لبنان ينهار… هل يتلقف العهد “كرة النار”؟

لم تولد حادثة الجاهلية من فراغ، ولم تظهر من عدم. لم يستفق اللبنانيون على فتنة كانت نائمة لتطل عليهم فجأة من دون سابق انذار، ولتثير في نفوسهم الخوف على مصيرهم ومستقبل أبنائهم، في بلد يدفعهم الى اليأس والقنوط.

حادثة الجاهلية حملت، في ما حملت، دليلا واضحا على تآكل هيكل الدولة في لبنان، اذ بات منخورا حتى العظم بكل أنواع الأمراض المستعصية على العلاج. وعلى الرغم من أن القرار السياسي لدى الأطراف المؤثرة محليا ودوليا، لا يسمح باهتزاز الوضع الأمني لكن يبقى الأمر وارداً في أي لحظة، متى شاء من “يملك القدرة” خدمة لأجندته السياسية، أو بفعل انفلات الأمور وخروجها عن السيطرة تحت ضربات التصعيد والتأجيج المتناسلة للخطاب السياسي “الموتور”.

منذ آخر عائق “مفتعل” اصطدمت به عملية تشكيل الحكومة عند ما بات يعرف بالعقدة السنية وتمثيل “سنة 8 آذار”، والتي أخرجها حزب الله إلى الضوء قبيل ساعات من اعلان الحكومة العتيدة، بدا وكأن البلد دخل في مرحلة جديدة متجددة من تصعيد الخطاب الممجوج المعيب، الذي وصل الى حد التجريح بالكرامات وانتهاك الأعراض.

لم يفت حزب الله بالطبع ملاحظة “التناغم” بين رئيسي الجمهورية ميشال عون والحكومة سعد الحريري، والذي بدا واضحا في موقف عون خلال مقابلته التلفزيونية لمناسبة مرور سنتين على انتخابه، وتبنيه موقف الحريري لجهة أن “التكتل السني المعارض” ليس كتلة نيابية فعلية، وتم تجميع أعضائه من كتل أخرى، وبالتالي لا يمكن توزيرهم.

من هنا بدأ التصعيد. ومن النافل القول إن هذا أثار شكوكا لدى حزب الله عما سيكون في حكومة قد تطول فترة ولايتها الى ما تبقى من ولاية العهد، وربما أكثر، في ظل السوابق الماثلة لتعثر اجراء الانتخابات النيابية والرئاسية في موعدها الدستوري.

ولا يمكن اغفال محاولات النظام السوري المستميتة للعودة الى التدخل في الشؤون اللبنانية عبر حلفائه وأزلامه، وآخرها من نافذة الحكومة المنتظرة، بعدما أخرجه اللبنانيون من لبنان من “بوابة” “ثورة الأرز” المجيدة. محاولات كانت بدأت قبل أشهر، بالتنظير للحاجة الى عودة التطبيع مع هذا النظام تحت شعارات اقتصادية.

ولا بد هنا من الإشارة الى ما تناقله عدد من وسائل الإعلام والصحف، حول اللقاء الذي جمع رئيس النظام السوري بشار الأسد بعدد من الشخصيات السياسية والحزبية التي تواليه، على حساب المصلحة الوطنية. إذ لدى سؤاله عن موقف النظام بعد استعادة عافيته، من وجهة نظرهم، من الأطراف اللبنانيين الذين قاوموه وتصدوا له في السنوات الأخيرة؟ كان جوابه بحسب ما تم نشره “سننتقم منهم”…

بعد ما نقل عن الأسد، استعرت حملة التصعيد في وجه الحريري، ولم توفر أيضا رئيس الجمهورية، مع اعراب حزب الله عن امتعاضه من وقوف عون الى جانب الرئيس المكلف من موضوع تمثيل حلفائه السنة في الحكومة. الأمر الذي عبّرت عنه مصادر حزب الله بوضوح لعدد من الصحف، وحتى عبر اعلامه الرسمي و”شبه الرسمي” من وسائل اعلامية وصحفيين يدورون في فلكه.

تصعيد الوزير السابق وئام وهاب ضد الحريري لم يبدأ عشية حادثة الجاهلية، بل سبقه رفع السقف من قبل عدد من نواب وشخصيات معارضين للحريري. وهي أتت من ضمن سياق واحد وخطة ممنهجة كما بات واضحا. وترافق مع كلام النائب الوليد سكرية ولهجته التصعيدية من القصر الجمهوري تحديدا بعد استقبال رئيس الجمهورية للقاء التشاوري.

ولم يقصّر النائب جهاد الصمد بعد اللقاء مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، بقوله إن حل العقدة السنية سهل، عبر تراجع وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل عن الوزير الحادي عشر من حصة العهد واعطائه لهم.

في الظاهر، تبدو السهام موجهة نحو الرئيس المكلف لدفعه الى التراجع والتنازل مجددا من حصته، ليدخل ضعيفا الى حكومة لا يملك من أمرها الا النذر القليل. لكن في المضمون، إن السهام تصيب أكثر ما تصيب رئيس الجمهورية وعهده برمته، عبر عرقلة انطلاقته التي كان يأملها بعد الانتخابات النيابية وتشكيل “حكومته الأولى”. كما عبر اظهاره عاجزا عن ايجاد أبسط الحلول لأزمات البلاد المستفحلة، بدءا بتشكيل الحكومة.

وعليه، ماذا سيكون موقف رئيس الجمهورية أمام عقدتين لدى طرفين متقابلين، لا تبدو أي بوادر للتراجع من قبل أي منهما؟

– الأولى، تشبث الرئيس الحريري بموقفه المحق برفض توزير “سنة 8 آذار” من حصته، اذ لن يبقى له بالفعل سوى ثلاثة وزراء سنة على الرغم من أنه الأكثر تمثيلا ومن بعيد بحسب الانتخابات النيابية. عدا عن المنطق الصحيح القائل إن هؤلاء سبق وتم تمثيلهم من ضمن الكتل الأصلية والفعلية التي ينتمون إليها.

– والثانية، تشبث حزب الله بتمثيل هؤلاء النواب في الحكومة، انطلاقا من تعزيز موقعه داخلها، كما وتجميع وتثبيت “أوراق الحماية” لديه في ظل الهجمة المتصاعدة على إيران وأعوانها.

هل يتلقف العهد “كرة النار” الملتهبة التي بدأت تخرج من حلبة السياسة الى ملعب الأمن؟ هل يأخذ العقد كلها بصدره، خصوصا في ظل الوضع الاقتصادي الخطير الذي يهدد بسقوط الهيكل فوق الجميع، مع استفحال الدين العام الذي تخطى بحسب العديد من الدراسات المئة مليار دولار، وكلام وزير المالية علي حسن خليل عن “صفر أموال” في احتياطي الموازنة، وتوالي التقارير المبشرة بالإفلاس العام، وتحذير الدول المانحة الصريح بعدم التفكير بأموال “سيدر” قبل تشكيل حكومة جدية متوازنة؟

كل ذلك يجري في دولة يقيم الفساد سعيدا هنيئا في كل ثناياها وينخرها حتى النخاع الشوكي، ومحاربته كلام بكلام وعراضات إعلامية، باستثناء قلة قليلة لا تزال تؤمن بالبلد. الناس تأملوا كثيرا وبنوا الأحلام الوردية بعودة وطن ودولة ترعاهم وتحفظ كراماتهم. على الأقل هكذا وعدوا. ولا بد أن صرخاتهم ودعواتهم التي قاربت الكفر بكل الوعود بعد التجربة المرة، تبلغ مسامع المعنيين. فهل من حل فعلي قريب “يُرمى” في وجه جميع المعطلين والمعرقلين رحمة بالبلاد والعباد، أم أن العقد أقوى؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل