ونسكبها عمرا فوق هذه التراب.
لأجلك يا وطناً يا قلب العمر يا عمرا صعبا شائكاً حلواً مراً، زرعنا الدروب من قوافلنا واثارنا حمراء نظيفة نقية من دم الشهيد. لا لم يمت بيار الجميل، ولن يموت لا هو ولا جميع اولئك الذين صنعوا استقلالا من استقلال، نحن نصنع وطنا صناعة لبنانية حقيقية وندفع الاثمان الباهظة ولا يقوم وطن من دون دم شهيد.
في ذاك اليوم 21 تشرين الثاني 2006، وثوار ثورة الأرز، شاب بعد آخر يقطفهم الغدر، قطفوا بالرصاص عمر بيار الجميل، وبعد اقل من عام على اغتيال صديقه جبران تويني، بطل تلو الاخر، لبسوا الدماء لتحيا الجريمة وليحيا المجرمون الاموات الذين لا يزالوا يتنقلون بيننا بوجوه مكشوفة، ونحن نعرفهم، ندل عليهم، نمشي قربهم ونعرف ان الانسانية فيهم صارت غبارا.
هم وحوش بشرية تعيش لتقتات من لحوم البشر، اغتالوا الوزير الشاب المناضل الذي ما عاش سنين عمره الطرية الا ليكون مناضلاً في ثورة الارز، الوزير الشاب الذي صرخ يوماً “بتحب لبنان؟ حب صناعتو”، وهو الصناعة اللبنانية الصرف. فكان ان اغتالوه كي يتوقف عن حب لبنان ولتكن رسالة الى هؤلاء “التافهين” في حب الوطن، بأن يكفوا عن ذلك لان لهم في المرصاد عميل سفيه صغير متواطئ، يقتات من اموال الغريب ليزرع ارض بلاده موتا من موت، وهو لا يعرف انه ميت ولن يكون له اصلا الا الموت مكافأة، وسنشهد جميعا على ذلك مهما طال بنا الزمن يا بيار، يا شهيد، يا شهداء ثورة الارز الرائعة تلك.
اراقب صورتك مبتسماً، وانت تقبّل هذا العلم الذي لبسته في طريقك الى يسوع، دخلك مروق بدربك على هالكم بوسة وابعتن نثر الورود لعمرك الشهيد، لشبابنا شهدائنا السكرانين معك بخمرة وطن. وكلما شربتم كأسه كلما رفعكم فوق ترابه بخورا، زيح بوجك يا شب عن هالاحمر بيكفينا هالقد غياب…
