
كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1688:
بقدر ما يبدو أن «حزب الله» يمسك بعقدة تشكيل الحكومة بقدر ما يعكس هذا الأمر مشكلة الحزب مع النظام في لبنان. وبقدر ما يبدو في الظاهر قويًا من خلال التعطيل بقدر ما هو ضعيف من خلال اللجوء إلى السلبية. لا يلجأ الحزب إلى التكتيك لمجرد الهواية السياسية لأنه في النتيجة لا يعتمد إلا التكتيك الذي يخدم استراتيجيته وبعد أن يكون درس موافقه جيدًا، ولا يمكن النظر إلى مسألة فرض تمثيل النواب السنّة المحسوبين عليه في الحكومة إلا من خلال هذه الزاوية، لأن ما يريده هو ما بعد هذه العقدة. فلو كان الحزب مرتاحًا لوضعه ولا يشعر أنه وحيد ومعرض للإستفراد والضغط لما كان لجأ إلى هذا التصعيد غير آبه بانعكاساته السلبية على العهد والدولة والكيان، كأنه يريد أن يطبق قاعدة عليّ وعلى أعدائي يا رب.
هل شعر «حزب الله» بأنه الطرف الأضعف في التركيبة الحكومية التي كانت على وشك أن تولد قبل أن يشهر ورقة توزير أحد النواب السنّة الستة المحسوبين عليه الذين يسميهم البعض سنّة «حزب الله»؟ هل خاف من تفاهم واضح بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري؟ هل اعتبر أن هذا التفاهم يشمل الرئيس نبيه بري ورئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط ورئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع؟ وبالتالي هل أحس أنه سيكون العنصر الأضعف في هذه التركيبة التي ستتكوّن من أجزاء ثلاثة أساسية: حصة رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر، وحصة رئيس الحكومة و»القوات» والإشتراكي، وحصته مع حركة «أمل» وهي غير صافية له، خصوصًا مع التشكيك المتواصل في حقيقة ما يضمره تجاهه الرئيس بري مع استمرار الحملات التي تتهمه بانتظار التطورات الدولية وبأنه غير مرحب به من قبل النظام السوري.
لقد رفع الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله اللهجة التهديدية والتحذيرية من مغبة عدم توزير أحد هؤلاء النواب الستة السنّة إلى الدرجة التي تجعل قبولها متعذرًا لدى الرئيسين عون والحريري. وبدا وكأنه يريد التعطيل أكثر مما يريد التمثيل. وقد فاقم هذا الأمر الطريقة التي تناول بها هؤلاء النواب المسألة بحيث أصبح القبول بها يمثل هزيمة للرئيس الحريري ونكسة للرئيس ميشال عون. وإذا كان أراد الحزب من خلال هذه الورقة إيقاع الفتنة بين الرئيسين عون والحريري، فلا يبدو أن هذا الأمر قد تحقق لأن الرئيسين اعتمدا سياسة الهروب من المواجهة والإنتظار.
لو كان «حزب الله» على تنسيق مع الرئيس عون أو مع رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل لما كان الرئيس عون تبنى موقف الرئيس سعد الحريري في إطلالته التلفزيونية ليلة الذكرى الثانية لتوليه الرئاسة، وهو كان راهن على أن تتشكل الحكومة قبل هذا الموعد وجاء موقف نصرالله ليعطّل عليه هذه الفرحة. ليس من المعروف عن الرئيس عون أنه يتراجع بسهولة عن مواقفه والتراجع في هذه المسألة يعني انهزامًا أمام الحزب وضربًا لصورة الرئيس القوي، وهذه الضربة لا يمكن أن يتحمّلها العهد لأنها ستكون قاضية عليه وعلى صورته واستراتيجيته بالإصلاح والتغيير المنشودين. والمواجهة تعني بالنسبة إليه الإصطدام المبكر بالحزب وبسيده وهو، أي الرئيس عون، لا يريد أن يحصل هذا الإصطدام لأنه سيكون مدمرًا للعهد والدولة. ولكن في النهاية لا يستطيع الرئيس أن ينتظر كثيرًا وعليه أن يتخذ القرار لأن المسألة بالنسبة إليه مسألة حياة أو موت، ولم يكن ليتصوّر أن الحزب سيكون له بالمرصاد بهذا الشكل المباشر. ولذلك تبرّع الوزير جبران باسيل فحاول شراء الوقت من خلال جولات الإستطلاع الفارغة من الأهداف التي لجأ إليها، لينتهي إلى محاولة إعادة الكرة إلى ملعب الرئيس سعد الحريري لإعطاء هؤلاء النواب وزيرًا من حصته، مع علمه المسبق أن هذا الطلب غالٍ ولكنه رخيص وغير قابل للتحقيق.
لقد أثبتت التجربة في الحكم أن «حزب الله» لا يقدم هدايا مجانية للعهد. فكل كلام الرئيس عن سلاح «حزب الله» من الأمم المتحدة ذهب أدراج الرياح. وكل جولة الوزير باسيل في الضاحية دفاعًا عن صواريخ الحزب ذهبت أدراج الرياح. وكل الكلام الذي قاله نواب «حزب الله» في القصر الجمهوري ذهب أدراج الرياح. لتبقى وحدها الرياح التي عصفت بالعهد من خلال عقدة تمثيل النواب السنّة الستة.
قبل انتخاب الرئيس عون بقي «حزب الله» حتى اللحظة الأخيرة ينتظر أن يبقى التعطيل مستمرًا، ولكنه بعد تأييد الرئيس سعد الحريري لهذا الخيار باتت مناوراته محدودة، فاختار أن يمشي بما كان اعتبره أنه خياره الوحيد لفتح الطريق إلى قصر بعبدا. في مرحلة إنهاء الفراغ الرئاسي كان ثمة انتظار لما سيحصل في الإنتخابات الرئاسية الأميركية. كان البعض يعتبر أن الحزب يريد أن يؤخر هذا الإستحقاق إلى ما بعد معرفة من سيكون سيد البيت الأبيض قبل أن يقرر من سيكون سيد قصر بعبدا. أما وقد تم انتخاب عون قبل انتخاب دونالد ترامب فقد بدأت مرحلة حسابات جديدة لدى «حزب الله». كان الرئيس الأميركي الجديد قد أشهر سياساته المعادية لإيران وأعلن استراتيجية المواجهة معها وهي مواجهة تقتضي تغيير سلوك النظام في طهران واحتواء تدخلاته في المنطقة ولجم التنظيمات التابعة له، وخصوصا «حزب الله». وبالتالي بعد عامين على انتخاب ترامب وبعد بدء تطبيق العقوبات الإميركية على إيران، تبيّن للحزب أن المسألة جدية وأن كل الكلام الذي قيل عن مزاجية ترامب وعدم انضباط سلوكه هو هراء، وأن الرجل يفعل ما يقوله ويسعى إلى تطبيقه بكل ما أوتي من قوة، ولذلك لم ينظر الحزب بارتياح إلى عملية تشكيل الحكومة، وإذا لم يستطع أن يمنع وصول عون إلى بعبدا فهو لا يستطيع أن يسمح بأن يكون العهد قويًا فعلاً، لأنه يخشى في النتيجة أن يكون قويًا عليه وأن يستعمل هذه القوة ضده في التوقيت الذي يناسبه.
فالحزب لا يؤمِّن لأصدقائه وأصحابه فكيف يؤمِّن للعهد ولحكومة لا يملك القدرة على تعطيل قرارها. وموقف الحزب من هذه المسألة له ما يبرره. فالقوة التي يستخدمها ترامب اليوم تشبه تلك القوة التي استخدمها جورج بوش في العام 2004 عندما تم دعم قرار مجلس الأمن 1559 الذي كان اغتيال الرئيس رفيق الحريري من نتائجه بفعل التغيير الذي كان سيحدثه في لبنان والمنطقة. ولكن في مرحلة 2005 كان النظام السوري هو الهدف الأول بحيث أنه لم يستطع أن يرفض قرار الإنسحاب من لبنان وانصاع مرغمًا لتنفيذه بعدما اعتبر أنه حبر على ورق. «حزب الله» اعتبر أنه نجا من مفاعيل تطبيق ما نص عليه ذلك القرار لجهة نزع سلاحه، ولكنه يجد نفسه اليوم أمام محاولة استكمال تطبيقه في ظل تأكيد مجلس الأمن الدائم عليه والتذكير بالخطر الذي يشكله هذا السلاح على الدولة، ويعتبر أن ترامب متفرّغ تقريبًا لاستكمال هذه المواجهة، وأن ما حصل مع النظام السوري قبل 13 عامًا سيتكرر معه ومع إيران اليوم، وهو يكاد يكون مقتنعا بأن فترة السماح التي أعطيت له لم تكن إلا من قبيل استخدام سلاحه في الحرب السورية بعدما انتفت أسباب المواجهة مع العدو الإسرائيلي في الجنوب على أثر حرب تموز 2006 والقرار 1701 الذي نص على إنهاء الأعمال العسكرية ونشر قوات الأمم المتحدة واستعادة الحكومة اللبنانية سيادتها الكاملة على كل الأراضي اللبنانية.
في العام 2005 خاض الحزب المواجهة السلبية من خلال المشاركة في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة ولمس خطورة المواجهة، خصوصا أنه لم يستطع أن يمنع قرارات تشكيل لجنة التحقيق الدولية باغتيال الرئيس رفيق الحريري وإنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، على رغم الإنسحاب من الحكومة وحصار السراي، ولم يكن أمامه من خيارات إلا استخدام سلاحه في 7 أيار 2008 دفاعًا عن السلاح. وإذا كان سهل تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة في العام 2009، إلا أنه لم يفعل ذلك إلا بعد امتلاك الثلث المعطل الذي مكّنه من إسقاطه مع حكومته وهو يدخل إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس باراك أوباما. وإذا كان الحزب انقلب على التوازن السلبي من خلال تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في العام 2011 قبيل اندلاع الحرب السورية، فإنه واجه الفشل الذريع مع هذه الحكومة وانصرف إلى محاولة إنقاذ النظام السوري منخرطاً في حرب كلفته الكثير وليقبل التنازل إلى مرتبة القبول بتشكيل حكومة برئاسة الرئيس تمام سلام لتستلم الفراغ الرئاسي بعد انتهاء ولاية الرئيس مشال سليمان الذي أعلن قبل ذلك موت الثلاثية الخشبية «جيش وشعب ومقاومة».
اليوم مع هذه الحكومة المنتظرة يقف الحزب عند مفترق طرق خطير. من يقف إلى جانبه ضد القرارات الأميركية؟ إنه مدرك تمامًا أنه لم يذهب إلى تفاهم مار مخايل مع العماد ميشال عون إلا لأنه كان تحالف الضرورة ومحاولة الحد من خسائر خروج النظام السوري من لبنان، بينما كان عون يرغب في أن يفتح له هذا التفاهم الطريق إلى قصر بعبدا، الأمر الذي اعتبر أنه فقده بتضحية منه بعد التوصية بانتخاب العماد ميشال سليمان رئيسًا للجمهورية بعد تفاهم الدوحة. اليوم يخشى «حزب الله» أن يختلف موقف العهد في حال ارتفاع حدة الضغوط الدولية عليه مع سريان العقوبات الأميركية على إيران، ولذلك هو يريد أن يشكل نقاط قوة لحماية نفسه، خصوصًا أنه يتوقع أيضًا مواجهة الحكم الذي سيصدر عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في ربيع العام المقبل. فهل سيستطيع الحزب أن يستمر في التعطيل؟ وهل سيبقى الرئيس عون صامتاً وهو يرى سقوط عهده ووعوده؟ وإذا كان الحزب يريد أن يقع الخلاف بين الرئيسين عون والحريري، فهل تكون المفاجأة من خلال تمسك الرئيس عون بمواقفه وصلاحياته بحيث يضرب على الطاولة ليقول إن القرار له ولا شريك له فيه؟
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]