من هو الغريب عن هذا الوطن؟


لقد توالت في الآونة الأخيرة ظاهرة اجتراح الحلول على حساب الحقوق. وفي هذه المسألة إيجابيّة واحدة تكمن في سعي المهتمّين بإنجاح هذه المرحلة التّاريخيّة من الحكم في لبنان، وأخرى سلبيّة تبدو في سعي هذا الفريق إلى تقزيم الآخرين من خلال قضم حقوقهم في محاولة حثيثة لضرب نتائج الانتخابات النّيابيّة الأخيرة التي لم يأتِ حساب بيدرها على قدر ما تأمّلوه من غلال.

 

فهل سيستطيع هذا الفريق الاطباق على مفاصل السّلطة كلّها؟ أمّ أنّ هذه المرحلة ستشكّل استمراريّة لنهج الدّيمقراطيّة التّوافقيّة التي لم تتحقّق يوماً في لبنان؟

 

يبدو في الأفق أنّ التّعطيل في المسارات من العراق إلى لبنان مروراً بسوريا هو سيّد المواقف السياسيّة في هذه المرحلة. وعلى ما يبدو أيضاً أنّ الأهميّة الاستراتيجيّة التي يملكها لبنان هي التي سبّبت بأخذه رهينة بيد النّظام الايراني، حيث بات هذا الأخير يرى فيه ورقة تفاوض رابحة سلفاً. وذلك في ظلّ تمسّك الغرب بدور لبنان في بعديه الجيوبوليتيكي والحضاري في المنطقة.

 

جيوبوليتيكيًّا، يبدو أنّ لبنان سيصبح في المرحلة القادمة واجهة سوريا ومنصّة انطلاقها نحو العالم. وذلك على عكس  ما كان متعارف عليه، أي أنّ سوريا هي الحديقة الخلفيّة للبنان. فحاجة سوريا اليوم إلى لبنان باتت أكبر من حاجة لبنان إليها. وهذا ما لمسناه أخيراً حيث لم يؤثّر فتح معبر نصيب مع الأردن، كما توعّد حلفاء سوريا في لبنان.

 

من هنا، الأهميّة الجديدة التي اكتسبها  لبنان بفعل الحرب السوريّة بالنّسبة إلى هذه الدّولة، وهي لا تكمن فقط في مرحلة ما بعد الحرب، أي مرحلة الاعمار. بل تجلّت في هذه الفترة وخلال مرحلة الحرب كلّها بتحويل لبنان إلى ميدان  للتحرّك الاقتصادي السّوريّ. وبالطّبع هذه المسألة لم تنعكس إيجاباً على لبنان كما نادى بها حلفاء سوريا، بل جاءت النّتائج كارثيّة نتيجة نهجهم وسياساتهم الاستزلاميّة والارتهانيّة لأسيادهم في الشام وطهران.

 

وفي السياق عينه، وحضارياً، يجب أن تتحدّد أولويّات الفريق السيادي بتحرير هذه النّفوس، أوّلا من منطلق أنّ الأحرار لا يعيشون إلا مع الأحرار، وثانياً من منطلق الدّور الحضاري الذي يلعبه لبنان في محيطه العربي كلّه. فنحن لا نريد لشركائنا في الوطن إلا الحريّة التي نريدها لأنفسنا. وتعاطيهم مع أيّ طرف إقليميّ يجب أن يكون تعاطياً ندياً. ولا نقبل بأقلّ من ذلك إطلاقاً.

 

فما نريده لأنفسنا نريده لشركائنا في الوطن. وذلك طبعاً على قاعدة احترام الدّستور وما نصّ عليه من تعاطي الأفرقاء اللّبنانيّين مع دول الجوار. فالعدوّ يبقى عدواً والصديق، إن صدق، يبقى صديقاً.

 

من هذا المنطلق، ما أتت عليه الانتخابات النيابيّة الأخيرة من نتائج تحوّل إلى ثابتة من  ثوابت هذا الوطن، ولن يستطيع أحد أن يعيد عقارب السّاعة إلى الوراء. فما بعد الانتخابات لن يكون كما قبلها. وما قبلنا به تحت رضوخنا لمقولة “أمّ الصّبي” لن نقبل به اليوم إلا لأنّنا أمّ هذا الصبيّ.

 

لا تنازلات تحت أي مسميّات كانت، ولا مهادنات مع أحد، ولا تطبيع مع من يعتقد نفسه بأنّه يملك جبروتاً بقوّة السلاح غير الشّرعي الذي إن استمرّ في حمله، والذي سيجلب له ولبيئته المزيد من الرّضوخ لأوليائه، هذا من دون الحديث عن المستويات الشّخصيّة الاجتماعيّة التي أرخى بثقله عليهم بوساطتها.

 

لقد أثبتت التّجارب، على الأقلّ بعد الطّائف، بأنّ الحكم هو مشاركة. وما لم يكن كذلك فسيكون مدعاة إلى فشل جديد يضاف إلى سجلّات الساسة اللّبنانيّين الذين يتباهون باستئثارهم في السّلطة. أمّا الدّيمقراطيّة التّوافقيّة فلن تتحقّق في لبنان فعلياً إلا بتحقيق المساواة بين اللّبنانيّين جميعهم.

في هذا الوطن، لا أولاد جارية ولا أولاد ستّ، كلّنا أبناء الأرز. ومن يرفض هذه الحقيقة يكون هو ذاته غريباً عن هذا الوطن.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل