درع الجنوب درع الوطن

في الرّابع من الشّهر الحالي أطلق الجيش الإسرائيلي حملة عسكريّة أسماها ” درع الشمال” على الحدود الشماليّة مع لبنان، وذلك لكشف وتدمير أنفاق حزب الله. وقد كتبت صحيفة “معاريف أون لاين” أنّ نتانياهو لن يألو جهدًا في تسديد ضربة عسكريّة قاضية في حال أقدم حزب الله على أيّ عمل عسكري ضدّ جيشه. فهل سنكون أمام “لو كنت أعلم” نسخة 2018 الجديدة؟ أم أنّ الدولة اللبنانيّة القادرة القويّة ستجعل من الجنوب كلّه درعًا للوطن؟

 

تتالت مزاعم جيش العدوّ حول قضيّة الأنفاق، إذ أعلن عن اكتشافه نفقًا ثالثًا تابعًا لحزب اللّه يمتدّ من الأراضي اللبنانيّة إلى داخل الأراضي الفلسطينية قرب الخطّ الأزرق. وبعد تأكيد وجود نفقين في منطقة كفركلا من قبل قوات اليونيفيل، تنتظر الدولة اللبنانيّة اليوم تأكيد وجود الثالث.
ما لا شكّ فيه أنّ السياسة الاستخباراتيّة للعدو هي التي ساهمت في كشف سلاح حزب الله الجديد، أعني الأنفاق. وهذا السلاح القديم جدًّا الذي يعود إلى الحرب الفيتناميّة بين الفيتكونغ والجيش الأميركي تمّ اقتباسه من قبل الحزب لتسجيل عنصر مفاجأة على العدو. لكن حتّى هذه اللحظة لم يستطع تحقيق هذا العنصر.

 

ومن المعلوم أيضًا أنّ للحرب الاعلاميّة أسساً وقد برع في استخدامها العدو. إلا أنّ عدم صدور أي ردّ إعلامي من قبل حزب الله حول هذه القضيّة، أثار حفيظة العدو أكثر فأكثر. كذلك نعلم أنّ جيش العدوّ لا يحارب في ظروف مناخيّة شتويّة بالاستناد إلى تاريخه الحربي في لبنان. ما يعني ذلك أنّه لن يكرّر أخطاءه الماضية، إن من حيث الحرب البريّة الاستنزافيّة من النّاحية البشريّة، وإن من حيث ضربة طويلة الأمد استنزافية اقتصادياً – ولو أنّها ستكون من جيب غيره.

 

لذلك، نحن أمام خيار ثالث لا شبيه له، قد يكون في ضربة خاطفة على البنى التحتيّة للحزب وللدولة معًا. ليرتقب بعدها العدوّ وابل ما تبقى من صواريخ الحزب التي سيواجهها ببطاريّات باتريوت. وهذه الأخيرة أيضًا ليست من حسابه الخاص بل من حساب داعميه الدوليّين.
لكن إذا قمنا بعمليّة مقارنة بسيطة لنتائج هذا الفعل والرّد عليه، يتبيّن لنا أنّ الدولة اللبنانيّة المهترئة اقتصاديًّا، متى تمّ ضرب بنيتها التحتيّة بشكل مدمّر ستعود فعلا إلى العصر الحجري. كذلك حزب الله ستتأذّى بيئته الحاضنة كثيرًا. فهل هذه البيئة مستعدّة لأن تدفع المزيد بعد الذي دفعته في الحرب السوريّة؟ أم أنّ الحزب سينفّذ عمليّة تسمح له بالهروب إلى الأمام ليدفع العدوّ إلى تكرار خطأ 2006 الاستنزافي؟ وهل أخذ الحزب بعين الاعتبار أمن لجوء بيئته الحاضنة إلى الجبل اللّبناني بعدما اقترفته يداه في أحداث ذلك السابع من أيّار 2008؟ أو حتّى هل يعتقد أنّ اللجوء إلى سوريا سيكون سهلا كما كان في العام 2006 بعد تدخّله في حربها؟

 

بعد تجارب التاريخ المرّة مع دولة لا تقدّر قيمة الانسان، يجب الاقتناع بأنّ المواجهة الأسلم لن تكون مرحليّة بحرب من هنا أو بضربة من هناك، أو حتّى بعمليّة مفاجئة منها أو عليها. من المؤكّد أنّ دفاعنا عن نفسنا وعن أيّ شبر من أرضنا يُنتَهَك هو حقٌّ مشروع وتكفله المواثيق الدوليّة. لكن أن نبقي دولتنا في حالة حرب لمجرّد أنّ هذه الحالة تؤمّن وجوديّة فئة من الدولة على حساب وجوديّة الدولة ككيان مستقلّ بحدّ ذاته، فهذا منطق لن نقبل به بعد اليوم.

 

المطلوب أن نواجه درع الشّمال بدرع الجنوب، والأكثر أن نجعل من الجنوب درع الوطن. ولتحقيق هذه الغاية يجب العمل على تحقيق الدولة القادرة القويّة بقواها الشرعيّة فقط. كذلك يجب العمل على تثبيت كيانيّة هذه الدولة، إذ لا يجوز بعد أقلّ من قرن ونيّف من ولادة كيانها، لا يزال هناك من لا يؤمن بهذا الكيان. متى حصّنّا جنوبنا بقوانا العسكريّة الشرعيّة، ورسّمنا حدودنا الدوليّة وفقًا للقوانين والأعراف الدوليّة، نستطيع أن ننصرف إلى مراقبة حدودنا للذّود عنها متى تمّ التعدّي عليها.

 

ويكفي أن نستذكر حادثة العديسة في 3 آب من العام 2010 التي تمّ قتل فيها قائد كتيبة مدرّعات إسرائيلي برتبة مقدّم، وجرح قائد سريّة احتياط برتبة نقيب وجندي، مقابل استشهاد ثلاثة عسكريّين من الجيش اللّبناني ومراسل صحفي وإصابة أربعة عسكريّين ومدني. وذلك على أثر اختراق وحدات عسكريّة إسرائيليّة ما يعرف بالخطّ التقني لاقتلاع بعض الاشجار بهدف تركيب كاميرا للمراقبة. هذه الحادثة هي نموذج حيّ عن مدى جهوزيّة جيشنا.

 

فلا يحاولنّ أحد بعد اليوم زرع الشكّ في نفوس اللبنانيّين لزعزعة ثقتهم بجيشهم الوطني. هذا الجيش الذي تعمّد بالنّار في محاربة الارهاب من نهر البارد إلى عرسال فمعركة الجرود. كلّنا ثقة به، ولنا ملء الثقة والقناعة بأنّ قيام الدولة القادرة القويّة وحده يسحب الذّرائع والفتائل كلّها. ولن نتجاوز اتّفاقيّة الهدنة بين لبنان وإسرائيل الموقّعة في 23 آذار من العام 1949، ولن نسمح باستفرادنا في عمليّة سلام تحت أي ضغوط اقتصاديّة كانت أو أمنيّة. فمن يريد أن يدخل التاريخ تحت ما عرف بصفقة القرن فليدخله من غير حساب بلد الأرز. ألا يحقّ للبنان أن يعيش بسلام مع نفسه من دون توقيعه مع الآخرين؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل