جونيه الأولى… ولن تكون الأخيرة

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1688:

إنفجار مجارير بيروت، وفتحها إلى البحر في الرملة البيضاء شكل فضيحة بكل ما للكلمة من معنى. وقبل ذلك كانت منظمة غرينبيس كشفت نتائج تحليل وصفته بأنه «غير مسبوق» لبيانات حديثة صادرة عن الأقمار الإصطناعية حول أهم البؤر الساخنة لمراكز تلوث الهواء في العالم. وذكر التقرير أن جونيه احتلت المرتبة الـ5 عربياً والـ23 عالمياً من حيث نسبة الغاز الملوث ثاني اكسيد النيتروجين في الهواء NO2، متقدمة على المدن الكبرى مثل القاهرة ونيودلهي… كان من الطبيعي أن يمثّل هكذا تقرير نقزة بين المواطنين والمعنيين، نظرا إلى ما يعنيه ذلك من خطر على الصحة والحياة العامة. خصوصا أن الأمر لا يقتصر على جونيه بل على معظم المدن اللبنانية بحسب الصور الجوية والتحاليل المخبرية. وليس نهر الليطاني أفضل حالا على هذا الصعيد. فماذا يعني هذا الواقع عمليا في سلامة الناس والبيئة والإقتصاد؟ واستطرادا، ما هي الإجراءات الواجب اتخاذها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان؟

بات معلوما أن المصادر الرئيسية لانبعاث الغاز الملوِّث ثاني أكسيد النيتروجين في لبنان بشكل عام وجونيه بشكل خاص، هي قطاع النقل ومعامل إنتاج الكهرباء، بدءاً من محطة الزوق لتوليد الطاقة والسفن الكهربائية ومولدات الكهرباء الخاصة العاملة بالديزل. وخطورة ثاني أكسيد النيتروجين في كونه غازا ملوثًا ومميتًا، وينبعث في الهواء عند حرق الوقود الأحفوري مثل الزيت والديزل، ويتنشقه القاطنون والعابرون بحيث لا يمكن تجنب مخاطره على الصحة.

ويحذّر الأطباء من خطر التعرض الحاد لثاني أكسيد النيتروجين لأنه يؤدي الى أعراض تنفسية وأضرار في الرئة. وإن التعرض له لفترة طويلة الأمد، يزيد خطر الإصابة بالأمراض المزمنة وزيادة معدلات الوفيات في جميع أنحاء العالم. ويشير تقرير غرينبيس إلى أنه في الاتحاد الأوروبي أدى التعرض لثاني أكسيد النيتروجين إلى ما يقدر بـ75 ألف حالة وفاة مبكرة كل عام. فماذا عن لبنان الذي لا يقتصر التلوث فيه على الهواء فقط بل يشمل البر والبحر والمياه السطحية والجوفية؟

الأعلى في التلوث… والسرطان

بحسب الباحثين، تكمن أهمية تقرير غرينبيس وما تضمنه عن جونيه، في أنه يجيب عن سبب تقدم لبنان بالإصابة بالسرطان وارتفاع الوفيات من جراء الملوثات المزدادة حدّة. فالتلوث البيئي وخصوصا تلوث الهواء هو من أكثر العوامل المسببة للسرطان. وقد يكون من المفيد بهذه المناسبة التذكير بأن لبنان احتل المرتبة الأولى بين دول غرب آسيا لناحية الإصابات بمرض السرطان، وذلك مقارنة مع عدد السكان، بحسب تقرير للوكالة الدولية لأبحاث السرطان ومنظمة الصحة العالمية. وقد أظهر التقرير أن هناك 242 مصاباً بالسرطان بين كلّ 100 ألف لبناني، وتم تسجيل 17 ألف إصابة جديدة عام 2018، فضلاً عن 9 آلاف حالة وفاة.

وزير الصحة العامة في حكومة تصريف الأعمال غسان حاصباني يصف ما يحدث بالأمر المخيف والمرعب، لأن نسبة المصابين بالسرطان ازدادت 5.5 في المئة سنوياً، ما بين 2005 و2016، وهناك 7000 مريض بالسرطان، يُعَالَجون على نفقة الوزارة، التي خصّصت مبلغ 54 مليون دولار، في العام 2016، لتقديم الدواء المجاني لمرضى السرطان، الذي يعالِج 42 في المئة منهم، على حساب الدولة اللبنانية.

ويقول رئيس قسم أمراض الدم والسرطان، ومدير مركز علاج سرطان الثدي، في الجامعة الأميركية في بيروت، البروفسور ناجي الصغير، «إنّ عدد حالات الإصابات بمرض السرطان في لبنان، تزداد بشكلٍ لافت وواضح، فيما الأرقام المعتمدة، من قِبل منظمة الصحة العالمية، تفتقر إلى وجود سجل وطني واضح ودقيق لحالات السرطان في لبنان. إذ لم نشهد على تحديث فعلي وجدّي له، منذ عدة سنوات». لذلك، فالمطلوب بنظر الصغير «إلزام المراكز الطبية والمستشفيات ومختبرات الزرع، التواصل مع وزارة الصحة العامة، والإبلاغ عن كل حالات السرطان ونوعه، والتشخيص الدقيق للورم، والمرحلة والعلاج ومصيرالمريض».

فالزيادة خلال السنوات العشر الأخيرة بلغت 8000 حالة. ويأتي التلوّث البيئي بكل أنواعه: عدم نظافة الهواء، حرق النفايات في الهواء الطلق، واختلاط مياه الصرف الصحي بالمياه الجوفية ومياه الري، من بين أبرز أسباب هذه الزيادة في الإصابات. فإضافة إلى المصانع والمولدات غير المراقبة لناحية خفض التلوث، هناك أكثر من 150 مكب نفايات في الهواء الطلق، تُحرق فيها كل أنواع النفايات، والتي تفتقد إلى الإدارة الصحيحة لها، ما يعرض سكان المناطق المجاورة، لمخاطر صحية كبيرة، نتيجة التنشق المستمر للدخان، وهو ما يؤدي إلى ظهور أمراض تنفسية، تزيد خطورة الإصابة بالسرطان. يضاف إلى ذلك في جونيه تحديدا ومحيطها معمل الزوق الحراري والبواخر التركية وزحمة السير. وتُظهر الدراسات أيضاً أن حالات إصابة النساء بالسرطان في لبنان هي الأعلى في العالم، والسبب يعود للتعرض للملوثات الكيميائية والمائية والتدخين. ولم يكن اللبنانيون قد نسوا بعد مشهد شاطئ جونيه عندما جرفت مياه الأمطار كميات هائلة من النفايات لتنشرها عليه في مشهد مقزز لم يحصل أن تعرّض لبنان إلى مثيله من قبل، حتى صفعهم مشهد شوارع بيروت الغرقى بمياه الصرف الصحي السوداء وما تركه ذلك من أذى على الحياة البحرية ومنظر الشاطئ.

كل مدن لبنان ملوثة!

مسؤول حملات غرينبيس في لبنان والعالم العربي جوليان جريصاتي، قال لـ»المسيرة» إن «التقرير الذي أصدرته المنظمة مؤخرا هو لكل العالم وليس للبنان فقط، وهو صدر في هذه الفترة لأن وكالة الفضاء الأوروبية أصدرت تقريراً بنتيجة مراقبة القمر الإصطناعي «سينتينل 5 ب» في الفترة من 1 حزيران إلى 31 آب 2018 وفي أوقات الذروة. ونحن أخذنا الداتا وحللناها وخرجنا بهذه النتائج التي بينت أن مدينة جونيه بين المدن الأكثر تلوثا في المنطقة. وجونيه اليوم كما لبنان بأسره أكثر تلوثا من قبل. فزيادة الضغط السكاني تزيد الطلب على الطاقة ووسائل النقل وغيرها. لذلك فإن نسبة التلوث تزداد سنويا بفعل زيادة العوامل الملوثة وغياب المراقبة والإجراءات الرادعة».

ولفت إلى أن «ذكر جونيه في التقرير لا يعني أن المدن اللبنانية الأخرى غير ملوثة، كل المدن اللبنانية تقع تحت ما نسميه النقاط الساخنة: بيروت وطرابلس وزحلة وغيرها. وقد يكون هناك مدن أكثر تلوثا من جونيه ولكن هذا التقرير تحديدا تناول تلوث الهواء فقط، وليس كل أنواع التلوث كتلك المتأتية من النفايات وغيرها». وفي حين أشار إلى أن لا أرقام لدى المنظمة حول مسؤولية كل قطاع في رفع نسبة التلوث، لفت إلى أن «معمل الزوق وزحمة السير والمولدات الكهربائية تمثّل المصدر الأهم في زيادة التلوث. ولكن هناك دراسات أخرى محلية عن كامل لبنان تبيّن أن انبعاثات قطاع النقل تساهم بـ 52 في المئة من إنبعاثات الـ NO2 السامة وانبعاثات قطاع الطاقة بـ 48 في المئة منها».

وأضاف: «معلوم أن الـ NO2 هو مسبب لحالات وفاة. وفي أوروبا مثلا هناك 75 ألف حالة وفاة بسبب الـ NO2 سنويا. نحن دورنا كمنظمة تسليط الضوء على المشكلة والضغط على المسؤولين سواء على الصعيد الحكومي أو القطاع الخاص لإيجاد حلول ومنها الإنتقال إلى الطاقة البديلة ومراقبة سائر الملوِّثات ومعالجة الزيادة الحاصلة فيها. وأيضا تخفيض عدد السيارات التقليدية ذات الاحتراق الداخلي لصالح وسائل النقل الشخصية والعامة التي تعمل بالطاقة الكهربائية كجزء من نظام النقل المشترك». وتابع: «نحن في حاجة إلى تنمية مستدامة وهذا يتحقق في اعتماد مصادر الطاقة المتجددة. وعلينا أيضا أن نطور قطاع نقل عام وفعال للتخفيف من زحمة السيارات على طرقاتنا».

ردود لا تُنهي أزمة

تعقيبا على تقرير منظمة «غرينبيس» حول تلوث الهواء في مدينة جونيه، وحيث ركز التقرير على ثاني أوكسيد النيتروجين NO2 كملوث رئيسي للهواء كما ذكر معمل الزوق من ضمن مسببات هذا التلوث، أوضحت مؤسسة كهرباء لبنان أنها اتخذت عدة إجراءات لتخفيض نسبة أوكسيد النيتروجين NOx في المعمل إضافة الى سائر الانبعاثات، بحيث باتت مطابقة لمعايير وزارة البيئة اللبنانية. ومن أبرز الإجراءات التي اتخذتها المؤسسة بتوجيه من وزارة الطاقة والمياه لخفض التلوث:

– المباشرة منذ كانون الأول 2012 بتجهيز مجموعات الإنتاج في معمل الذوق القديم بوحدات معالجة تضخ مواد كيميائية (additives) لمعالجة الفيول اويل من أجل تخفيض الانبعاثات ومن بينها الـNOx.

-البدء بتأهيل مراجل مجموعات الإنتاج واستبدال الحراقات بأخرى جديدة Low NOx Burners  بما يسمح بخفض انبعاثات الـ NOx بنسبة كبيرة، وقد تم تأهيل المجموعة الأولى ويجري حاليا تلزيم تأهيل المجموعة الثانية على أن تتبعها الثالثة والرابعة.

– تركيب محطات خاصة معروفة باسم (C.E.M.) Continuous Emissions Monitoring  توضع على المراجل البخارية للمجموعات، بما يسمح بمراقبة متواصلة على مدار الساعة لانبعاثات الـ NOx.

– تركيب أجهزة لقياس كثافة الدخان Opacimeters وأجهزة لقياس نسبة الأوكسجين Oxygen Analyzer  على مجموعات الإنتاج في المعمل، بما يسمح بمراقبة انبعاث الدخان الأسود فور حصوله، وبالتالي التدخل السريع لمعالجته وتقليص فترة تصاعده.

ولفت بيان المؤسسة إلى أنه «في ما يتعلق بمعمل الذوق الجديد العامل على المحركات العكسية، فهو مطابق أيضا لمعايير وزارة البيئة اللبنانية، ويقوم الاستشاري الألماني العالمي MVV decon  بإجراء دراسة بيئية للمعمل لتحديد الانبعاثات واقتراح السبل الآيلة لخفضها الى الحدود الدنيا. وإضافة إلى الإجراءات المذكورة، قامت المؤسسة في أيار 2017 بتلزيم الاستشاري السويسري العالمي AF Consult إجراء دراسة للانبعاثات من معملي الذوق القديم والجديد من أجل اقتراح ما يمكن تركيبه من تجهيزات إضافية لخفض الانبعاثات بما فيها الـ NOx الى الحدود الدنيا، وقد اشرفت الدراسة على الانتهاء وستقوم مؤسسة كهرباء لبنان باتخاذ ما يلزم من إجراءات وفق ما تتضمّنه من اقتراحات».

من جهتهم كان نواب كسروان ورؤساء البلديات المطلة على خليج جونيه قد تداعوا إلى لقاء استثنائي عقد في «ريجنسي بالاس» في أدما، ضم وزير الطاقة والمياه في حكومة تصريف الأعمال سيزار ابي خليل ونواب منطقة كسروان- الفتوح شوقي الدكاش، شامل روكز، روجيه عازار، نعمت افرام وفريد هيكل الخازن. وكانت لهم اقتراحات حول كيفية خفض التلوث ومعالجة العديد من الأزمات المسببة له ومنها تحديدا زحمة السير على الأوتوستراد الساحلي ومعامل توليد الكهرباء. وكما في جونيه كذلك بالنسبة إلى سائر المدن اللبنانية تعلو الصرخة من الجمعيات البيئية والخبراء والأطباء رفضا لهذا التمادي في نشر الملوثات وعدم المبادرة إلى معالجة الوضع من قبل الجهات الحكومية المعنية، لكن عدم الإستجابة الفعلية والناجعة أوصل الحال إلى ما هي عليه من سوء خطر يهدد المزيد من الناس.

إقتراحات لا تلقى التنفيذ

لذلك، فالخبراء والناشطون البيئيون وإن توقفوا عند أهمية التقرير الذي أصدرته غرينبيس إلا أنهم اغتنموا المناسبة لقرع جرس الإنذار حول ما يحصل من تدمير بيئي من دون اتخاذ إجراءات ناجعة تجاه هذه الممارسات المستمرة والمتمادية، قبل فوات الأوان. وفي هذا السياق يشيرون إلى ترك فوضى التعدي على الليطاني قائمة، وإهمال ما تتعرض له بيروت والمدن الكبرى من سوء إدارة صحية ونظيفة، وكذلك مسألة الزحمة على طريق جونيه من دون معالجة، علما أن هناك شركات عالمية عرضت مثلا تنفيذ مشروع بناء طريق سريع بنظام الـ BOT يمتد من الضبية حتى نهر ابرهيم عبر الجبال مرورا بجعيتا وحريصا، ومخططاته موجودة منذ سنوات لدى مجلس الإنماء والإعمار. وأشاروا إلى أن أكثر من نصف مسببات التلوث المسرطِن متأتية من حركة النقل، فماذا عن ضغط السير المتواصل في جونيه؟ وأشاروا إلى أن بعض الإقتراحات لحل أزمة أوتوستراد جونيه غير مجدية مثل الأوتوستراد العلوي أو النفق أو توسيع الطريق الحالية، لأنها تُبقي تركُّز العدد الهائل من السيارات في منطقة ضيقة واحدة.

في المقابل وعلاوة على الأهمية القصوى التي يجب أن تعطى لحياة الناس وصحتهم، لكن هناك هدرا ينعكس على الإقتصاد والدخل القومي بسبب هرق ساعات من الوقت كل يوم على الطرقات. يضاف إلى ذلك ما تتكبده الخزينة اللبنانية العاجزة، من زيادة في الإنفاق على معالجة مرضى السرطان تحديدا ممن يقعون ضحية التلوث العالي النسبة والمتروك من غير معالجة. فلو أنفقنا مبلغا أقل مما ننفقه على علاجات الأعداد المرتفعة سنويا من مرضى السرطان، على معالجة مسبباته لجنبنا مواطنينا الأذى وبيئتنا التلوث وخزينتنا الإنفاق في غير مكانه الصحيح.

على الرغم من كل ذلك، يتساءل الخبراء والناشطون البيئيون: ماذا عن محارق النفايات التي يتأرجح قانونها اليوم بين أخذ ورد في المجلس النيابي؟ ماذا عن مراقبة المصانع التي لم تعد توفر مجرى مائيا أو شاطئا من ملوثاتها القاتلة والمزدادة تدميرا للبيئة والإنسان؟ ماذا عن المولدات والآليات غير الملتزمة بمعايير السلامة البيئية العالمية؟ وماذا عن كل السلوكيات القطاعية والفردية التي باتت وكأنها تتعمّد تدميرا ممنهجا للبيئة وقتلا متعمدا للمواطنين في بلد لطالما تغنّى أبناؤه وتوارثوا في ذاكرتهم الشعبية بتهنئة من له مرقد عنزة فيه، وبأنه قطعة سما ووقف الله؟ فهل بات كثيرا على اللبنانيين أن يتنشقوا ما منحتهم طبيعتهم من هواء نقي، ويستمتعوا ببعض البر والبحر؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل