مسيحية الألفية الثالثة… سلام أم موت؟

ها نحن في الألفيّة الثالثة بعد المسيح وما زال المسيحيّون يقتلون. وليس آخرهم الأقباط في مصر. ومن يعلم هل تنتهي هذه المأساة؟ ألا يحقّ لهم أن يعيشوا بسلام؟ أم أنّ قدرهم أن يُقَدَّموا قرابين وأضاحي دوماً؟ لماذا يد الشرّ تطالهم دائماً وهم ما أقدموا إلا على أعمال الخير؟  لماذا دعواهم إلى السلام والحوار تواجه دائماً بالحرب والتّنابذ والخلاف؟

 

ممّا لا شكّ فيه أنّ لمعتنق الفكر المسيحي نظرة تفاؤليّة فيما حدث ويحدث وقد يحدث في المستقبل لأيّ تعدّيات بحقّ أيّ مسيحيّ في العالم. وحياة القديسة بربارة خير نموذج على حياة المسيحي المؤمن والثمن الذي هو مستعدّ لدفعه ليحافظ على إيمانه. بينما القارئ المتجرّد لهذا الفكر لا ينفكّ يسأل نفسه: ما سبب هذا الاضطهاد الذي يعانيه المسيحيّون في أصقاع الأرض الأربعة؟

 

اليوم أقباط مصر  يدفعون الأثمان الباهظة. ولكن ثمن ماذا يدفعون؟ إنّه ثمن حرّيّتهم في اختيار هذا الايمان. تماماً كما دفع البطريرك الأوّل مار يوحنّا مارون، ورهبان القديس مارون القديسون الثلاثمئة والخمسون الذين نعيّد ذكراهم في  31 تمّوز من كلّ سنة.

 

نعم، الايمان المسيحي هو الذي يتمّ استهدافه، وإلا لماذا لا يتمّ استهداف أيّ إيمان آخر؟ هذا بالطّبع من دون إغفال ما تعرّضت له الأقليّة الايزيديّة في العراق باضطهادها الأخير. لقد دفع المسيحيّون طوال نيّفٍ وألفي عام ثمن حرّيّتهم التي توأموها مع إيمانهم. فلا إيمان في العقيدة المسيحيّة من دون حرّيّة. مسيح المسيحيّين بحدّ ذاته لم يتنازل عن حرّيّته عندما طلب  منه بيلاطس إنكار ألوهته لمّا سأله، “أأنت المسيح ابن اللّه الحيّ؟”  فأجابه، “لقد قلت”.

 

نعم، يسوع المسيح بحدّ ذاته  فضّل الموت على أن يصبح عبداً بلا حريّة وأعتقنا نحن نسل العبيد وجعلنا معه أحراراً. والأكثر  من ذلك، دعانا إلى كلّ حوار مع أيّ آخر مختلف انطلاقاً من حواره مع المرأة السّامريّة على بئر يعقوب. ومن يقرأ في تاريخ الشّعب اليهودي يدرك مدى العداء بين اليهود والسّامريّين. لذلك كلّه، المسيحيّ المحاوِر هو المسيحيّ الحقيقي. المسيحيّ الذي يدعو إلى عيش قيم مسيحيّته مع الآخر المختلف عنه هو المسيحيّ الحقيقي. لذلك يخافونه ويقتلونه.

 

المطلوب اليوم من مسيحيّي الألفيّة الثالثة أكثر بكثير ممّا طُلِب من مسيحيّي زمن المسيحيّين الأوائل، زمن القديسة بربارة التي استشهدت يوم أعطى والدها الأمر بقطع رأسها لأنّها ثبتت في إيمانها بالمسيح.

هؤلاء كانت بشارتهم للنّاس هي الهدف الأساسي. أمّا اليوم فبشارتنا صارت هي النّاس بحدّ ذاتها. لم تعد المسيحيّة اليوم مجهولة ومطلوب أن نعرّف المختلِف عنها عليها، بل صار مطلوب من المسيحيّة أن تتعرّف هي بنفسها على المختلِف عنها.

المسيحيّة اليوم مطلوب منها أن تنشر الحريّة وتجعلها القيمة الأولى التي يجب أن يصبو إليها أيّ إنسان على وجه هذا الكون.

 

نعم، المسيحيّة اليوم  اختلفت عن المسيحيّة بالأمس، وصارت أكثر إيلاماً لمن لا يريد أن يفهمها. هي لا تطلب من الآخر المختلِف أن يعتنقها ديناً لأنّها اعتنقته إنساناً وسمَت به. بالأمس قتلوا المسيحيّين ليقضوا على المسيحيّة. اليوم يقتلون المسيحيّة ليقضوا على المسيحيّين. يقتلون المسيحيّة بتعاليم لا دخل للإنسانيّة بها. يحيون ما لفظه التّاريخ من فسقٍ ومجونٍ، فعيد القديسة بربارة هو عيد لشهيدة مسيحيّة وليس عيد الهالويين لتبجيل الشيطان. ويجعلون منه قيمة بحجّة الحريّة الشّخصيّة. وذلك كلّه ليخلقوا حريّة مقابل حرّيّة الايمان، لضرب المسيحيّة.

 

خلاصة ذلك كلّه ما كتبه الرّسل في إنجيل المسيح وما بشّر به يسوع. في هذا العالم، لن تعيش المسيحيّة بسلام. في هذا العالم، مهما تحاورت المسيحيّة مع نقيضاتها ستبقى بنظرهم مشيطَنَة.

 

في هذا العالم،  أيّ عمل خير تقوم  به المسيحيّة في أيّ بقعة من بقاع الأرض كلّها سيواجه بألف عمل شرّ من أعمال الشّرير. لكن ما يجب الاقتناع به بعد تجارب الألفيّات الثلاث هذه، أنّ المسيحيّة باقية باقية باقية، وقوّات الجحيم لن تقوى عليها. مهما قتلوا  من أقباط مصر  أو أي مسيحيّ في العالم، دماؤهم كحبّات القمح تموت في التّراب لتطرح السنابل المليئة بمئات ومئات الحبوب من القمح.

 

لا نريد أن نمسحِن العالم كلّه بالقوّة. المحبّة هي سلاحنا وإن أحببنا بعضنا بعضاً سيعرفوننا حتماً. وللأسف الشّديد هذا ما تفتقده مسيحيّة اليوم. أهمّ وصيّة من وصايا المسيح، “المحبّة، أن أحبّوا بعضكم  بعضاً كما أنا أحببتكم”، لذلك كانت كل المصالحات، فمتى أحبّ المسيحيّون بعضهم بعضاً كما أحبّهم المسيح، تنتهي مأساة قتلهم، ويعيشون موت هذا العالم بسلام ليحيوا السلام في عالم ما بعد هذه الحياة. والسلام.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل