هل طلب عون “مهر” الحكومة من حزب الله؟

حرّكت المبادرة التي أطلقها رئيس الجمهورية ميشال عون المياه الراكدة في “مستنقع” الأزمة المتمادية التي تتخبط فيها عملية تشكيل الحكومة منذ نحو سبعة أشهر. وفتحت كوة “صغيرة” في جدار التعطيل “المصفح” الذي بدا غير قابل للإختراق، في ظل تمترس الأطراف السياسيين جميعهم، ومن ضمنهم فريق الرئيس، خلف مواقفهم “الجامدة” ورفضهم تقديم أي تنازل.

لكن مبادرة الرئيس بدعوته رئيسي مجلس النواب نبيه بري والحكومة المكلف سعد الحريري الى اللقاء في قصر بعبدا، الاثنين، والتي استكملت الثلاثاء مع الطرف المعني بالعرقلة خصوصا في المرحلة الأخيرة بافتعال مطلب تمثيل “سنة 8 آذار”، بلقاء عون بوفد من حزب الله ضمّ رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد يرافقه المعاون السياسي للأمين العام للحزب الحاج حسين خليل، لا تزال في خطواتها الأولى. والتجارب السابقة تفرض عدم التسرع بالقفز الى الاستنتاج بقرب لحظة ولادة الحكومة المنتظرة.

تصريح رعد إثر اللقاء، وقوله إن “الجلسة كانت لجوجلة الأفكار مع فخامة الرئيس من أجل البحث عن المخارج والحلول النافعة لمصلحة البلد”، وأنه “جرى عصف أفكار بصوت عال، وهناك أفكار مقبولة وأخرى مستبعدة وللبحث صلة”، يؤكد ضرورة التحفظ وعدم الغوص في التفاؤل والبقاء على برّ الواقعية الآمن.

بالإضافة إلى أن الرئيس بري أعاد تكرار تصوره للحل الذي يراه في خانة رئيس الجمهورية، عبر توزير واحد من النواب السنة الستة من حصته. ويستعين بالقول المأثور لشرح وجهة نظره: “القيّم على الأمر عليه أن يدفع المهر”. ولا يخفي أن المقصود عون، وبأن عليه أن يضحي وأن يدفع “المهر” من أجل تسهيل قيام الحكومة، كما نقلت صحيفة “الحياة”.

وترى مصادر متابعة أن الحل الذي يطرحه بري يبقى واحدا من الأفكار المطروحة القابلة للتنفيذ إن هي حازت على رضى الأطراف كافة، بدءا برئيس الجمهورية وصولا الى الرئيس المكلف. مع الإشارة إلى أن الحريري لا يزال على موقفه الذي أعاد التأكيد عليه بالأمس، وثباته على رفضه حكومة الـ32 وزيرا وتوزير أحد النواب الستة، على الرغم من اعلانه انتظار نتيجة التحرك الرئاسي.

وانطلاقا من “مهر” بري، تطرح المصادر نفسها فكرة تنسجم مع طرح رئيس البرلمان. وتذكر في هذا الإطار، أن حزب الله هو من تسبب بالعقدة الأخيرة، عبر رفعه سقف المطالب في اللحظة الأخيرة حين كانت مراسيم الحكومة على وشك الصدور، برضى بري، في 29 تشرين الأول الماضي يوم امتنع عن اعطاء أسماء وزرائه مطالبا بتوزير أحد نواب “سنة 8 آذار. وأعلن لاحقا تمسكه بهذا المطلب واستعداده للانتظار حتى ولو بقيت البلاد من دون حكومة ألف سنة!

وإن دلّ رفع حزب الله سقف المطالب التعجيزية والتحدي في اللحظات الأخيرة الى هذا الحد على شيء، فهو يدلّ على أن وراء الأكمة ما وراءها، نظرا لصمته المطبق منذ التكليف.

كما يدلّ أيضا بالوقائع، أن كل العقد السابقة المفترضة والاتهامات التي سيقت بوجه أصحابها، لم تكن بالفعل أكثر من مطالب محقة في إطار اللعبة السياسية الداخلية تُحجب عنهم، وتهدف الى تحسين شروط المشاركة في الحكومة لا بهدف العرقلة والتعطيل. وتمت في النهاية معالجتها في اللحظة المناسبة بموافقة أطرافها من دون تردد، انطلاقا من الحرص على المصلحة العامة وتحسسا منها بخطورة ما وصلت اليه الأوضاع في البلاد، خصوصا على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والمالية.

وترى المصادر أن رئيس الجمهورية بات يملك “فرصة ثمينة”، قد تفضي الى حلول للأزمة في وقت غير بعيد إن أحسن استخدامها. وتشير الى ألا شيء يمنع الرئيس عون من التوجه الى حزب الله ومطالبته بشكل مباشر بتقديم التنازلات المطلوبة منه والتراجع عن التمسك بالعقدة السنية، حرصا على المصلحة العامة نظرا لخطورة الأوضاع. فلم لا يدفع حزب الله “مهر” الحكومة من حصته طالما هو صاحب العقدة؟

وتضيف، أنه يمكن للرئيس عون أن يطالب الحزب بالتنازل، على غرار ما فعل الحريري وحزبا القوات اللبنانية والتقدمي الاشتراكي، الذين بلغ تسهيلهم لتشكيل الحكومة حد التضحيات في مكان ما. وأن يشدد على الحزب بأن يطلق الحكومة من سجنها الذي أقامها فيه وأقفل الأبواب. مع لفت الانتباه إلى أن مطلب حزب الله المفتعل أشعل جمر المشاعر الطائفية، نظرا لاعتبار القيادات والزعامات السنية أن الحزب بذلك يمدّ اليد الى ساحتهم بعدما أقفل الساحة الشيعية، خارقا بذلك التوازنات الدقيقة التي تحكم الواقع اللبناني.

ولا تنقص الرئيس عون لا الإرادة ولا الشجاعة لمواجهة الحزب بهذه الحقائق، تؤكد المصادر. وتلفت إلى أن الأمر وصل في مرحلة معينة إلى رفع شعار “السير بحكومة بمن حضر”. ولا شيء يمنع من تكراره اليوم على قاعدة “من ساواك بالآخرين، ما ظلمك”. وذلك لوقف مسلسل التآكل والتراجع على كل المستويات الذي يصيب أكثر ما يصيب العهد نفسه.

وتشير في هذا السياق إلى أن أحد الحلول الممكنة للأزمة الحكومية، هو بتنازل حزب الله عن وزير من حصته الشيعية، على غرار الآخرين، ومنحه لأحد النواب الستة من “سنة 8 آذار”، فتحل المشكلة وتصدر المراسيم خلال ساعات، طبعا بالتشاور بين رئيسي الجمهورية والحكومة المكلف.

وتوضح أن موافقة الحزب على هذا الاقتراح، في حال تبنيه من قبل الرئيس عون ومن ثم طرحه عليه، لا يشكل سابقة بحد ذاته. وتذكر بأنه سبق لحزب الله أن تخلى عن أحد مقاعده الوزارية الشيعية لمصلحة توزير فيصل كرامي السني في حكومة رئيس الوزراء السابق تمام سلام، تحت شعار أن مصلحة البلاد تقتضي ذلك على أبواب الخوف من الوقوع في الفراغ الدستوري مع اقتراب عهد رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان من نهايته. أفلا تفترض الأوضاع الراهنة البائسة بكل المقاييس مع كل الأخطار “القاتلة” الظاهرة للعيان التي تحملها، أن يتقدم رئيس الجمهورية بهذا الطرح الى حزب الله وأن ينال موافقة الأخير؟

لا تنفي المصادر المتابعة أن هذه الفكرة دونها عقبات، تبدأ من اقتناع رئيس الجمهورية بها لطرحها، مرورا بموافقة الرئيس المكلف على توزير أحد نواب “سنة 8 آذار”، وصولا الى قبولها من قبل حزب الله والسير بها. إضافة الى دور مساعد قد يلعبه الرئيس بري، الذي لن يسير بـ”حكومة بمن حضر اليوم”، ولن يؤمّن على الأرجح التمثيل الميثاقي لها، حتى ولو اقتنع بها عون والحريري، في حال رفض الحزب.

لكنها تشير الى أن رفض حزب الله اليوم لما كان وافق عليه ومارسه في السابق، يعني أنه يتحرك انطلاقا من أجندته الخاصة وفقا لما يخدم مشروعه السياسي والاستراتيجي في المنطقة ربطا مع الوضع الإيراني المأزوم على وقع العقوبات المتصاعدة، لا انطلاقا من أهداف وطنية لبنانية بحتة خدمة لمصلحة لبنان واللبنانيين. وإلا لكان قدّم كل التسهيلات لتشكيل الحكومة لو كان بالفعل حريصا على مصلحة الشعب اللبناني، وسط الاختناق الذي يعانيه والوضع الذي شارف على الانهيار.

وتشدد المصادر نفسها على التأكيد أن ما نشهده في المرحلة الأخيرة، يدحض كل مزاعم واتهامات التعطيل السابقة التي وّجهت الى أطراف بعينهم. وتظهر بوضوح أن العقبات الحقيقية لم تكن يوما لدى “القوات” أو “الاشتراكي”، ولا عند الحريري. ولفتت إلى أن الوقائع تؤكد أن المعرقل الفعلي كشف عن وجهه عند ساعة الحقيقة، ما يجعل أزمة تشكيل الحكومة وعرقلة انطلاق العهد فعليا عند حزب الله لا عند أي طرف آخر.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل