مسلمة تعزز ثقافتها بتعلم السريانية

كتبت هند عبد الفتاح  من البصرة في “المسيرة” العدد – 1689:

الملابس السوداء التي كانت ترتديها تيمناً بشهر محرم وذكرى عاشوراء لم تبعدها عن حرصها على قراءة الإنجيل وفهم معانيه. فتلك الفتاة التي كان اهتمامها واضحًا في التعرف إلى ثقافات مختلفة تعرّفنا إلى اسمها عندما كتبته على اللوحة وبحروف سريانية فكانت الترجمة للحروف نور. هي إحدى المشاركات في دورة تعليم اللغة السريانية التي ينظمها معهد التثقيف المسيحي في أبرشية البصرة، والتي تعني المكان الذي يحتوي على عدد من الكنائس وحدود أساقف حكمها الإداري ميسان وواسط وذي قار والبصرة بحسب الأب الكاهن أرام بانو.

نور فتاة مسلمة من البصرة تميّزت بمهاراتها العالية في تعلم هذه اللغة، وعندما سألناها عن عمرها أخبرتنا بأنه يوازي عدد الحروف السريانية التي تعلمتها، أي إثنان وعشرون عاما . نور أكملت دراستها الأكاديمية للتو وتعمل معلمة للأطفال. وتقول: «إهتمامي  وحبي  لدراسة التنوّع والثقافات جعلني مثابرة في هذا المجال، وأنا أطمح الى ان أكون يوما ما معلمة لهذه اللغة». وبابتسامتها أخبرتنا عن فرحها كونها تستطيع ان تكتب سطورًا كلدانية أو سريانية وأن تقرأ بعض الكلمات المكتوبة على اللوحات والتي تصعب قراءتها على الكثير، حتى من أبناء الديانة المسيحية، فهنالك  الكثير من المسيحيين الذين لا يجيدونها.

في باحة الكنيسة استقبلنا المطران حبيب هرمز مطران الكنيسة الكلدانية في جنوب العراق وكان يرتدي ثوبه الكهنوتي وعلى صدره صليب بارز، وكان يتولى تدريب طلاب في قاعة من كلا الجنسين ذوي ثقافات دينية وعلمية وعمرية مختلفة، ومن الديانتين المسيحية والصابئة والديانة المسلمة، بالإضافة الى رفوف أشبه بالمكتبة الصغيرة ضمت مجموعة من الكتب المسيحية ومنها الإنجيل المتاحة قراءته لكل الحاضرين.

تفاصيل الجلسة رواها المطران هرمز: «هي جلسة تعليمية للغة الكلدانية (الآرامية سابقا) أو السريانية بحسب الباحثين في الغرب أو بحسب  مفهومها الشائع بين المسيحيين، والتي يعود تأريخها لسنين عديدة ق.م.   كانت الجلسة التعليمية إحدى حلقات السلسلة التثقيفية التي بادرت مطرانية الكلدان الى تنظيمها في البصرة ويشارك فيها أكثر من 20 طالبًا وطالبة من مستويات علمية وثقافية وعمرية مختلفة، وهنالك من شجع عليها وكان لها الصدى الواسع. ونور واحدة من المشتركات اللواتي استمررن بالحضور والحرص على التعلم بعد ان غاب الكثير وانسحب البعض لظروف مختلفة».

ويوضح المطران هرمز: «هذه الدورة هي المرحلة الثانية من موسم تعليم الحضارة القديمة، هي تطورت الى تعليم اللغة التي أسماها لغة المسيح»، موضحًا أن الإمام علي بن أبي طالب كان قد لجأ إليها حين استعان برهبان البحيرة في كتابة القرآن والتي من خلالها نشطت حركة الترجمة للمسلمين الأوائل. ووصف هذا التعليم بالنور الذي يبحث عنه البعض وسط أجواء التشاؤم التي تعيشها البصرة حيث كان فرحا بمن يبحث عن الثقافة وتطوير المهارات التأريخية في جوانب حياته والذي دعا من خلالها وزارة الثقافة والإعلام لتبني ودعم هكذا دورات وتطويرها.

الفضول وحب الاكتشاف للتنوّع دفعا نور كثيرًا لتعلم لغة مختلفة وديانة مختلفة، وهو ما دفعنا أيضًا للتعرف إلى وجهة نظر عائلتها حول مشاركتها في هكذا دورات تعليمية قد تكون غريبة لمجتمع ذي أغلبية مسلمة. والد نور الخمسيني كان فرحا جدا بتعلم ابنته لهكذا مهارات وقد اعتبرها «أداة ثقافية لا تتعارض مع إلتزامهم الديني السائد في العائلة». وقال: «إن الإسلام حرص على زيادة العلم والبحث عنه»، وبين ذلك قائلا «إن فاطمة الأخت الأصغر لنور تذهب أحيانا معها للمشاركة في بعض المحاضرات التثقيفية التي تنظمها الكنيسة، ولو توفر لي الوقت فلن أتردد في المشاركة لاكتشاف بعض المفاهيم الجديدة، فهنالك قول للرسول محمد (ص) إذا أردت ان تعرف قومًا تعلم لغتهم».

لم يكن رأي رجال الدين المسلمين في هذا المجال بعيدا عن مبدأ نور في بحثها عن توسيع الثقافة والمعرفة. فالشيخ عبد المنعم المشكور تدريسي في الحوزة العلمية إعتبر «أن تعلم العلوم النافعة هو من الأمور التي حث عليها الإسلام ورغب فيها، ومن جملتها تعلم اللغات الأخرى وذلك لحاجة علمية لها ضروراتها في مجال تخصص الإنسان وتطوير مستواه العلمي أو لحاجة عملية لتسيير شؤونه المعيشية في الحياة، ومن هنا تتضح مشروعية تعلم اللغات الأخرى بالنسبة للمسلمين».

مشهد قاعة المحاضرات اللافت بوجود طلاب بأزياء توحي بأنهم ليسوا مسيحيين، أختصر مضمون رسالة  تعد مهمة في المجتمع البصري، فذلك الصليب الذي علق على جدار القاعة لم يكن بعيدا عن صوت آذان المغرب الذي تردد على مسامعنا أثناء الجلوس في قاعة تعليم اللغة السريانية في البصرة.

وتشير المادة السابعة من قانون اللغات الرسمية في العراق 2014 الى أنه يجوز فتح مدارس لجميع المراحل للتدريس باللغة العربية والكردية والسريانية والأرمنية والمندائية وأي لغة أخرى في المؤسسات التعليمية الحكومية والمؤسسات التعليمية الخاصة وفقا للضوابط التربوية، كما نصت المادة رقم 9 من القانون ذاته أن اللغة التركمانية واللغة السريانية لغتان رسميتان في الوحدات الإدارية التي يشكل التركمان والسريان فيها كثافة سكانية.

• هذه المادة أعدت لمشروع تصالح للوكالة الفرنسية للإعلام (CFI) والأكاديمية الألمانية للإعلام (MICT) الذي تم تنفيذه للصحفيين في العراق.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل