مؤسسة الريادية الاجتماعية… إقلاع وتحليق ولو دون تنظيم

تتعدد تعريفات مؤسسات الريادة الاجتماعية وتختلف أطر عملها الحديث على الشاشة بين بلد وآخر، حيث بادرت بعض الدول الى تنظيمها وبقيت الأخرى في انتظار بلورة المفهوم والمبادئ وآليات العمل. وإذا كان من المعروف أم مؤسسات الريادة الإجتماعية تنتمي الى ما بات يُعرف بالإقتصاد الإجتماعي التضامني إلا أن ما يمّيز هذه المؤسسات عن غيرها من مكوّنات “القطاع الثالث” هو كونها ليست جمعيات ولا هي شركات خاصة فكي ذلك؟ وبماذا تتلاقى وتختلف مع كل منها انطلاقا من مبادئها الخاصة وأهدافها الأساسية؟ وما هو واقعها في المنطقة العربية ولبنان؟

في التعريف العام لمؤسسات الريادة الاجتماعية، اقترحت المفوضية الأوروبية عام 2011 تعريفًا للمشروع الاجتماعي يركز على 3 نقاط:

هي شركة هدفها الرئيسي هو أن يكون لها تأثير اجتماعي بدلاً من تحقيق الربح لأصحابها أو شركائها؛

التي تعمل في السوق من خلال توفير السلع والخدمات ويستخدم الفائض (المكاسب) في المقام الأول لأغراض اجتماعية.

وهو يخضع للإدارة المسؤولة والشفافة، لا سيما عن طريق ربط موظفيها وعملائها وأصحاب المصلحة المعنيين بأنشطتها الاقتصادية.

إذا أردنا اختصار خصوصية مؤسسات الريادة الاجتماعية التابعة للإتصاد الإجتماعي التضامني فيمكن ذلك من خلال تصنيفها وفق ثلاثة أبعد من المؤشرات التي تميّزها:

المؤشرات الاقتصادية: حيث يمكن التشبيك بين المبادئ الاقتصادية ومنطق التعاضد، توافق بين الإلتزام الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وتظهير الأعمال.

المؤشرات الاجتماعية: هدف نهائي يتمحور حول إحداث التتغيير والتحرّر، التضامن الديمقراطي، الإستقلالية.

المؤشرات السياسية: البُعد العام، مساحات عامة وسيطة والريادة الإجتماعية والبناء السياسي المؤسساتي.

وقد نشأ مفهوم المشاريع الاجتماعية في أوائل التسعينيات، في الولايات المتحدة وإيطاليا.

في الولايات المتحدة، وجدت أول صدى كبير في وقت مبكر من خلال “كليات إدارة الأعمال” للجامعات الشهيرة مثل هارفارد ومن خلال الأسس التي قررت لتعزيز المشاريع الاجتماعية الفردي أو الجماعي. كان الهدف هو العثور على مصدر تمويل كافٍ لتنفيذ التدخلات الاجتماعية والبيئية، إلخ.

أما في إيطاليا، ففي أوائل التسعينيات، أصدر البرلمان قانونًا يعترف بوضع التعاونية الاجتماعية. حفز هذا النص على تطوير الحركة التعاونية، لا سيما من خلال الإجراءات التي تهدف إلى دمج الأشخاص المهمشين في العمل. ثم انتشر مفهوم هذه التعاونيات الاجتماعية الإيطالية في جميع أنحاء أوروبا.

المؤسسات الاجتماعية وأعمالها

مثلها مثل أي هيكل اقتصادي، تبحث المؤسسة الاجتماعية عن العملاء لبيع السلع والخدمات. اختلافها هو أنها لا تسعى إلى الربح من أجل الربح، ولكنها تستخدم نتائجها لتمويل العمل الاجتماعي الذي يتم وضعه فيه.

في العديد من الحالات، تكون بعض موارد المؤسسات الاجتماعية ذات منشأ عام. تتميز هذه الشركات أيضًا بطرق الإدارة التشاركية.

وتعمل مؤسسات الريادة الاجتماعية على المساهمة في التنمية المستدامة في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والقائمة على المشاركة ويمكن لمؤسسات الريادة الاجتماعية مثلا في فرنسا من العام 2016 الاستفادة من ترخيص شركة التضامن الاجتماعي، وهذه العلامة المعتمدة تسهل تمويلها من قبل المجتمع بحث تسمح لها الحصول على القروض المصرفية لتوسيع أعمالها خلافا لما هي حال الجمعيات والمنظمات غير الحكومية التي لا يمكنها الاقتراض، في حين أن الجمعيات يمكنها الحصول هلى الهبات التي لا يحق لشركات الريادة الاجتماعية الاستفادة منها.

في المقابل، الفرق بين الشركات التي تنتمي الى القطاع الخاص ومؤسسات الريادة الاجتماعية هو أن الشركات الخاصة تبتغي أعلى مستوى أرباح لتوزيع على المساهمين فيها، وذلك عبر إما عبر أعلى مستوى من الانتاج من خلال كلفة محددة أو عبر استهداف مستوى إنتاج مرجو عبر تقليص التكالف الى أدنى درجة ممكنة، في حين أن مؤسسات الريادة فتعمل على إعادة إستثمار أرباحها في المجال نفسه بهدف الخدمة الإجتماعية ولا تعمل على توزيعها.

ومن الجدير ذكره هو أبرز مجالات الاستثمار في الريادة هي الرعاية الاجتماعية والأنشطة المالية والتأمين والتعليم والصحة.

أما في المنطقة العربية، فيمكن لمؤسسات الريادة الإجتماعية أن تكون حلاً فعالًا للحاجات الاقتصادية الاجتماعية الملحّة من خلال التوفيق بين كل من الاستدامة المالية (الأرباح) وأولوية التأثير الاجتماعي، لتساهم هذه المؤسسات في كل من التنشيط الاقتصادي وإعادة البناء الاجتماعي بشكل خاص للشباب.

وتعتبر ريادة الأعمال الاجتماعية “طريقة ثالثة” يمكن أن توازن بين الرغبة في تحقيق المزيد من المساواة الاجتماعية والحاجة إلى النمو الاقتصادي السريع. على مستوى الاقتصاد الكلي تتسم المشاريع الاجتماعية بنموذج من أصحاب المصالح المتميّزين بالضوابط الادارية والحوكمة الجيدة، ولكن أيضا بتوزيع الأرباح والفوائد بشكل أكثر إنصافا واستدامة على المدى الطويل.

كما تتميّز ريادة الأعمال الاجتماعية بعد حصر اهتمامها بالمساهمين، بل تخضع الشركة لشبكة من أصحاب المصالح، بما في ذلك العملاء والموظفين والموردين والمستثمرين والمجتمع والبيئة. في المنطقة العربية، تبنت بلدان عديدة مختلفة للريادة الاجتماعية غالبا وفق خصوصيات نظامها الاقتصادي الاجتماعي الأساسي… ولكن حيثماكان أثبتت ريادة الأعمال الاجتماعية قدرتها على تقديم حل قوي لأنها تساهم في الحد من المشكلات الاجتماعية والبيئية دون الاضطرار إلى الاعتماد على الأعمال الخيرية أو التمويل العام.

وتبيّن وسط عجز الثنائية الاقتصادية التقليدية المتمثّلة بالقطاعين العام والخاص وحدها على معالجة الحاجات التنموية الملحّة إن غنشاء مؤسسات الريادة الإجتماعية يبقى الأمل الوحيد في تحقيق حلول مستدامة ومتطورة للمشاكل الاجتماعية والبيئية العاجلة.

ولكن إزاء التنامي العفوي لمؤسسات الريادة الإجتماعي في المنطقة العربية، لا تزال الأطر التنظيمية له ضعيفة وشبه غائب ومتروكة للمبادرات العفوية والهامش الواسع للحركة ولاختيار أولويات التدخل الاقتصادي الاجتماع يالتنموي بدن تسهيلات خاصة ولا توجيه ممنهج.

في السعودية تعتبر مؤسسة الملك سلمان للشباب أكبر داعم لرواد الأعمال الاجتماعيين، ومؤسسة الأمير محمد بن سلمان ( مسك الخيرية)، فضلا عن برنامج “بادر” التابع لمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتكنولوجيا، وبنك التنمية الوطني ( ريادة )…

وفي مصر، توجد جمعية نهضة المحروسة، وحاضنة أعمال جسر ” وحاضنة ” انطلق ” التي أسستها أكاديمية البحث العلمي وغيرها..

وفي الإمارات، أطلقتها مؤسسة الإمارات في أبو ظبي “جائزة الإمارات لشباب الخليج العربي” لتشجيع الشباب الخليجي على إنشاء المبادرات الاجتماعية و إقامة وتطوير مشاريع الريادة الاجتماعية.

وتبقى تونس الأولة عربيا في مجال الريادة الإجتماعية، وأهم مشاريع مؤسسات ريادة الأعمال فيها هي في مجال الاقتصادي الرقمي، وقد سبق وأطلقت تونس قبل سنوات مشروع “خارطة الطريق تونس الرقمية 2018″، وحثت القطاعين العمومي والخاص ورجال الأعمال وأصحاب الشركات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة للتوجه نحو التجارة الإلكترونية.

أما في لبنان فقد برزت مؤسسات ريادة الأعمال الاجتماعية وتطوّرت بشكل كبير، والمعروف أن من أبرزها arc en ciel”. ولو أن معظمها مسجّل إما وفق الهيكلية القانونية أو وفق هيكلية شركة لبنانية ذات مسؤولية محدودة فيما نادرا ما تختار هذه المؤسسات ان تتسجّل وفق هيكلية شركات مساهمة.

وكذلك في ظل غياب شكل قانوني خاص بتسجيل الشركات الاجتماعية في المنطقة العربية، فإن معظم المبادرين لإنشاء مؤسسات ريادة الأعمال يختارون تلقائيا تسجيلها على أنها شركات ذات المسئولية المحدودة. على أن يتشكّل مجلس الإدارة من المؤسسين والموظفين الأساسيين. .تعتمد لتمويلها على الاستثمارات المؤسسية ورساميل تأسيسها والقروض المصرفية فضلا عن برامج المسئولية الاجتماعية للشركات الساعية لتظهير نفسها مساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وبينما يزداد التطلّع الى مبادرات الريادة والابتكار الاجتماعي للمنطقة العربية، تبدو أولويات المشاريع الاجتماعية باعتبارها النهج المفضل لأنها قادرة ليس فقط على التهوض بالاقتصاد إنما بتحقيق ذلك وفق مبادئ التوازن والمشاركة والدمج لجميع الفئات الاجتماعية لتحسين مستوى العيش للجميع بالتالي تأمين تنمية مستدامة متوازنة ودامجة ومستقرّة.

المصدر:
الشبكة السعودية للمسؤولية الإجتماعية CSR

خبر عاجل