#adsense

لفصل الخلاف الاستراتيجي عن إدارة الدولة

حجم الخط

كتب شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1688: 
شكلت التسوية الرئاسية أوّل قاعدة فصل جدية بين الخلاف الاستراتيجي المتصل بسلاح “حزب الله” ودور لبنان وبين إدارة الحياة السياسية، ويمكن القول ان هذه التجربة قد نجحت بدليل ان الخلاف في القضايا الكبرى لم ينعكس تعطيلا للانتظام المؤسساتي، ولكن لم يكن ممكنا نجاح هذه التجربة لولا وصول “حزب الله” إلى قناعة مفادها ان إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل خروج الجيش السوري من لبنان غير ممكنة، وان استنساخ القبضة السورية لا يمكن ان يتحقق، وان المساكنة مع القوى الأخرى لا مفر منها، وإلا سيستمر الصراع والتعطيل إلى ما شاء الله، ولبنان لم يعد يحتمل صراعات مفتوحة من دون أفق زمني للحل.

والقناعة التي وصل إليها الحزب لا تختلف عن قناعة الفريق الآخر لجهة ان نزع سلاحه بالقوة غير ممكن ويدخل لبنان في حرب أهلية جديدة، وان المطلوب مواصلة ربط النزاع مع السلاح بانتظار اللحظة الخارجية المؤاتية، لأن طبيعة الأزمة خارجية أكثر منها داخلية، وبالتالي يجب انتظار ما ستؤول إليه العقوبات على طهران والسعي الدولي إلى تغيير سلوكها.

ولكن هذا الوضع لا يعني “النوم على حرير”، لأنه من دون توازن الرعب القائم يستطيع “حزب الله” ان يحكم البلد ديموقراطيا، واستطرادا ان يحسم الصراع الاستراتيجي لمصلحته، ولذلك يجب ان تحافظ القوى الدولتية على شعبيتها وتمثيلها وحضورها ودورها، وهذا في الجانب التمثيلي، وأما في الجانب اليومي العملي فعليها ان تتصدى لأي محاولة لضرب سياسة الفصل وسياسة النأي بالنفس.

وقد حاول “حزب الله” من دون جدوى تعديل الستاتيكو القائم وتجاوز سياسة النأي، ولن يتوقف عن محاولات من هذا النوع، فيما المطلوب باستمرار إشعاره ان مصير هذه المحاولات الفشل وإحياء الانقسام وضرب الانتظام وعودة التعطيل والفراغ. وبخلاف الدعاية التي يحظى بها “حزب الله” من بعض الشخصيات لاعتبارات محض شخصية ولا تمت إلى الواقع بصلة، فإن التسوية الرئاسية أضعفت موقع الحزب ولم تقوِّه، والوضع في ظل التسوية أفضل من الوضع الذي كان قائما قبلها.

والهدف المرحلي للقوى الدولتية تعطيل مفعول السلاح، بمعنى ألا يستجلب حروبا خارجية، وألا ينعكس على التوازنات الداخلية، وهذا ما هو حاصل تحديدا. فالأساس إبعاد الخطر عن لبنان وتحييده والحفاظ على انتظام مؤسساته، وعندما يحين وقت تسليم “حزب الله” لسلاحه يكون لكل حادث حديث، إنما المهم في هذه المرحلة تجنيب لبنان تأثيرات السلاح وعلى كل المستويات.

والهدف المرحلي للناس بناء دولة تضع حدا للفساد وتؤمن الكهرباء والمياه وتوفِّر فرص العمل وتنهي معاناتهم في متابعة أمورهم الصحية والاجتماعية واليومية، وهذه المعاناة أصبحت مشتركة بعدما وصل الوضع الاقتصادي إلى حدود غير مقبولة، واللافت في هذا الإطار إبداء رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط فريد بلحاج دهشته “من الاختباء دائماً وراء ذريعة الوضع السياسي، فيما كل البلاد لديها مشكلاتها السياسية، لكنها تتقدم في مجال الإصلاحات الاقتصادية، ومنها مصر والمغرب”، كما استغرابه الشديد “ما يجري في قطاع الكهرباء مع تحمُّل الخزينة خسائر بمقدار ملياري دولار سنويا وغياب الحلول المطلوبة”، وتساؤله “هل من الطبيعي أن يرى الزائر مشهد صهاريج المياه تجوب الشوارع لملء خزانات المنازل بمياه الاستعمال؟”

وما قاله بلحاج تردده الناس من كل المذاهب والطوائف والمناطق، ما يجعل الأولوية في المرحلة المقبلة لتحقيق الأولويات الحياتية كما الإصلاحات الاقتصادية التي من دونها سيكون الاقتصاد اللبناني في خطر، ومن هنا يجب تكريس قاعدة الفصل بين الخلاف الاستراتيجي، وبين إدارة الحياة السياسية، وذلك لثلاثة أسباب أساسية: لاستحالة انتصار رؤية على أخرى، ولتجنيب لبنان الانهيار، ولأن حاجات الناس تبقى لها الأولوية.

وتكريس قاعدة الفصل يعني المزيد من التفاعل السياسي وفتح الأبواب السياسية، وقد دلت تجربة الحكومة السابقة ان الخلاف الاستراتيجي كان الاستثناء، فيما إدارة شؤون الدولة كانت القاعدة، ولذلك يجب تثبيت هذه المعادلة والعمل على تطويرها، وهذه الطريق بالذات كفيلة بالعبور إلى الجمهورية القوية.

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل