أزمة وطن بين السفسطائية والمعرفة السقراطية 


اعتبرت السفسطائية اليونانية المعرفة العقلية غير موثوق بها كونها مقيدة بادراك ظواهر الاشياء بحكم الحواس ما جعلها تعتبر ان الحقيقة تبقى نسبية وغير مطلقة لانها نابعة من عقل نسبي، لا يرى الا الحقائق التي يريدها لا تلك المطلقة .

ففي لبنان واقع مؤلم يختصر في ان فريقاً من اللبنانيين يعتبر الحقائق نسبية وكل معرفة محكومة بمدى تطابقها او خدمتها لمصالحه …

 

بعد ان اصبح الوطن وسيلة والدولة وجهة نظر والدستور اجتهاد، من الطبيعي ان تزول المعرفة اليقينية لبديهيات قيام البلد .

اين نحن اليوم من وطن نرى الغريب البعيد حريصاً عليه اكثر من ابنائه؟

اين نحن من وطن لا نبالي ان اسقطناه على رؤوسنا ان لم تتحقق مأربنا وحساباتنا الضيقة؟

اين نحن من وطن بطل فيه مرجع حق وعدل يقول كلمته ليفصل بين الحق والباطل، بعدما اصبح ميثاق البعض كسباً او نقاطاً يسجلها في مرمى الاخرين وباتت مصالح الشعب وهيبة الدولة وصرامة القانون في مهب رياح النكاية والارتجال والغرف المغلقة؟

اين نحن من وطن باتت القوة المادية رديفة للشرعية والمشروعية المنتزعة من اعماق الضمير الجماعي، فيما الحق مغيب والحقائق المطلقة عبيدة المحاور وصراعات الاخرين؟

 

كيف ننقذ لبنان مما يعانيه ومما يحاك له ان لم نقرر كلبنانيين ان نعرف دورنا فيه ودوره فينا وفي وجودنا وفي مسيرتنا كمجموعات بشرية وعائلات حضارية متعايشة تحت سماء واحدة وهواء واحد وعلى ارض واحدة ؟

بعض اللبنانيين فقد معرفته بنفسه فعجز عن معرفة وطنه. فلا الاخلاق بقيت ولا المنطق بقي ولا المواطنة بقيت .

 

عندما تنتفي الاخلاق ويغيب المنطق وتفقد صلة المواطنة، يقول الفيلسوف جان جاك روسو، ينتفي العقد الاجتماعي وعندها تعود كل مجموعة بشرية الى حقوقها البدائية وتسترد حريتها الطبيعية على حساب الحرية العامة الجامعة فتضيع الهوية الجامعة وتتشتت الولاءات والاولويات.

تماماً كما هو حال لبنان اليوم: طبقة سياسية في قسمها الاكبر تعود الى مربعاتها الاولى من التقوقع الفكري والوطني غير آبهة بدولة بنيت منذ 75 عاماً لتكون هي الغاية والهدف والملجأ والمبتغى. عند كل محطة دستورية او وطنية، مخاض وسقوط في المجهول، فيما الشعب يرزح تحت وطأة الفاقة والعوز والحرمان وصناديق الدولة المنهوبة تزداد عجزاً ونقصاً وهدراً.

انها ازمة وطن، وجوداً وكينونة واستمرارية، انها ازمة حكام ومحكومين، ازمة نضج انساني اولا وثقافي ثانياً.

 

في فرنسا انتفض شعب بستراته الصفراء ففرض على الحاكم تصحيح الاخطاء وتطوير شروط الحياة اليومية ومعيشتها، اما في لبنان فقمصان سود وعقل اسود وفكر ثقافي اسود يشل حركة التقدم ويعرقل امكانيات التطور والعصرنة والاصلاح وتحسين الحياة اليومية للمواطن ومعيشته .

لكل كائنات الارض ومخلوقاتها قوانين الا لدى بعض اللبنانيين. فلا قوانين بل مصالح، والمصالح لا تصح قانوناً للحياة العامة  لانها تقاس بالحاجات الضيقة والانانية والحاجات مؤقتة ومتبدلة.

 

اي وطن نبني وندير عندما يبنى على المصالح الفئوية لا المصلحة العامة؟

اي وطن نبني وندير عندما يكون الخارج متحكم بتنفسه وحياته او موته؟

لا بل اي كرامة وطنية  ونحن من يستجدي العالم لمساعدتنا وفي الوقت عينه لا نساعد انفسنا الا…على انفسنا؟

الم يصدق قول افلاطون عندما اعتبر ان وحدهم الفلاسفة الحكماء جديرون بحكم الجمهورية؟

لبنان يا سادة وطن في ازمة معرفة حقيقته، لا بل ازمة معرفة نفسه. فلو كان للوطن لسان لما طرد بعض ابنائه من هيكله.

لذلك يبقى اي مدخل لانقاذ الوطن مما هو عليه ومما سوف يأتيه نقاش وطني عام، نعود من خلاله الى الرد على  السؤال الكبير:  “من نحن لوطننا، وهل وطننا لبنان لنا جميعاً… حقا؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل