#adsense

أنا أنطوان نخول مقاتل بالكواليس…

حجم الخط

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1688:

لمّا ذهب جوزف أنطوان نخول الى متجر لشراء مسابح عذراء مديغوريه، ليوزعها في أربعين والده المقاوم، لم ينتبه بداية الى تفصيل مدهش بدا واضحا في الصورة التي التقطها للمسبحة ليرسلها عبر الواتساب لوالدته لتبدي موافقتها، فصرخت أمه «جوزف ما انتبهت لصورة بيّك بحضن العدرا؟»، بدا وجه من كان يسمّى بالشهيد الحي نائما مطمئنا في حضن العذراء، وحتى اللحظة لا يصدق ابنه البكر ما رآه، ويحتفظ بالصورة أيقونة قلبه، وعرف مذ تلك اللحظة ان والده ارتاح أخيرا من عذاباته، وان الرب يحضن في السماء مقاوما ناصعا في القضية وفي الحياة، جعل من الأرض تحت أقدامه سيرة بطولة وعنفوان ونضال، ولقبًا حمله طوال حياته «أبو الموت»! كيف الحياة من صوبك فوق أبو جوزف؟…

… واندلعت حرب السنتين، ولبنان سويسرا الشرق صار جحيمه الملتهب، فجأة كبر المراهقون والشباب في لبنان، وصاروا رجالا وحملوا البنادق والتحقوا بالمقاومة لصد عدوان الغرباء المسلحين الذين استهدفوا حرية وكرامة البلاد. هناك ليس بعيدا في ذاك الشمال، خلع ابن كفرعبيدا جنون المراهقة وانضم الى المقاومين، لم يسأل عن أي شيء آخر، سيّج رقبته بالمسبحة وذهب، هو البكر من بين ستة، ثلاثة شبان وثلاث صبايا، التحق وجوزف، أخوه الثاني في الترتيب العائلي، وانضم كل منهما الى جبهة، كانت جبهات الشمال تشهد أشرس المعارك، وكان الشباب يدافعون بكل ما يملكون من قوة وإيمان وسلاح قليل في وجه ترسانات الغرباء الأعداء.

محطات شمالية كثيرة عبر بها أنطوان سمعان نخول، وفي كل محطة حكاية تشبه الأسطورة، وكل حكاية كادت لوهلة ان تكون خاتمة حياته، وإذ به يعود ليس فقط الى الحياة، إنما الى البارودة التي صارت من أنفاسه، لصيقة عمره، إبنة الخطر رفيقة درب الكرامة… الكثير الكثير منها.

كان العام 1976. الشمال نار ملتهبة، وحيث الخطر كان هو ورفاقه الأبطال في المرصاد، هناك في شكا وأنفة وتلة النورية وحامات، وهناك عند كل محطة وجبهة، أصيب، يخبر ابنه جوزف عنه، ان عندما حاصر المسلحون الفلسطينيون تلة النورية وأصبحت المعركة مصيرية بينهم والمقاومين، استبسل الشباب في الدفاع عن أرضهم، وفعلوا ما لم يكن يتوقعه أحد نظرا للسلاح والعتاد القليل بين أياديهم، لكن الإيمان بالأرض والرب يهز الجبال، واهتزت تحت أقدام الأعداء، فدحروهم بشجاعة نادرة غير متوقعة، لكن كان الثمن باهظا، باهظا جدا، إذ سقط عدد كبير من الشهداء الذين لو لم يستشهدوا لكان الغرباء احتلوا المكان ونكّلوا بالأهالي، وأصيب أنطوان بجروح بليغة جدا في رأسه وأنحاء جسمه ونقل الى المستشفى في حال حرجة، لكن ما لم يعرفه المقاوم في تلك اللحظة ان أخاه جوزف استشهد، وكانت أمه تخلع الثياب السود حين تزوره في المستشفى كي لا يصاب بالانهيار إذا عرف باستشهاد أخيه.

قبل خروجه بأيام أخبروه بالفاجعة، ظنوا أنه سينهار وأنه سيستسلم ولن يعود الى جبهاته، وإذ به ينتفض على حاله «وحسّ إنو لبنان كلو ناطرو إلو وحدو تـ يرجع ع الجبهة، ليحرره من الغرباء والعملاء وما صدّق كيف تحسنت صحتو تـ رجع حمل بارودتو» يقول إبنه جوزف. خرج مضرجا بجروح الجسد والروح، لكن حزنه على أخيه جعله أكثر عنادا وإصرارا والتحق بجبهة الأسواق في بيروت، وشارك في معاركها الشرسة وأصيب من جديد، إصابات وجروح بليغة جدا أضيفت الى ما سبقها وتركت علاماتها القاسية على الرأس خصوصا، علما أنه كان أصيب بشلل في نصف وجهه من جراء إصابته في معركة شكا، ولم يرتدع، سقطت ذراعه فالتقطها، سقطت حاله فلملمها، لم يرض أن يتحول أشلاء تندب على حالها، رمم كل ما فيه «طالما الروح قوية يعني بعدني منيح» كان يردد أمام رفاقه، رفض ان يتحكّم به الجسد المزروع شظايا وجروح، لملم كل ما فيه من الآلام وعاد الى حيث قرر ان ينتمي بالأساس، الى الجبهة الى المقاومة، والمفارقة أنه عند كل إصابة، كان رفاقه يظنون أنه لن يعود، وإذ به طائر فينيق ينتفض من كبوة الموت المفترض، وينهض من قلب المعاناة ليعيش قيامته الشخصية، فلقبه رفاقه بـ»أبو الموت» لأنه قهر الموت الذي أراده له الأعداء، وقهر موته النفسي الذي تجلّى بإصاباته البالغة «كنا 13 أو 14 شب نهدّي جبهة بدها خمسة آلاف شخص لأن عنا القضية وكنا شجعان ومؤمنين، منشان هيك المشعل مش لازم ينطفي لازم يضل ولعان عم يتوهّج فينا وبمقاومتنا وينتقل من جيل لجيل» كان يردد دائما أمام رفاقه المدهوشين به وبإرادته وعزيمته الاستثنائية. «كان يخاف إنو ينطفي المشعل بس مع الوقت عرف إنو المشعل صار بإيدين أمينة وإنو ما رح ينطفي طالما في مين عم يحرسوا» يقول إبنه البكر جوزف الذي حمل إسم عمه الشهيد.

هدأت الحرب لفترة قصيرة، فقرر المقاوم أن يستريح قليلا ليبني بيته وعائلته، سافر الى السعودية لنحو سنتين، وما تحمّل طويلا العيش خارج أسوار الوطن المحتل، وعاد الى كفرعبيدا على رغم النصائح التي انهالت عليه ألا يعود الى ضيعته، حيث نصب فيها الاحتلال ست ثكنات له، عدا عن الحواجز الثابتة والمتنقلة والعملاء الكثر، لكنه رفض الانصياع وقرر أن يسكن قرية قلبه وان يتزوج هناك ويبني عائلته، وكانت بداية التسعينات والوطن صار في عمق عمق الاحتلال السوري، وما ان وصل حتى بدأت الملاحقات والتضييقات على الشباب كافة، واستدعي مرات ومرات الى التحقيق والتهمة «أزعر من زعران المقاومة»!! «إلي الشرف كون أزعر إذا كانت الزعرنة هي الدفاع عن كرامة بلدنا، لآخر لحظة بدي ضل دافع ورح ضل مقاوم» كان يقول وبالصوت العالي، هو الذي لم يجعل يوما من بطاقة حزبية أو انتساب رسمي بطاقة مروره الى المقاومين الشرفاء «بطاقتي الحزبية بلدي وبارودتي قضيتي» يقول.

في كفرعبيدا تزوّج وأنجب ثلاثة أولاد، هم اليوم شابان وصبية، أصرّ ان يتلقوا علومهم العالية خارج لبنان، وعلى رغم عشقه لأرضه لكن خوفه على أبنائه جعله يحاول أن يبعدهم قدر المستطاع عن قدره الشخصي، إذ كان يريد لهم الحياة السعيدة، وعلى رغم أنه كان يعتبر انه دفع عنهم فاتورة الدفاع عن الأرض، وان جسده المنهك المجرّح من الرأس حتى الأقدام، كافٍ ليكون سدد ما عليه عنهم من فواتير الكرامة لكنه كان يصرّ عليهم ان يعشقوا أرضهم «كان يخاف علينا كتير، وبدو يانا نتعلّم قد ما فينا ونؤمن مستقبلنا، بس كان يضل يقول إنو نحنا لازم نربّي ولادنا مقاومين من الأساس، مقاومين متلنا وإلا منخسر بلادنا ومنشان هيك لازم تعيشوا الشهامة، المقاومة مش بس بالبارودة، كونوا أبطال وساعدوا الناس وما تتركوا حدن محتاج لخدمة أو مساعدة وتغضوا النظر، لأن هيك منحمي مجتمعنا بس نلتف على بعضنا» يقول عنه إبنه جوزف بعيون تشعّ بالفخر بوالد حمل قضيته من الجبهة الى فراش مرضه، وفي جروح الجسد المنهك المنهك بالإصابات التي رافقته حتى آخر الأنفاس.

المقاوم الذي تخصص في هندسة الكهرباء، وعمل طوال سنين ما بعد الحرب في الجامعة اللبنانية في الفنار، لم يتأخر يوما عن مزاولة عمله على رغم أوجاعه التي كانت تلح عليه غالبا ان يصبح عاجزا في سرير وموت قبل الموت، لكنه لم يقبل على رغم نصائح بعض زملائه في الجامعة بأن يغيب ويتقاضى راتبه كما يحصل غالبا في مؤسسات الدولة السائبة، رفض بشكل قاطع «هيدا حرام كأني عم آكل مال حرام، بشتغل وبقبض من عرق جبيني ومش من السرقة والفساد» يقول لأبنائه. المقاوم الذي كان يكره الإقطاع ويردد دائما «نَفَس المقاوم ممنوع يوقف»، أعجب بمناضل يشبهه ويشبه كل المقاومين، سمير جعجع، ولما أدخل الحكيم الى الاعتقال غضب كثيرا واعتبر ان النضال بدأ يكتب سطورا جديدة له في لبنان، إنما من دون جبهة عسكرية هذه المرة، «حطّوا الحكيم بالحبس لأن بدن يضعفوا المسيحية ويتركونا نتخّ بالحبوسة ونيأس، بس فشروا نحنا ما رح نستسلم وربنا معنا وجايي الإيام» كان يردد بإيمان مطلق لم يتزعزع لحظة على رغم كل الانكسارات وعلى رغم زمن الاحتلال والعملاء والنظام الأمني المدمر لهيبة الدولة وكرامة الوطن.

هيمنوا على الأرض وبقيت أنفاس المقاومين حرّة تتنقل وتقاوم سرا وعلنا، وتُضطهد وتسجن، ثم تنتفض من جديد معلنة الحرية قبل إعلانها رسميا «أوعا يا شباب تطفوا الشعلة، هيدي للأبد لازم تضل ولعانة» يقول لأبنائه بإصرار وعنفوان غريب. «أنا تعلمت من بيي القضية والعناد والشهامة، بيي كان شهم بكل ما للكلمة من معنى، بيي كان خدوم ما يترك حدن بحاجة لمساعدة، نفسي القواتي أخدتو كلو من بيي» يحكي بفخر واعتزاز إبنه جوزف، ويستفيض في رواية أخبار الأب. «كان يضل يقول لو كل عشر سنين في ست بتولّد بشير كان لبنان والمسيحيين بألف خير، ما بتتصوري شو كان عندو عنفوان وحماس لقضيتو وبلادو».

أنا مقاتل بالكواليس، كان يردد أمام رفاقه، لم يكن يحب الظهور ولا ادعاء البطولات لأنه كان بالأساس بطلا، عاش بطولاته يوميا وعلى مر الساعات، ليست البطولة فقط ان تواجه العدو عند الجبهة، البطولة ان تحوّل جراحاتك الى بلسم، الى أيقونة، الى وسام تحمله على صدر الأيام وتتباهى بها أمام الرب وتعلن في كل لحظة «أنا كل يوم عم عيش القيامة مع يسوع»، من يقول كلاما مماثلا غير بطل جعل من نفسه ما يقارب الأسطورة في الشجاعة والصبر.

لكن صاحب المهمات الصعبة، ناداه الرب، قرر ان يريحه من عذابات الجسد الفاني، فتدهورت صحته بشكل كبير، والبطل الذي عاش مع إصاباته خانته شرايينه، وعانى من نزيف داخلي حاد، وبدأت وظائف الجسد تنهار تباعا بحكم الإصابات الكثيرة، وهو بعد الشاب ابن الثالثة والستين من عمره، ولما اُدخل المستشفى قبل الغياب الكبير بأيام، لم تصدق اخواته أنه سيموت «بالحرب ما مات هلأ بدو يموت» قالت أخته، لكنه فعلها هذه المرّة، وغلب الموت «أبو الموت» صباح 21 تشرين الأول 2018، ليعيش في رجاء القيامة مع المسيح، ولكنه أرسل إشاراته لعائلته، إنه مرتاح، ضميره مرتاح، أدى رسالته كأفضل ما يمكن، الشجاع حتى آخر الأنفاس، استسلم فقط لربه، وكتب سطور عنفوانه على جباه أولاده وصفحة وطن لم يرها يوما إلا ناصعة «متل أرزات بلادنا، خليكن شرفا وكبار وساعدوا بلادكن وقاوموا الذل».

طوى إبنه جوزف صور الوالد وذهب سعيدا مبتسما «عندي زوادة كبيرة بعمري وما بحياتي رح عيش فخر أكبر من هالقصة وقصتي إسمها أنطوان سمعان نخول»…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل