علم ونشيد واستعراض عسكري، ثالوث لا يتجزأ يحتفي هذ العام ومنذ العام 1943 بعيد استقلالنا، ولكل حكاية مجدت وتمجد حكايات استقلال لبنان، حكايات حفظناها بعقولنا وقلوبنا ووجداننا.
في بشامون رفع العلم اللبناني لأوّل مرّة
حكاية استقلال لبنان شرارتها الأولى بدأت باستبدال علم الانتداب الفرنسي بالعلم اللبناني الحالي الذي نحتفل به كل عام في الحادي والعشرين من تشرين الثاني قبل يوم واحد من عيد الاستقلال، وهو «بيت الاستقلال» في بشامون ما تعبت حجارته يوما من ترداد تلك الحكاية، فخلف جدرانه عقد النواب جلسة سرية عام 1943 تم فيها رسم وتوقيع العلم اللبناني الجديد، وعلى سطح هذا البيت رُفع العلم اللبناني لأول مرة في التاسع عشر من تشرين الثاني 1943، ولا زال مرفوعًا في صدر البيت الجبلي العتيق، محفوظًا «جوهرة وطنية تاريخية» في لوحة.
ويروى أنه قبيل عهد الاستقلال، تمّ اعتماد العلم الفرنسي بألوانه الأزرق والأبيض والأحمر يتوسطه رسم شجرة الأرز رمزا وطنيا للدولة. وقد تبنّى الجنرال غورو هذا العلم في خطابه الذي ألقاه بمناسبة إعلان إنشاء دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول 1920، كما نص عليه الدستور اللبناني الصادر في 23 أيار 1926، ليبقى علما للبنان حتى العام 1943، وهنا بدأت لنا حكاية جديدة كللت بعلم جديد، «علم لبنان الحر المستقل».
ففي 11 تشرين الثاني من ذاك العام، تفجرت ثورة اللبنانيين ضد الإنتداب الفرنسي، اثر اعتقال قادة البلاد وزجّهم في سجن راشيا، فقام وزير الدفاع الوطني آنذاك الأمير مجيد أرسلان ورئيس مجلس النواب صبري حمادة والوزير حبيب أبو شهلا باجتماع مصغر في قرية في جبل لبنان هي بشامون وألفوا حكومة مؤقتة عرفت ب»حكومة لبنان الحر» ترأسها أبو شهلا.
هكذا رسم وصمم علم لبنان
في ذاك اليوم تداعى النواب لعقد جلسة سرية ورسموا العلم اللبناني الجديد الذي نعرفه بحيث تم تحريره من الألوان الفرنسية، باستخدام قلم رصاص، وقلم أحمر، وأخذ النائب سعدى المنلا مهمة رسم العلم الجديد، ولما لم يجد النواب قلماً أخضر، رسم المنلا الأرزة التي تتوسط العلم بقلم رصاص ثم وقّع ستة نواب تمكنوا من حضور الجلسة ورئيس المجلس على رسم سعدى المنلا، وعلى اقتراح القانون، ووقف النواب الستة وأقسموا على أن تكون هذه الألوان، الأبيض والأحمر والأخضر، علم لبنان المستقل.
العلم يركّع «المير»
وعلى الفور، بدأ العمل لتصميم هذا العمل على قماشة من ستارة منزلية، لتتولى المهمة الشيخة جنفياف الجميّل زوجة الشيخ بيار الجميل والسيدة تميمي مردم بك، وتوجّهتا به الى دير مار منصور اللعازرية في عجلتون، ومن هناك الى بيت حبيب باخوس المدوّر والد جورجيت ومارغو المدوّر، حيث قمن جميعا بحياكة وتطريز العلم اللبناني الأول، ليحمله أربعة شبّان ويتوجهون به صباح الأحد 19 تشرين الثاني إلى بشامون، ودخلوا ذاك المنزل الذي تحول الى سراي الحكومة في بشامون، ومددوه على الأرض أمام أنظار الجميع الشاخصة إليه، ليمسك به حبيب أبو شهلا ويقدمه إلى الأمير مجيد إرسلان بصفته وزير الدفاع الوطني، قائلا له: «إني بالنيابة عن فخامة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وجميع المعتقلين في راشيا والسجون، أضع في عهدتك علم لبنان الجديد الخفّاق، وأطلب منك الدفاع عنه وحمايته». فركع «المير» إرسلان وقبّل العلم، وقال: «أقسم بأن أذود عنه بدمي وأبذل في سبيله حياتي». بعدها رفعوا العلم فوق سرايا بشامون، وكان ذلك قبل إعلان الاستقلال رسمياً بثلاثة أيام.
عروض عسكرية وطوابع تخليدا للذكرى
وكان الاستقلال في 22 تشرين الثاني 1943، وتسلم الجيش اللبناني الأفواج من الوحدات الفرنسية، ومنذ ذاك، دأبت الدولة اللبنانية على تخليد ذكرى الاستقلال عبر عرض عسكري رسمي ترفقه بإصدارات تذكارية متنوعة من الطوابع والعملات والميداليات تخليداً لهذا الحدث.
وأول تخليد للاستقلال كان في العام 1944، عبر إصدار طوابع اعتبرت أول مجموعة رسمية تذكارية للمناسبة، وقد تم توشيحها عبر طباعة تاريخ «22 تشرين الثاني 1943» خطّها الرئيس بشارة الخوري بيده، وبعدها لم يصدر أي طابع تذكاري خاص بهذه المناسبة حتى العام 1959، لتتوالى الإصدارات لاحقاً في عهد الرئيس فؤاد شهاب، ثم غابت كلياً منذ العام 1969 حتى 1993 حيث تم إصدار مجموعة تخلد مرور خمسين سنة على الاستقلال.
وفي المقابل، استلزم لبنان ثلاثة أعوام للقيام بأول عرض عسكري احتفالي رسمي بمناسبة الاستقلال، وكان ذلك في أول آب 1946 أمام المتحف الوطني، وكرت السبحة، عاما بعد عام، عبر عروض عسكرية تتمثل فيها كل الوحدات من دون استثناء، في تخليد لمعركة الاستقلال تستعرض فيها دولتنا العلية قوتها في عرض في بعض شوارع بيروت، مظهرة أحدث قدراتها العسكرية في مواجهة الأعداء، ليصبح ذلك عرفاً عند كل احتفال بالعيد.
مع الإشارة الى ان هذا العرف تعود أصوله الى أيام الانتداب الفرنسي، إذ إن الاحتفال كان يتم في الأول من أيلول من كل سنة في ذكرى إعلان دولة لبنان الكبير في العام 1920 في قصر الصنوبر. وقد أصدرت الدولة الفرنسية ميدالية برونزية نادرة جداً، في العام 1923، تخليداً لـ»استقلال لبنان الكبير». لكن بعد هزيمة القوات الموالية لحكومة فيشي في فرنسا، تغيّر هذا التاريخ ليصبح في 26 تشرين الثاني، عندما أعلن الجنرال كاترو لبنان دولة مستقلة ذات سيادة في العام 1941. وفي الذكرى الأولى لهذه المناسبة، أقيم عرض عسكري في ساحة الشهداء حضره رئيس الجمهورية ألفرد نقاش، وأصدر البريد اللبناني أول مجموعة طوابع تخلد الاستقلال كانت تحمل صورة الأمير بشير الثاني.
العنزة تتصدر العرض العسكري
على عهد الاستقلال، ومنذ العام 1946، اتخذت العروض العسكرية للجيش اللبناني لمناسبة الاستقلال طابعا جديدا، وكان لبنان، كل لبنان، ينتظرها متلهفا، ويروى ان الناس كانوا يصطفون في الساحات لمشاهدة هذه العروض، وكان أبرز ما يميّزها تلك «العنزة» التي كانت تتصدر العرض العسكري وتتقدم فوج القناصة، لماذا العنزة؟
يروى ان أحد ضباط الجيش اللبناني حينها جوزف حرب كان يتفقد إحدى الوحدات العسكرية في مرجعيون والتي أهداها الأهالي عنزة، فطلب تدريبها على السير على وقع الموسيقى أمام وحدات الجيش، وكان له ذلك. وفي عام 1947 تحدى الفوج الثاني الفوج الأول بإحضار خروف للغاية نفسها، ولكنه لم يلتزم التعليمات. ويقال إن الجيش اتخذ العنزة مقدمة لاستعراضاته العسكرية يومذاك رمزا لما تمثله من عناد وقوة في السير في البراري والأودية وتسلق الجبال، وأيضا الى الحقول والزرع وخيرات التربة، لكن مع إلغاء فوج القناصة غيّبت العنزة من العرض.
ومن تقاليد الاحتفال العسكري الذي لم يتغيب عنه الرؤساء الثلاثة إلا نادرا ولظروف قسرية، يصل عند الثامنة علم الجيش وتجرى مراسم تكريمه، ثم يصل تباعا رئيس الأركان، قائد الجيش، فوزير الدفاع الذي يستقبل رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب. وعند التاسعة يصل رئيس الجمهورية إيذانا ببدء مراسم الإحتفال، بحيث يكون الفارق الزمني بين وصول الرؤساء الثلاث نحو 5 دقائق، ويضع رئيس الجمهورية لدى وصوله إكليلا عند نصب للشهداء، ويستعرض بعد ذلك على متن «جيب» عسكري مكشوف الى جانب وزير الدفاع الوحدات المشاركة في العرض، فيما يتبعه «جيب» آخر على متنه قائد الجيش ورئيس الأركان. ويعود بعدها الى المنصة الرسمية ليبدأ الإستعراض العسكري بموسيقى قوى الأمن الداخلي، ويتقدّم علم لبنان ثم على التوالي أعلام كل من قوى الأمن الداخلي، الأمن العام، أمن الدولة وعلم الجمارك، وتبدأ العروض العسكرية التي تنظمها قيادة الجيش، والتي تشارك فيها الألوية العسكرية كافة والقوات الجوية والبحرية، والوحدات المؤللة، بالإضافة الى الدفاع المدني والصليب الأحمر وغيرها من الحركات الكشفية، فيما تحلق أسراب من سلاح الجو ولتغطي سماء الاحتفال البالونات الملونة بألوان العلم اللبناني وعلم الجيش وأسراب الحمام.
وقبالة ساحة العرض تمر مراكب إنزال للجيش وخافرات سواحل، لينتهي بعدها وينتقل الرؤساء الى القصر لتقبّل التهاني الرسمية.
هذه تقاليد الاحتفال بعيد استقلالنا التي توقفت قسرا في بعض سنوات الحرب، وعادت لتتحول عرضاً سيادياً رمزياً «لتعزيز التفاف اللبنانيين حول دولتهم وجيشهم ومؤسساتهم.»
وهكذا ولد نشيدنا الوطني
أما نشيدنا الوطني فله قصة أخرى، هي الأقدم، عمرها 90 عاما، قبلها ما كان للبنان نشيد رسمي، بل أغنيات شعبية وحداء وتراويد يُنشدها اللبنانيون عندما يحيّون أمراءهم، أو عندما يذهبون الى القتال ويعودون منه ظافرين، هي حكاية حلوة استعرضها المؤرخ اللبناني الراحل جوزف نعمة في كتابه «صفحات من لبنان» روت «كيف وُلد النشيد الوطني اللبناني» ومما قالته إن نشيدنا ولد بعد إلحاح لبناني على المندوب السامي الفرنسي «مسيو كايلا» الذي وافق بشرط أن يكون النشيد وصفياً لا ثورياً.. وكان ذلك في العام 1926، تاريخ إعلان الجمهورية اللبنانية وانتخاب شارل دباس رئيسا لها، حيث أرادت الحكومة الأولى في عهده وضع نشيد وطني لبناني، وعلى هذا صدر في 19 تموز1926 مرسوم جمهوري عنوانه «مسابقة لاختيار النشيد الوطني اللبناني» ينص في مادته الأولى على أن المسابقة قسمان: مسابقة لاختيار قصيدة عربية تصلح كلماتها للنشيد اللبناني، ومسابقة بين مؤلفي الألحان لانتقاء اللحن الذي يوضع للقصيدة المختارة..
وشكلت لهذه الغاية لجنة تحكيمية للنظر في الأناشيد المقدّمة، فتفحصت اللجنة القصائد التي تلقّتها، ومعظمها لمشاهير شعراء لبنان، فكان النشيد الفائز نشيد الشاعر رشيد نخلة الذي وقّع قصيدته باسم «معبد» ، مطلعها: «كلّنا للوطن، للعلى للعلَم»، ولما سئل الشيخ إبراهيم المنذر الذي قدّمها للجنة عن إسم صاحبها الحقيقي، قال: «هو رشيد نخلة، الأديب والسياسي المعروف». فاعتمدت الحكومة هذه القصيدة نشيداً وطنياً بموجب مرسوم جمهوري، وفي أواخر تشرين الأول 1926 نشرت النتيجة في صحف تلك الأيام التي قدمت رشيد بك نخله مؤلف النشيد الوطني، على أنه «خطيب مفوّه وأديب أصيل وشاعر بالسليقة».
وكتب جوزف نعمة ان اللجنة أعجبها أيضاً «قصيدة لا تقلّ حماسة وعذوبة عن الأولى من حيث معانيها ومبانيها، نظمها الشاعر الرقيق والإداري الحازم عبد الحليم الحجّار، ووضع الأخَوان فليفل لحناً خماسياً شجياً لها يطرب اللبنانيون لسماعه».. وكان مطلعها:
ألفخــرُ في بـلادنـا والعزُّ باتّحادنا
وعن ذُرى أطوادِنا والأرزِ لا تَسَلْ
ولكن لأسباب فنية ووطنية اختارت اللجنة نشيد رشيد نخلة.
فوز وديع صبرا وصدمة الأخوين فليفل
وبعد الشعر، جاء دور اللحن، ليقع اختيار اللجنة بعد الاستماع إلى أكثر من ثلاثين لحنا على أربعة منها هي: الرقم ستة للأخوين فليفل، والرقم ثمانية لوديع صبرا، والرقم تسعة لمتري المر، ورقم ستة وعشرين للمسيو كوكيل، وكان عليها اختيار واحد منها، وكان الاعتقاد السائد ان الفوز بالمرتبة الأولى سيكون للأخوين فليفل، فهما كانا المختصين الوحيدين بتلحين الأناشيد الوطنية بين المتبارين، وأناشيدهما كانت على كل شفة ولسان في لبنان وكل العالم العربي، لكن توقعات الأخوين فليفل والجميع خابت، وكانت المفاجأة بفوز لحن وديع صبرا بأكثرية 11 صوتاً مقابل 9.. ووسط دهشة وصدمة الأخوين فليفل، خرج الشيخ بشارة الخوري وربّت على كتفيهما قائلا: «أعجبت كثيراً بلحنكما، لكن الظروف حتمت علينا وعلى اللجنة اختيار لحن وديع صبرا لثقافته وكبر سنّه وشهرته في البلدان الأوروبية، أنتما ما زلتما شابين المستقبل أمامكما».
وهكذا، فاز بتلحين هذا النشيد وديع صبرا ومعاونه الفنان الكبير نقولا دال.
ووفق المؤرخ نعمة أنه في بداية عهد الاستقلال أرادت الدولة ان تعيد النظر في هذا النشيد لترى إذا كان يتوافق ووضع لبنان الجديد، فوجدت أنه مكتمل من الناحية الوطنية ولا حاجة لتغييره أو لإضافة شيء عليه.
وهكذا صار لنا نشيدنا، صلاتنا الوطنية، يستنهضنا «كلنا للوطن للعلى للعلم»، نهتف به، يشعل دواخلنا بعشق لا نفهم سره، يخفق لعلم لبناننا يرفرف متراقصا على أنغامه، ونتطلع الى ذكرى استقلال وننتظر عروض عسكرنا، هي تلك الدعسات القوية تبث فينا اطمئنانا وسط كل هذا الهيجان «نحن هنا»، إذاً لبنان لا زال هنا وسيبقى حيا باسمى رموزه.. نشيدا علما وجيشا.
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)