
تتّجه بنيةُ الفوائد الى مزيد من الارتفاع، بما سيزيد الضغوطات على الوضعين المالي والاقتصادي، ويخفّف من نسبة الإقراض الى القطاع الخاص بما يعني المزيد من الجمود في النموّ وفي الحركة الاقتصادية بشكل عام.
أوصت جمعية المصارف اللبنانية، البنوكَ التجارية برفع الفائدة المرجعية في سوق بيروت Beirut Reference Rate (BRR) بالدولار الأميركي الى 8,2 في المئة في كانون الأول المقبل من 7,9 في المئة، وبرفع الفائدة المرجعية بالليرة اللبنانية الى 11,5 في المئة من 10,7 في المئة.
وكانت جمعية المصارف بعد أزمة استقالة الرئيس سعد الحريري في تشرين الثاني 2017 قد أصدرت تعميماً في ضوء التطورات الحاصلة في سوق الفائدة وكلفة الودائع، برفع معدل الفائدة المرجعية في سوق بيروت مئتي نقطة أساس، وهي نسبة اعتُبرت كبيرةً مقارنة بالتعديلات الروتينية الطفيفة والتي لا تُذكر على معدل الفائدة المرجعية. وارتفعت الفائدة المرجعية حينها، لليرة اللبنانية (BRR-LBP) الى 10,65 في المئة بدلاً من 8,65 في المئة.
تجدر الاشارة الى أنّ هذه المعدلات لا تحلّ محلّ معدلات الفوائد المدينة الفضلى بل تشكل قاعدةً لاحتسابها بعد اضافة نوعية مخاطر الائتمان والربحية بالنسبة للتسليفات والقروض بالدولار وبالليرة اللبنانية. وبالتالي فإنّ المصارف تعتمد هذه الفائدة من أجل تحديد معدلات الفوائد على القروض، بعد اضافة هوامش معيّنة مرتبطة بكلفة السيولة وإعادة التمويل، مخاطر الائتمان بالاضافة الى ربحية المصارف.
وفي النتيجة، سترتفع الفوائد على القروض بالدولار والليرة، سواء القروض الجديدة أو القديمة التي تعدّل فوائدها سنوياً عند تاريخ تجديدها. وبالتالي فإنّ كافة القروض السكنية والاستهلاكية والتجارية سيطالها رفع الفوائد اليوم بنسبة 1 في المئة تقريباً.
تسعى جمعية المصارف عبر رفع الفائدة المرجعية الى مواكبة رفع أسعار الفوائد عالمياً، والاهم من ذلك، الى تطبيق سياسة مصرف لبنان الهادفة الى المحافظة على استقرار سعر صرف الليرة وجذب الودائع والحرص على عدم خروجها من لبنان في ظلّ الظروف الحرِجة التي يمرّ بها الاقتصاد، خصوصاً
بعد ارتفاع عجز الموازنة الى 6 مليارات دولار والعجز في الحساب التجاري الى 17 مليار دولار، ما بات يفرض ضغوطات على معدلات الفوائد وعلى إمكانات التمويل الداخلية.
في شقِّ جَذب الودائع، يشهد القطاع المصرفي منافسةً شرسة بين المصارف أدّت الى بلوغ الفوائد نسبة 16 و18 في المئة على الودائع بالليرة اللبنانية.
ويقول الخبير الاقتصادي د. مازن سويد في هذا الاطار، إنّ ارتفاع الفوائد على الودائع مرتبطٌ بجزءٍ منه بالأوضاع السياسية غير المستقرة في البلد والتي تدفع المصارف نحو المنافسة على بقاء السيولة بالليرة اللبنانية داخل البلد.
وأشار لـ”الجمهورية” الى أنّ المخاطرَ المستجدّة التي تشهدها المنطقة ككل وارتفاع الفوائد عالمياً، جميعها عوامل تدفع للتخوّف من حدوث اضطرابات، وتُوجِّه المصارف نحو رفع الفوائد على الودائع تحاشياً لحاجتها الى الاستدانة من بعضها البعض بفوائد interbank عالية، على غرار ما حصل عند أزمة استقالة الرئيس الحريري، حيث إنّ الفوائد المرتفعة الحالية تبقى أقلّ كلفة على المصارف من فائدة الـinterbank التي سادت أيامَ استقالة الحريري.
وبالنسبة للتسليفات، أكد سويد أنّ القروض ستتأثر من دون شك برفع الفوائد، لافتاً الى أنّ حجم التسليف للقطاع الخاص في تراجع مستمرّ منذ 6 أشهر، «ما سيؤثر بدوره على الاستثمارات وبالتالي على النموّ الاقتصادي».
من جهة أخرى، وحول معدلات الفائدة التي ممكن أن تكتتب على أساسها المصارف في أيِّ سندات خزينة، قال سويد إنّ «المصارف في الفترة الأخيرة أظهرت عدم قابليتها للاكتتاب بسندات الخزينة وفضّلت في المقابل الاكتتاب بشهادات الإيداع في مصرف لبنان».
واعتبر أنّ «التخوّف اساسيّ بارتفاع الفوائد على سندات الخزينة لأنّ ذلك سيزيد الدينَ العام والعجز، وسيؤدّي الى ارتفاع الفوائد على القروض المتحركة للقطاع الخاص والمرتبطة بسندات الخزينة لأجَل عام».
في الختام، استغرب سويد الترف الذي تمارسه الطبقة السياسية في مقاربة موضوع تأليف الحكومة، لأنّ البلد دخل في حلقة مفرغة والوضع بات دقيقاً جدّاً في ظلّ ارتفاع الدين وهبوط النموّ وارتفاع الفوائد، «وفي حال لم يتمّ تدارك الأمر، فإنّ الوضع سيكون حرجاً».
وقال: المشكلة ليست بالمهلة التي نملكها قبل الانهيار وإنما بكلفة تلك المهلة والمتمثلة اليوم بارتفاع الفوائد التي قد تصل الى 20 و25 في المئة بعد عام أو اثنين في حال بقي الوضع على حاله.
