جدلية معادلة حكم الاكثرية ومعارضة الأقلية

غداة نتائج الإنتخابات النيابية الأخيرة في 7 ايار الفائت وما تبعها من مخاض عسير في تشكيل الحكومة وصولاً الى يومنا هذا، ثمة من ينادي بالقبول بمبدأ حكم الأكثرية ومعارضة الاقلية، على الطريقة الغربية الحضارية التي تفترض قبل أي شيىء، ولاءات لبنانية جامعة للبنان ونظاماً دستورياً وسياسياً قومياً مبني على المواطنة لا على التبعيات للخارج.

 

والملاحظ ان من نادى ونظر أكثر في إطلاق هذا الشعار، هم انفسهم الذين يمثلون خطاً سياسياً جدلياً وتقسيمياً للبنان، بحكم انتماء الأطراف المنتمين اليها، الى محاور وسياسات تتخطى الحدود اللبنانية باعترافات بعضهم وماضي البعض الآخر.

 

صحيح ان النظام الديمقراطي يفترض ان تتألف حكومة بعد الانتخابات، تكرس حكم الاكثريةن فيما الأقلية تتجه الى المعارضة من خارج مؤسسة السلطة التنفيذية، ونعني بها مجلس الوزراء مجتمعاً بحكم الدستور الحالي.

 

صحيج ان الديمقراطية تفترض حكم الاكثرية ومعارضة الاقلية ولكن في مشهدية كما في لبنان، لا يمكن تطبيق هذا المبدأ تماماً، كما لم يكن بالإمكان في ظل الجمهورية الثالثة الفرنسية، ان تقر بحكم الفيشيين في مقابل معارضة الديغوليين، عندما كان مصير فرنسا استقلالاً او تبعية تجاه هتلر، يُقرر على طاولة الكبار.

 

نعم. هي الحقيقة التي يحاول طمسها من يدعي الديمقراطية فجأة  ويسوق لفكرة سامية وديمقراطية، ابى هو نفسه ان يطبقها يوم انتصر فريق 14 اذار في انتخابات عام 2009 البرلمانية، فسعى بكل قواه الى تقويض الانتصار وابطاله بالاصرارعلى المشاركة في الحكم والحكومة تحت طائلة الاطاحة بالدولة والمؤسسات، ومن ثم فيما بعد بتفجير الحكومة من الداخل.

 

فالاشكاليات التي يطرحها مبدأ حكم الاكثرية ومعارضة الاقلية في لبنان تستدعي بداية، تحديد معنى الاكثرية ومعنى الاقلية، في بلد اختُصرت الطوائف والمذاهب او تكاد، باحزاب وتيارات سياسية، بحيث اذا استبعد حزب او تيار من المشاركة في الحكم، اعتبر استبعاد وعزل لطائفة او مذهب او قسم كبير من اي منهما، عن ادارة البلاد… وشتان اكانوا في المقابل ممثلين في مجلس النواب ام لا، لان الثقل السياسي والمعنوي والتقريري هو على طاولة مجلس الوزراء حيث ترسم السياسات وتدور الزوايا وتنفجر التناقضات.

 

ففي لبنان لا يمكن ان يكون اكثريات ولا اقليات. من يفوز مثلاً  في انتخابات نيابية بضعف مقاعده النيابية السابقة، لا يمكن اعتباره اقلية، في وقت من يفوز بذات مقاعده النيابية السابقة تقريباً، يُعتبر انه اصبح اكثرية، وبغض النظر عن المشروع السياسي لكيلهما.

 

كما لا يمكن الركون الى اكثرية تلك الاحزاب والتيارات التي ولو جاءت لتفوز باكثرية المقاعد النيابية، ستبقى غير مؤهلة للحكم وحدها، كونها  تملك مشروعاً سياسياً موالياً للخارج او لمحور اقليمي على حساب سيادة لبنان واستقلاله، فاذا تركت لوحدها تحكم اخذت لبنان واللبنانيين الى معادلات سيئة وسياسات مواجهة مع المجتمعين العربي والدولي.

 

فالاشكاليات عديدة اذاً للسير في فكرة حكم الاكثرية ومعارضة الاقلية، لأن الأوراق السياسية والتشابكات الداخلية والامتدادات الخارجية متداخلة، ولأن لا الأكثريات متوافق على سياساتها العامة باجماع او شبه اجماع لبناني، ولا المعارضات متوافق على سياساتها العامة باجماع او شبه اجماع لبناني.

من هنا تعقيدات المشهد اللبناني ومن هنا استحالة تطبيق النموذج الديمقراطي الذي ينادي به البعض من أصحاب الخط الموالي للمحور الإيراني – الأسدي، في وقت لا التوازنات الداخلية في لبنان ولا النظام الدستوري وتركيبته ولا السياسات والاستراتيجيات موضع اجماع بين اللبنانيين، ونحن اليوم اشبه ما نكون في مرحلة البحث مجدداً عن اي لبنان نريد، وجوداً ودوراً وصيغة.

 

فان تخرج فكرة حكم الاكثرية ومعارضة الاقلية من افواه رموز النظام الاسدي وانصار النظام الامني السوري – اللبناني، ليس إلا خير دليل على “خبث” الطرح الذي هو كلام حق لكن يراد به باطلاً…

 

يقول الفيلسوف بروتاغوراس وهو من انصار الفلسلفة اليونانية  السفسطائية، “تستطيع ان تثبت اي شيىء في العالم او ان تنفيه في نفس الوقت وتكون بذلك على حق ولكن بشرط ان تكون انت نفسك قادراً على اقناع الغير بصحة ما تقول”…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل