
تعذبت لأجد كلماتي. ماذا اكتب عن الاستقلال؟ ماذا يجب ان اكتب؟ لنبدأ بالصح، هي ذكرى الاستقلال الاول تحديدا. عمره خمسة وسبعون. ليس كثيرا في عمر وطن قارب الستة آلاف عام بمسار الزمن.
استقلالنا شاب، يافع، ويبدو انه لا يزال يحتاج الى الكثير بعد من التجارب لينضج! كم عاما يعني بعد؟ كم شهيدا؟ كم عمرا؟ كم قهرا ودهرا واحتلالات؟! خلّينا في الاستقلال الأول. يكتبون في التاريخ انه استقلال عن الانتداب الفرنسي! ذاك الانتداب الذي أنشأ الارساليات والمدارس والمباني الاثرية وعلّمنا اللغة الفرنسية الانيقة، ولا تزال اثاره العلمية والثقافية محفورة عميقا فينا مثل ألوان العلم. ومع ذلك طالب رجالات ذاك الزمن بالاستقلال عنه.
اذاً نحن شعب مفطور بالأساس على الحرية والاستقلال، ومن المفروض ان يرفض اي احتلال آخر، خصوصا اذا كان لم يزرع حتى اللحظة، سوى الهمجية والوحشية في كل أشكالها وانواعها. لذلك كان لنا ثورة ارز بالأمس القريب جدا جدا واستقلال ثان لم يصل عمره بعد الى العشرين. وها نحن نغرق من جديد في احتلال آخر مقنّع، لعله الاخطر لان المحتل يسكن بيننا في بيوته ويحمل هوية بلادنا لكنه ليس لنا ولا عاد يشبهنا في شيء. وها نحن في المقاومة من جديد بأشكالها المختلفة لتحقيق الاستقلال الثالث، وهيك بدنا نضل وايمتى منعيش عن جد احرار؟!…
من زمان كان الاستقلال عنزة عنيدة تسبق الخيول والدبابات في الاستعراض العسكري، استقالت العنزة المسكينة، ذهبت الى حيث تنتمي، الى الحظيرة، وصار العرض مختصرا من “قريبو” وليس على قدر اهل العزم، وحدها الهصية الاعلامية كبرت. وكل يوم يمر، يفرغ الاستقلال من معناه الحقيقي ويخسر القلب مساحة الاحتفال، لماذا؟! لماذا لا نجد فكرة محددة نكتبها حين تأتي الذكرى؟! لان المرارة غلبت المناسبة. الذكرى التي لم يبق منها الا احداثا غابرة وليس امرا واقعا نعيشه. المرارة لان الوطن لا يزال يتنكّر لمناضليه لأجل استقلال حقيقي حصل. وما ان حصل حتى اغتيل!
كل يوم، كل لحظة، كل ومضة قلب، هذه دولة تغتال استقلالها بيديها وعن سابق تصور وتصميم، تسرق منا انتصارنا وشهداءنا ونحن نجلس في الانتظار نصنع استقلالات وهمية في الاشعار والاغاني، ووحدهم الشهداء الذين استقلوا عن الحياة، هم الاحرار الحقيقيون…
الان فهمت لماذا نزعل في ذكرى الاستقلال، نحب الشيخ بشارة الخوري، وأكثر منه بعد رياض الصلح، وكل رجالات ذاك الزمن. لكن ما فعلوه صار ذكرى، صار الذكرى، كتبوا بالكرامة فصلا مشرفا من تاريخ لبنان، لكن اين ثمرة ما فعلوه؟ اليس من المفترض انه عندما يستقل وطن عن الاحتلال ان يبقى في الحرية؟ لم نبق فيها، لم نصمد الا سنين قليلة، ليس لان من صنعوا ذاك الزمن اخطأوا، لكن حتى اللحظة لم نتمكن من تحقيق الجلاء عن تلك المرارة.
ومع ذلك… ومع ذلك نصر على تلك العنزة، نحن نعيش عنادنا الابدي السرمدي، وعرضنا العسكري لا يمر من دون تلك العنزة، العناد في تحقيق استقلال حقيقي بدأنا منذ سنين نحيّك خيوطه في العلم، نحن لا نزال نحيّك علمنا بأعمار شبابنا، الاحياء والشهداء، ووحياة من وهب الحياة لهذه الارض، كلكن بتفلوا وبيبقى لبنان، هذا وعدنا للاستقلال الآتي على جناح الحرية والذي بالتأكيد لن يبقى ذكرى.
