
منذ تسلمه وزارة الإعلام، لم يخفِ وزيرها في حكومة تصريف الأعمال ملحم الرياشي قلقه من حجم الأزمة التي تعصف بالإعلام المكتوب في لبنان. لم يكتفِ برفع الصوت والتحسر على إقفال دار الصياد وقبلها جريدة السفير والبيرق وغيرهم من الصحف والمنشورات الورقية، بل بادر الى طرح الأفكار والحلول والمخارج في محاولة لإنقاذ السلطة الرابعة في لبنان، وهذا الجسم الذي يشكل الرياشي أحد أفراده. وما إن تسلّم وزارة الإعلام حتى قرر المباشرة بترجمة المشروع الذي كان يطمح إلى تحقيقه منذ زمن بعيد وهو حماية الحريات في لبنان التي يمثِّل الجسم الصحفي عمودها الفقري.
فأولوية الرياشي حماية الحريات والدفاع عنها، وحماية الفكر في لبنان والتعدد والتنوع، وبالتالي الحفاظ على دور لبنان وقيمته على هذا المستوى، الأمر الذي دفعه إلى إنقاذها عبر مجموعة إعفاءات تسمح لها بالانتعاش، وفي اللحظة التي أعد فيها مشروعه جال على الرؤساء الثلاثة والكتل النيابية والأحزاب دفاعا عن هذه الفكرة التي من دونها يفقد لبنان ميزته ورسالته.
ولأن الحال في لبنان “تصريف أعمال”، وكي تسير الأمور في الآلية الدستورية حتى تصبح قابلة للتطبيق، تقدم عدد من أعضاء تكتل الجمهورية القوية باقتراح قانون الرياشي لمساعدة الصحافة الورقية عبر تعديل بعض مواد القوانين المتعلقة بالرسوم البلدية والمالية والجمركية.
وتضمن اقتراح القانون إعفاء الرسم على الاعلانات التي تنشر بواسطة المطبوعات المرخصة من الخضوع لضريبة الرسوم والعلاوات البلدية والضريبة على القيمة المضافة، وإعفاء المؤسسات الإعلامية المكتوبة من الرسوم والعلاوات الملحقة بها الأبنية التي تستفيد من الإعفاء من الرسوم على القيمة التأجيرية بما فيها الأبنية التي تنشئها المؤسسات الاعلامية، وإعفاء المؤسسات الإعلامية المطبوعة ايضاً من الرسوم المفروضة على استهلاك الماء والكهرباء والهاتف الثابت والانترنت، وتستثنى من احكام المادة 295 من قانون الجمارك جميع الحاجيات التي تستوردها وسائل الاعلام سواء كانت تجهيزات ام معدات ضمن شروط محددة.
يؤكد عضو تكتل الجمهورية القوية النائب فادي سعد ان التحديات التي تعصف بالصحافة الورقية وتحوّل الإعلام الى رقمي، دفع التكتل الى تقديم اقتراح قانون يساعد هذا القطاع على الإستمرار على الرغم من المشاكل والتحديات الكثيرة التي يعاني منها. ويلفت في حديث خاص لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني الى أن “الجمهورية القوية” لا يفرق في المعاناة بين قطاع وآخر، وكما تقدم باقتراحات قوانين معيشية، هو اليوم بصدد دراسة اقتراح قانون يتعلق بالقطاع الصناعي، وكذكل الأمر بالنسبة اليه لقطاع الإعلام والصحافة المكتوبة.
ويرى سعد أن التعديلات المقدمة بسيطة ولا تمس خزينة الدولة أو مدخولها، إنما دعم صغير تمثل ببعض الإعفاءات تقدمها الدولة للإعلام المكتوب الذي يشكل جزءا اساسياً ورمزاً من هويتنا اللبنانية. ويتابع، “قد يكون اقتراح القانون هذا معنوياً، لكنه مفيد في عصر تطغى فيه الالواح الإلكترونية وإعلام الـOnline والـNotification على ما عداهما”.
ويعطي سعد صورة مبسطة عن اهمية دعم الصحافة الورقية بالقول، “قد يطاول اقتراح القانون هذا والدي وصديقه ووالدك وصديقه، هؤلاء الذين أمضوا حياتهم يقرأون الجريدة مع فنجان القهوة. نعلم تماماً أن الصحافة الورقية تعاني في كل دول العام، وحتى لو كنا على قناعة بأن مقومات استمرار هذا القطاع صعبة، إلا ان دعمها بالنسبة الينا يبقى جزءا من إصرارنا على المحافظة على تاريخنا”. يتوقع النائب سعد أن يدرج اقتراح القانون في وقت قريب، ويكشف عن وعد تلقاه تكتل الجمهورية القوية من رئيس المجلس النيابي بالمناقشة السريعة.
يستبعد أن تكون هناك معارضة شديدة للإقتراح أو محاولات لتطييره، ويؤكد في الوقت عينه أن الامور اليوم باتت منطقية اكثر في المجلس النيابي، موضحاً، “ليس بالضرورة ابداً ان يصوت خصمك في السياسة ضد اقتراح القانون لمجرد أن القوات تقدمت به، المقاربات اختلفت وسيكون التصويت طبقاً لاقتناع الكتل بجدوى هذا الإقتراح أو عدمها”.
ويلفت الى أنه من الطبيعي ألا يلقى هذا الإقتراح موافقة الجميع، مبدياً استعداد التكتل لإدخال بعض التعديلات عليه كي يسلك طريق التنفيذ. ويوضح سعد أن “هذا الإقتراح حمل لؤاءه وزير الإعلام في حكومة تصريف الأعمال ملحم الرياشي الذي وجد حاجة في مساعدة اصحاب المؤسسات الإعلامية والعاملين فيها، ولأننا في حكومة تصريف أعمال، تقدمنا كتكل بهذا الإقتراح”.
رئيس تحرير صحيفة اللواء صلاح سلام يبدي تفاؤله لان احداً بادر الى عرض المشكلة وحاول إيجاد الحلول المنطقية لها، ويروي لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني أن الوزير ملحم الرياشي وضعه في أجواء ما كان يعده لمساعدة الصحافة الورقية. مقاربة سلام لوضع الصحافة المكتوبة يفندها بنظرة الصحفي، “على الحكومة أن توقف الهدر الحاصل في الكهرباء وفي القطاعات الإنتاجية الاخرى، وتحد من الصفقات والسمسرات غير الشرعية، وهذا يكفينا وبزيادة”.
يأسف سلام لأن أسعار الإعلانات الرسمية لم تتغير منذ أكثر من عشر سنوات، ويطالب بإعادة تقيمها، لانه منذ 10 سنوات حتى اليوم، تغير الحد الادنى للأجور وارتفع مستوى التضخم بشكل كبير.يوضح، “إذا أرادت وزارات اليوم والإدارات الرسمية القيام بحملة ما، يرسلون إلينا إعلانات ملونة ويطالبوننا بأن تكون هذه الحملة من ضمن مساهمة الصحيفة. نعم، مستعدون للمساهمة ولا مشكلة لدينا في ذلك، لكن أنتم المعنيون بوزاراتكم، ادفعوا ثمن هذه الإعلانات كي تكون مورداً شرعياً للصحافة الوطنية التي تقوم بواجباتها على اكمل وجه”.
يشدد رئيس تحرير اللواء على ان التعديلات التي لحظها اقتراح القانون يمكن ان تشكل دعماً للمؤسسات الإعلامية المكتوبة، لكنه يصر في المقابل على ان هناك العديد من الموارد التي يمكن الحصول عليها كدعم لتمويل الصحافة ومن دون فرض ضرائب جديدة. ويشير إلى أن “حكومات العالم باتت تقدم دعماً للإعلام لاسيما في السنوات الأخيرة بعد تعثر الإعلام المكتوب في كل العالم، ويكون هذا الدعم جزءا من الميزانية العامة للدولة، فما المانع أن يحصل هذا في لبنان ايضاً”؟
نعم. دخلت الصحافة الورقية في لبنان، كما العالم، دائرة الخطر، لكن هذا القطاع لطالما شكل واجهة لبنان الثقافية والديمقراطية، والمحافظة عليه واجب اخلاقي ومعنوي.
