#adsense

“غولدمان ساكس”… وعجوزات لبنان!

حجم الخط

حذّر البنك الاستثماري “غولدمان ساكس” من مشكلة التمويل المالي للبنان في ظل استبعاد ولادة الحكومة الجديدة، لكنه نفى توقعات حدوث انهيار مالي ونقدي في ظل قدرة المصارف على تمويل استحقاقات الحكومة المالية حتى العام 2021، رغم توقعه ارتفاع الدين العام من الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 170% بحلول عام 2022، “والمحرك الرئيس لذلك هو عبء خدمة الدين المتعاظم باستمرار”.

واكد ان تشكيل الحكومة خطوة أولى مهمة لتخفيف الضغوط السلبية “إذا أدى ذلك إلى إحراز تقدم في خطط الإصلاح وإطلاق الأموال المرصودة في مؤتمر “سيدر”. ومع استحالة توقع ولادة وشيكة للحكومة، رأى ان هذا قد يزيد من تآكل الثقة بالمستقبل الاقتصادي للبنان واستدامته.

وينشر موقع Arab Economic News أبرز ما ورد في تقرير “غولدمان ساكس” الذي وُزّع امس بعنوان “الى متى سيستطيع لبنان تمويله عجوزاته”:

نبدأ بتحليل الوضع اللبناني على خلفية عدم اليقين السياسي المتزايد. إن قضيتنا الأساس تقوم على توقع تشكيل حكومة في الأشهر المقبلة، وإحراز بعض التقدم في البرنامج الاقتصادي، مما سيوفر بعض الدعم للنمو في السنوات المقبلة. نفترض أيضا أن النمو في الودائع لا يزال تقريبا على حاله بمعدل 3% سنويا. وهذا يعني ضمنا أرجحية أن تكون عجوزات لبنان المزدوجة غير قابلة للاستدامة على الأمد الطويل، وأن مخاطر حدوث أزمة مالية (والتخلف) وفق التوقعات مرتفعة، فإننا نعتقد أن اﻻﻗﺘﺼﺎد يتمتع بسيولة كافية للبقاء ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺴﺎر اﻟﺤﺎﻟﻲ ﻟﺒﻌﺾ اﻟﻮﻗﺖ ﻗﺒﻞ إﺟﺮاء ﻋﻤﻠﻴﺔ اﻟﺘﺼﺤﻴﺢ.

 

في الأمد اﻟﻣﺗوﺳط، ﻧﻌﺗﻘد أن اﻟﺿﻐط من اﻟﺟﺎﻧب اﻟﺧﺎرﺟﻲ، سيضع ﻓﺟوة اﻟﺗﻣوﯾل اﻟﺧﺎرﺟﻲ تحت تأثير السيولة الحالية بالعملات الأجنبية ﻓﻲ اﻟﻧظﺎم اﻟﻣﺻرﻓﻲ (ﻋﺑر اﻟﮭﻧدﺳات اﻟﻣﺎﻟﯾﺔ لمصرف لبنان) ﻟﻔﺗرة 2 الى 3 ﺳﻧوات.

 

وبعيداً من هذا الأفق الزمني، يرتفع خطر التكيف الخارجي القسري والتخلف المحتمل بشكل حاد في غياب مصادر بديلة للتمويل. سيكون تشكيل الحكومة خطوة أولى مهمة لتخفيف الضغوط السلبية إذا أدى ذلك إلى إحراز تقدم في خطط الإصلاح وإطلاق الأموال المرصودة في مؤتمر “سيدر”، بما يتجاوز توقعات المستثمرين/المودعين حالياً. ومن بين الصدمات الخارجية الإيجابية الأخرى التي يمكن أن تحسن وجهة النظر التمويلية، الالتزام بتقديم الدعم المالي من قوة إقليمية أو تقليل المخاطر الجيوسياسية الإقليمية، لا سيما النزاع في سوريا.

 

في الأمد البعيد، حتى لو تحسنت النظرة التمويلية، نعتقد أن المسار الراهن للبنان لن يكون قابلاً للاستمرار بسبب الاختلالات الحالية. ويعود ذلك إلى أن التمويل الخارجي للبنان لا يؤدي إلى ديون (بشكل تحويلات ودفق في الودائع)، في حين أن تمويل الحكومة للعجز يعني حكما تراكم سريع في الدين العام. تشير توقعاتنا إلى أن الدين العام سيرتفع إلى أكثر من 170% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2022، والمحرك الرئيس لذلك هو عبء خدمة الدين المتعاظم باستمرار.

في أعقاب زيارة إلى بيروت الشهر الماضي، نشرنا وجهة نظر بنّاءة نسبياً حول آفاق لبنان للتمويل القريب الأمد، والتي كانت مشروطة بالاعتقاد بأن ولادة الحكومة وشيكة. إلا أن اعتراض “حزب الله” في إحدى 11 ساعة، أدى إلى وقف مفاجئ لزخم التشكيل ويهدد بإطالة أمد حال الشلل السياسي الراهنة. المهم ان ولادة الحكومة لم تعد وشيكة ويستحيل توقعها. وهذا بدوره، يثير احتمال الانجراف في الحال الراهنة للشلل السياسي، الأمر قد يزيد برأينا، من تآكل الثقة بالمستقبل الاقتصادي للبنان واستدامته. وبالفعل، فإن المودعين والمستثمرين مقبلون على توقع مزيد من أشهر الركود للأجندة الاقتصادية وتأخر أموال “سيدر”.

 

في ظل هذه الخلفية من عدم اليقين نبدأ التحليل مع مجموعة كاملة من التوقعات. إن القضية الأساس هي عبر: توقع تشكيل حكومة في الأشهر المقبلة، وإحراز بعض التقدم في البرنامج الاقتصادي، مما سيوفر بعض الدعم للنمو الاقتصادي في السنوات المقبلة، (ربما يحصل لبنان على مساعدة محدودة عبر أموال “سيدر”). لا نتوقع أي تحسن في الميزان المالي او الخارجي، وكلاهما يتطلبان درجة من الإصلاح الهيكلي لا نتوقعها في المستقبل المنظور.

 

ولفت التقرير الى ان الدين العام اللبناني بلغ نسبة 154% من الناتج المحلي الإجمالي بين الـ2001 و2017، وهي نسبة كبيرة لاقتصاد صغير”، مشيرا الى انه في ظل الاضطراب السياسي في لبنان في الأعوام الـ14 الماضية (إغتيال الرئيس رفيق الحريري في 2005، ثورة الأرز، حرب تموز 2006، أزمة عام 2008، الى الحرب السورية عام 2011)، لم ينجو الاقتصاد من هذه الصدمات فحسب، بل نما بمعدل 6% سنوياً في العقد الأول منذ الـ2000.

 

واعتبر “غولدمان ساكس” أن مرونة لبنان المالية “اللافتة” استندت إلى ثلاثة عوامل مترابطة:

– صناعة مصرفية كبيرة وملتزمة. لدى لبنان صناعة مصرفية متطورة ومستقرة. لكن حجم القطاع المصرفي وقصة دعمه للدولة، تشكل دعما رئيسا لديناميات الدين اللبناني. بلغ مجموع الأصول المصرفية أكثر من 4 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي في 2017، وهو أعلى بكثير من الاقتصادات ذات التصنيف المماثل. الى ذلك، بقي القطاع المصرفي اللبناني مستعدا تاريخيا لتوزيع موارده المالية الكبيرة لمصلحة الدولة، اذ يحتفظ القطاع بنحو 60% من إجمالي الديون الحكومية. ومع احتساب الاكتتاب في سندات الليرة اللبنانية، فان تعرض المصارف للديون يبلغ 65% من أصولها و91% من ودائع العملاء. وهذا يدعم التزام القطاع المصرفي بالقدرة المالية الملحة للحكومة.

2- التحويلات ودفق الودائع. وهي احد المهمات الرئيسة للقطاع المصرفي. وقد بلغ متوسط تلك التحويلات نسبة 20% من الناتج المحلي الإجمالي على مدار الأعوام الـ15 الماضية، وهي تشكل الغالبية من الودائع المصرفية. إن هذه التحويلات لا توفر للمصارف الموارد اللازمة للاستمرار بتمويل الدولة فحسب، بل توفر أيضًا معظم التمويلات للحساب الجاري.

3- دعم دولي قوي. ساهم بدعم مرونة لبنان المالية أيضا الدعم الذي تلقاه من المجتمع الدولي في أوقات الشدة. إذ نظمت 4 مؤتمرات دولية لمساعدة لبنان، وكان آخرها في نيسان 2018 (مؤتمر “سيدر” الذي تعهدت الدول المانحة بتقديم أكثر من 11 مليار دولار). كما يتمتع لبنان تاريخياً بدعم استثنائي من حلفائه الخليجيين، بدليل “وديعة” الـ1.5 مليار دولار التي قدمتها السعودية والكويت عقب حرب إسرائيل في 2006.

لكن في العامين الماضيين، أضاف التقرير، “بدأت قصة الصمود تبدو هشة على نحو متزايد، وقد ارتفعت المخاوف من اتجاه لبنان نحو أزمة مالية، وتاليا ازمة تخلف عن السداد. ويعود ذلك إلى ارتفاع أسعار الأصول، اذ ارتفعت العائدات على الديون اللبنانية بشكل حاد في الأشهر الأخيرة. ويعزو مصرف لبنان تباطؤ التحويلات التي موّلت جزءا كبيرا من إستحقاقات لبنان المالية، الى عوامل عدة، ابرزها آثار الأزمة المالية العالمية، وارتفاع المخاطر الجيوسياسية الإقليمية، وانخفاض أسعار النفط منذ 2014، وعدم الاستقرار السياسي المحلي وتباطؤ نمو الاقتصاد المحلي. إلى ذلك، سنضيف احتمال انخفاض الدعم الخارجي في ظل تصاعد التوتر بين لبنان ودول الخليج الغنية بالنفط في السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ أحداث استقالة الرئيس الحريري في تشرين الثاني 2017.

 

قد يكون تباطؤ التحويلات عرضة لدينامية التعزيز الذاتي عبر حلقة تمويل سلبية، اذ أن ثقة المودعين في لبنان تدعم إلى حد كبير الاعتقاد بأن متطلبات “التمويل” الكبيرة يتم الوفاء بها من خلال التحويلات. لكن، حين يبدأ تباطؤ التحويلات بشكل مستمر، يتم تقويض الثقة. في السنة المنتهية في أيلول 2018، بلغ معدل دفق الودائع 2.4 مليار دولار (4.2% من الناتج المحلي الإجمالي) بتراجع من 7.3 مليارا قبل عام (13.7% من الناتج). على هذه المستويات، ظهرت مخاوف بشأن قدرة لبنان على الاستمرار في تمويل العجزين الثنائي (عجز الميزان التجاري وعجز ميزان المدفوعات). فهل هذه المخاوف مبررة؟”.

 

وفي ظل غياب أي زيادة في نمو الودائع للفترة المتبقية من السنة، توقع التقرير عجزا في التمويل بمقدار ملياري دولار (3.4% من الناتج). ولفت الى ان الودائع لم تكف في الماضي لتوفير تغطية كاملة لمتطلبات إجمالي التمويل الخارجي. وفي 2017، غطت الودائع نصف الحاجات التمويلية الخارجية للبنان، ونتوقع ان تغطي الثلث فقط في الـ2018. وبالارقام، يترجم هذا بفجوة في التمويل الخارجي بقيمة 6.2 مليار دولار (21% من الناتج) عام 2017 و8.8 مليار دولار (13% من الناتج) عام 2018.

 

ورأى “غولدمان ساكس” ان الهندسات المالية لمصرف لبنان ساعدت في “شراء الوقت”. اذ ان اتساع فجوات التمويل لم يقوّض ثقة المودعين بالكامل، وأدى إلى تكوين رساميل كبيرة بفضل جهود مصرف لبنان، لافتا الى ان للهندسات المالية التي بدأت ﻣﻧﺗﺻف 2016، كلفة وهي تعتمد على استمرار قدرة المركزي على جذب السيولة الأجنبية من القطاع المصرفي. وسأل عن “مدى قدرة مصرف لبنان على الاستمرار بتلك الهندسات”.

ولفت الى اﻟﻔﺠﻮة ﻓﻲ اﻟﺘﻤﻮﻳﻞ ﺳﺗﻜﻮن اﻟﺨﻄﻮة اﻷوﻟﻰ ﻟﻠﺮد ﻋﻠﻰ هذا اﻟﺴﺆال، في ﻣﺤﺎوﻟﺔ لتحديد ﻓﺠﻮة اﻟﺘﻤﻮﻳﻞ اﻟﺘﻲ ﻳﺘﻌﻴﻦ ﻋﻠﻰ مصرف لبنان المضي بها. وإذ توقع بقاء نمو الودائع أضعف مما كان عليه تاريخيا، أي عند نحو 3% على أساس سنوي، يعني ان الودائع ستصل إلى 5.5 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة، مما سيؤدي إلى فجوة تمويل خارجية كبيرة نتوقع ارتفاعها من 12.9 مليار دولار في 2019 إلى 14.8 مليارا في 2023، فيما ستتراوح الفجوة المالية الصافية بين 5.5 مليارات دولار و6 مليارات دولار. وشدد على ان الهندسات المالية تستهدف حماية الاحتياطي الأجنبي لمصرف لبنان والبالغ نحو 35 مليار دولار، “وهو أكثر من كاف لتلبية هذه الفجوة التمويلية خلال السنوات الخمس المقبلة. وهذا يمنح المستثمرين والمودعين الثقة، ويحافظ على ثبات سعر الصرف”.

 

لكن تبدو الصورة مختلفة لوجود قيود على استخدام هذه الاحتياطات، وأبرزها أن انخفاض الاحتياطات ينعكس على الثقة بتثبيت سعر صرف الليرة ويرفع مخاطر هروب رؤوس المال. وفي السياق، يركّز “غولدمان ساكس” على مؤشر أساس، هو احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية نسبة إلى الكتلة النقدية M2 التي تمثّل مجموع الكتلة النقدية قيد التداول مع مجموع الودائع بالليرة. كانت هذه النسبة تراوح تاريخياً بين 70% و80%، إلا أنه منذ الـ2014 و2015 انخفضت إلى أقل من 60% منتصف 2016، ما دفع مصرف لبنان إلى تنفيذ الهندسات المالية التي أعادتها إلى ما بين 60% و70%”.

 

وأوضح ان الهندسات المالية تهدف إلى دعم الاحتياطيات عبر استنزاف السيولة بالدولار من القطاع المصرفي لسد فجوة التمويل. ويتم تحقيق ذلك من خلال حوافز مالية سخية للمصارف بغية توفير السيولة بالعملات الأجنبية، وتحديدا بالدولار بشكل رئيس في شكل ودائع طويلة الأمد بالدولار (CDs). ويقول التقرير ان المصارف ترغب في المشاركة بالهندسات المالية لسببين:

1- لانها تعتبر الحوافز المعروضة مربحة للغاية لا سيما في ظل ركود اقتصادي مع القليل من الفرص البديلة.

2- لدى المصارف حافز قوي للحفاظ على ملاءة الحكومة بسبب حجم تعرضها للديون السيادية.

إلى متى يمكن لمصرف لبنان الاستمرار بهندساته؟

أجاب “غولدمان ساكس”، ان مصرف لبنان قادر على الاستمرار بالاقتراض من المصارف لسد فجوة التمويل الخارجي، طالما ان المصارف قادرة على الاستمرار في إقراضه. “وهذه وظيفة السيولة بالعملات الأجنبية في النظام المصرفي”.

ولفت الى انه لدى المصارف 10.3 مليارات دولار من الودائع بالعملات الأجنبية في مصارف خارج لبنان، وتحمل نحو 17 مليار دولار من سندات “اليوروبوندز” والأصول الأخرى القابلة للتسييل نسبياً، إلى ديون سوقية بقيمة 40 مليار دولار. واستند سيناريو “غولدمان ساكس” إلى الحدود الضيقة في استعمال هذه الأصول بالعملات الأجنبية، اذ يرى أن ودائع المصارف في الخارج تغطي أقل من سنتين من الفجوة المالية، لكنه يعتقد أن مصدر العملات الأجنبية بالنسبة إلى المصارف لا يقتصر على ذلك، بل تمكنت في الأشهر التسعة الأولى من السنة الجارية من تسييل أكثر من 500 مليون دولار من سندات “اليوروبوندز” وخفضت الديون السوقية بالدولار بقيمة 1.2 مليار دولار واستقدمت ودائعها في الخارج بقيمة 1 مليار دولار، ليصبح المجموع 2.7 مليار دولار”.

 

وفي ضوء هذا السيناريو المستند إلى نموّ للودائع بمعدل 3%، رأى التقرير ان هناك مساراً مستداماً خلال السنتين او السنوت الثلاث المقبل حدا اقصى، “لكن في رأينا أنه لا يمكن أن يكون هناك اقتصاد يسير بثبات نحو الأزمة أكثر من ذلك. قد يحصل أمر من اثنين خلال الفترة المقبلة: زيادة نمو الودائع إلى الحدود التي تغطي الفجوة المالية، أو خسارة لبنان الثقة وتتسارع الأمور نحو سيناريو التوقف عن السداد. وفي حال عدم القدرة على تحفيز نمو الودائع والتدفقات من الخارج، فإنها مسألة وقت قبل أن تتقلص قدرة مصرف لبنان على الإمساك بثبات سعر صرف الليرة مقابل الدولار”.

 

واعتبر ان لبنان يحتاج إلى انتعاش في التوازن الخارجي، “الامر الذي يمكن ان ينجم عن مزيج من الاستثمار الأجنبي المباشر، أو الإصدار الخارجي، أو محفظة الأوراق المالية أو الودائع. وفي رأينا، هذا قابل للتحقيق. ﻓﻌﻠﻰ ﺳﺒﻴﻞ اﻟﻤﺜﺎل، أن ﻧﻤﻮ اﻟﻮداﺋﻊ ﺑنحو 6% ﺳﻨﻮﻳﺎ (أﻗﻞ ﻣﻦ 8% حيث كان كذلك في الأشهر التي سبقت تشرين الثاني) ﺳﻴﻜﻮن كاﻓﻴﺎً ﻹﻏﻼق ﻓﺠﻮة اﻟﺘﻤﻮﻳﻞ ﺑﺎﻟﻜﺎﻣﻞ”.

 

ورأى ان الثقة المحسّنة يمكن أن تؤدي إلى ضبط الأوضاع الخارجية على أساس أكثر استدامة في ظل غياب التحسن في ديناميات الحساب الجاري. وجدّد “غولدمان ساكس” اعتقاده بان تشكيل الحكومة هو الخطوة الأولى الضرورية. “إذا أدى هذا إلى إحراز تقدم بشأن برنامج الإصلاح وإطلاق الأموال المرصودة في “سيدر” إلى ما هو أبعد من التوقعات الحالية، فإن ذلك يمكن أن يعزز الثقة بلبنان على نحو كاف لتحفيز نمو الودائع وخفض العائدات على الديون الخارجية، مما يحسن من فرص أي إصدار جديد. ومن بين الصدمات الخارجية الإيجابية الأخرى التي يمكن أن تحسن وجهة النظر التمويلية، الالتزام بتقديم الدعم المالي من قوة إقليمية أو تقليل المخاطر الجيوسياسية الإقليمية، لا سيما النزاع في سوريا”.

وفي سيناريو افتراضي لتخلف لبنان عن السداد، اعتبر التقرير انه قد ينجم عن عدم نمو الرساميل واستمرار تدهور وضع المالية العامة، “لتكون مسألة وقت قبل ان يتمكن مصرف لبنان من الحفاظ على الاستقرار النقدي على نطاق واسع. وقد يرفع هذا الحاجة اكثر الى التمويل واستحالة تلبية استحقاقات لبنان الأساسية ومتطلباته الخارجية. ومن شأن ان يعجّل من ظروف هذا السيناريو المتطرف، التدهور في الأمن الداخلي أو نشوب نزاع جديد مع إسرائيل”.

 

في الأمد الطويل، فان ضبط أوضاع المالية العامة سيتركز على المخاطر في الامدين القريب والمتوسط المرتبطين بقدرة لبنان على تحديد التزاماته المالية الثنائية على نحو كاف، مع تركيز المخاطر بشكل رئيس على الجانب الخارجي.

 

واعتبر التقرير ان التصدي لمخاوف تراكم سريع في الدين العام واحتمال ارتفاع كلفة الديون الحكومية بشكل حاد، “سيكون التحدي الرئيس الذي تواجهه الحكومة الجديدة. فالمرونة على جانب الإنفاق مقيدة بهيكل الإنفاق الحكومي، حيث تستهلك خدمة الدين والأجور تقريبا كافة الإيرادات الحكومية. في زيارتنا الأخيرة إلى بيروت، أشارت مناقشاتنا مع صناع السياسة إلى أن التركيز في إصلاح الإنفاق سيكون على خفض التحويلات إلى شركة كهرباء لبنان، ونعتقد أن ھذا أﻣر ﺿروري، لكننا نرى أنها قد لا تكون كافية لوضع مسائل المالية العامة ﻋﻟﯽ ﻣﺳﺎر ﻣﺳﺗدام. وفي غياب إصلاح كبير للأجور (الامر الحساس سياسيا) أو إعادة هيكلة الديون، لا نرى سوى القليل من الخيارات المتاحة للحكومة لتوحيدها في جانب الإنفاق”.

 

وأورد تقرير “غولدمان ساكس” انه قد تكون زيادة العائدات أكثر جدوى، “اذ إن ﺗﺤﺴﻴﻦ جباية اﻟﻀﺮاﺋﺐ وﺗﻮﺳﻴﻊ ﻗﺎﻋﺪة اﻟﻀﺮاﺋﺐ واحتمال رفع بعضها وخصوصا ﺿﺮﻳﺒﺔ اﻟﻘﻴﻤﺔ اﻟﻤﻀﺎﻓﺔ، يمكن ان يوّفر إيرادات إﺿﺎﻓﻴﺔ. ﻟﻜﻦ هذه اﻟﺘﺪاﺑﻴﺮ ﻏﺎﻟﺒﺎً ﻣﺎ ﺗﻜﻮن ﺻﻌﺒﺔ اﻠﺘﻨﻔﻴﺬ ﺴﻴﺎﺳيا، بدليل ان تجربة الإصلاح الضريبي في العام الماضي والتي صممت لتغطية تكاليف سلسلة الرتب والرواتب، توحي بأن الحكومة المقبلة ستواجه معارضة كبيرة في هذا المجال. الى ذلك ، فإن الركود الاقتصادي يقلل من مبررات رفع العبء الضريبي، لأن هذا من المحتمل أن يكون له تأثير سلبي إضافي على النمو”.

ووفق التقرير، يعتقد “غولدمان ساكس” ان ضبط المالية العامة سيبقى في الأساس نتيجة لمعدل نمو إجمالي الناتج المحلي الاسمي. وتاريخيا، هبطت نسبة الدين العام الى الناتج المحلي بين عامي 2008 و2012، بأكثر من 50 نقطة، رغم أن معدل الدين بلغ 9% من الناتج خلال تلك الفترة. ومن الواضح أن السبب هو نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي المرتفع والذي بلغ متوسطه 12.3% على أساس سنوي خلال الفترة عينها. ولذا، ستكون السياسات المؤيدة للنمو على رأس جدول أعمال الحكومة لأنه من شأنها تحسين التوقعات لاستدامة الديون.

 

ورأى التقرير ان هذا سيثير التساؤل “هل سيحاول لبنان أن يخرج من عبء الديون المتصاعد؟”، موضحا انه ﻣﻦ ﺷﺄن ارﺗﻔﺎع ﻣﻌﺪل التضخم أن ﻳﺰﻳﺪ ﻧﻤﻮ اﻟﻨﺎﺗﺞ اﻟﻤﺤﻠﻲ اﻹﺟﻤﺎﻟﻲ اﻷﺳﻤﻲ وﻳﺰﻳﺪ اﻹﻳﺮادات اﻟﺤﻜﻮﻣﻴﺔ لتتلاءم واﻟﻨﻔﻘﺎت وﻳﺨﻔﺾ ﻧﺴﺒﺔ اﻟﺪﻳﻦ إﻟﻰ اﻟﻨﺎﺗﺞ اﻟﻤﺤﻠﻲ اﻹﺟﻤﺎﻟﻲ. واعتبر أن هناك إشارات أولية على حدوث ذلك، بعدما ارتفع التضخم هذا العام رغم ضعف الطلب المحلي (رغم أن معدل التضخم انخفض منذ تموز). “وبينما نعتقد أن بعض العوامل في الاقتصاد ستكون إيجابية، نرى أن الأسعار المرتفعة بشكل مفرط (تلك المطلوبة على الأرجح لتحسين دينامية الدين بالمعدلات الحالية للنمو الحقيقي)، من المرجح أن تضيف المزيد من الضغوط إلى الاختلالات الخارجية من خلال تقدير التبادل الحقيقي”، ختم تقرير “غولدمان ساكس”.

 

المصدر:
Arab Economic News

خبر عاجل