ويبقى بشير الرمز… إنتبهوا

 

نحن هنا – كتب رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1689

 

يعتقد البعض ان بشتمه لرئيس جمهورية سابق وتخوينه ورفض الإقرار بانتخابه رئيسا يقوم بعمل بطولي يستحق التنويه عليه من قبل البعض في بيئته أو قيادته ومرجعيته، ولكن هذا البعض لا يدرك، ربما، أنه في كلامه يقول للبيئة التي يشتم لها رموزها إن أمامها خيارين: إما التسليم بمنطقه وثقافته ونظرته وإما الرحيل.

فهذا المنطق في عمقه وجوهره هو منطق إلغائي للآخر المختلف، فإما ان تكون على صورته ومثاله وإما أنت خائن وعميل، فلا حلول وسطى لديه، ومن خلال شتمه للرئيس الشهيد بشير الجميل يشتم جماعة بكاملها برموزها وتاريخها وثقافتها ومن دون ان يرف له جفن، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل العيش معًا يعني خضوع فئة واستسلامها للفئة الأخرى؟

وقد حاول النظام السوري إبان فترة احتلاله للبنان تغيير هوية البلد وتاريخه انطلاقا من مقولة إن المنتصر يكتب التاريخ، فسعى إلى محو آثار كل ما يتعلق بالجمهورية الأولى ومفاهيم الاستقلال والسيادة والحرية والكرامة الوطنية، ومن أجل إنجاح مسعاه ضرب القوى التمثيلية المسيحية وفي طليعتها «القوات اللبنانية»، وتلاعب بالعنصر الديموغرافي من أجل فرض وقائع جديدة يصعب تبديلها، وحاول تزوير التاريخ اللبناني وتعميم روايات مغلوطة، وإعطاء الانطباع ان تاريخ لبنان الفعلي بدأ مع الاحتلال السوري للبنان.

والهدف من العودة إلى تجربة الاحتلال السوري وقبلها إلى الحرب التي شكلت المحاولة الأولى للانقلاب على استقلال لبنان وتغيير هويته ودوره، القول بأن محاولات شطب وإلغاء جماعة من تاريخ لبنان وجغرافيته ومستقبله فشلت وسقطت، وعلى من لا يزال يحاول إعادة الكرة الاتعاظ من تجارب التاريخ، لأن محاولاته ستصطدم بالجدار نفسه اليوم وبعد ألف عام، لا بل سترتد عليه وعلى كل البلد، وبالتالي من الأفضل للجميع الإقرار بواقع لبنان التعددي التعايشي الذي تحترم فيه كل مجموعة المجموعة الأخرى وتتعايش تحت سقف الدولة والدستور والقانون.

وانطلاقا من تعددية الواقع اللبناني فإن لكل مجموعة رموزها وقياداتها وتاريخها ورؤيتها ونظرتها وتجربتها، وأي محاولة لضرب صورة رمز من رموزها يعني استهدافاً لكل الطائفة، فهل يقبل الدرزي مثلاً شتم الزعيم كمال جنبلاط، وألا يعتبر أنه استهدف لكل الموحدين الدروز؟ وهل يقبل الشيعي شتم الإمام موسى الصدر والسيد حسن نصرالله والرئيس نبيه بري؟ وهل يقبل السنّي شتم رياض الصلح ورفيق الحريري وتخوينهما؟

ومن قال إن المطلوب من هذه الفئة أو تلك ان تحب بشير الجميل مثلاً أو كمال جنبلاط أو حسن نصرالله؟ ولكن المطلوب بالتأكيد ان تحترم كل فئة رموز الفئة الأخرى اللهم إذا كان هناك إرادة للعيش معًا وليس محاولة لإلغاء هذه الفئة أو تلك أو ان يفرض عليها الاستسلام.

ولن تستطيع لا اليوم ولا بعد ألف سنة ان تفرض فئة من اللبنانيين وجهة نظرها على فئة أو فئات لبنانية أخرى، فسيبقى الشهيد بشير الجميل شهيد الجمهورية القوية والكرامة الوطنية والسيادة اللبنانية والمقاومة الحقيقية والشهامة الفعلية، وسيبقى تاريخ الجبهة اللبنانية ناصع البياض وتاريخ «القوات اللبنانية» منذ تأسيسها مادة تدريس أساسية وجوهرية وبنيوية وحتى روحية لكل الأجيال الناشئة والصاعدة حفاظاً على السيادة اللبنانية والكرامة الوطنية ودفاعًا عن مبدأ الحرية والديموقراطية والحق بالاختلاف وتمسكاً بالأبعاد الوجودية وإعلاء لكل المفاهيم الإنسانية والحضارية والثقافية.

فالتخوين يقابل بتخوين، والشتم بشتم، والصفع بصفع، وعدم الاحترام بعدم احترام، ومن لا يريد ان يحترم رموزنا لن نحترم رموزه، ومن لا يريد ان يحترم تاريخنا لن نحترم تاريخه، وهذه أقصر الطرق نحو الحرب والفصل، ومن يستذكر التاريخ يدرك ان الحروب نشبت لأسباب أقل من التخوين والشتم. فحذار التعرض للكرامات والرموز والمقامات والشهداء، وعلى كل طرف ان يدرك حدوده ويقف عندها.

فنحن قوم نقدِّس من سقط منا شهيدًا على مذبح الوطن، فحذار المساس بالشهداء، ونقدِّس تاريخنا بوقائعه وفصوله ومفاصله، فحذار تزوير التاريخ.

المعادلة بسيطة جدا: العيش المشترك يعني ان تحترم كل فئة تاريخ الفئة الأخرى ورموزها ونمط عيشها، وإنهاء الحرب يعني ان نضع زيحاً على كل ما قبلها، ومن يريد العودة إليها فأهلاً وسهلاً به، ولكن لن نسمح بعودة مجتزأة ومفبركة وتضليلية.

ويبقى أنه لولانا لسقطت الدولة، ولا نربِّح جميلة لأحد، ولولانا لشطب لبنان من الجغرافيا الروحية، ولا نربِّح جميلة لأحد، ولولانا لما انتهت الحرب ولا من طائف ولا من يحزنون، ولا نربِّح جميلة لأحد، ونحن طلاب دائمون في صفوف السلام والحرية والعيش معا واحترام الآخر وقيام الدولة الفعلية، ولكن حذار المس بالمقدسات.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل