سوريا أرض كل الحروب والمواجهات

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يريد أن يجتاح شمال سوريا وتطهيره من “الإرهابيين الاكراد” اليوم قبل الغد. لكن ليس كل ما يريده المرء يحصل عليه، حتى ولو كان أردوغان ومعه كل تركيا، خصوصا في سوريا المقسمة ميدانياً ونفوذاً سياسياً وعسكرياً بين إيران وروسيا وأميركا وقوى رديفة من فرنسا وبريطانيا. الأسوأ أن لإسرائيل التي رفضت منذ البداية إسقاط الأسد ونظامه الذي حافظ على سكون الجولان الذي ورثه عن أبيه حافظ الأسد، دوراً عسكرياً يجري بالتنسيق مع موسكو…

 

مشكلة أردوغان الأولى ليست مع موسكو وإنما مع حليفته الاستراتيجية الولايات المتحدة الاميركية. ذلك اذا كان أردوغان يعتبر شمال سوريا موطن الاكراد والعرب، جزءاً من أمن بلاده تركيا ، فإن حواجز وموانع اميركية تحول بينه وبين اجتياح هذا الشمال بحرّية…

 

واشنطن التي لم تكن ترغب ان تمسك “الكستناء” السورية بيديها، عادت على الأرجح تحت ضغط البنتاغون الى الانخراط في صناعة مستقبل سوريا والمنطقة معها، وهي مطمئنة الى أن لا أحد سيدخل في مواجهة معها خصوصاً موسكو. ولا شك أن أبرز مرتكزات هذه العودة، في الانتشار السريع عسكرياً على امتداد الشمال وخارجه، نشر قواعد عسكرية متفاوتة في نشاطها.

 

“وكالة سبوتينك “الروسية، نشرت خريطة مفصلة للقواعد الاميركية الموزعة على المفاصل الاساسية والاستراتيجية. ومن الطبيعي جداً ان هذا النشر هو في احد أهدافه تعميق التوتر وصولاً الى الخلاف بين اميركا وتركيا، لان ذلك يمكنها من استثماره في دفع تركيا الى الابتعاد عن واشنطن وبالتالي الاقتراب منها أكثر فأكثر. وضمن هذا التوجه “البوتيني” فإن الجنرال غيرامسوف رئيس أركان الجيش الروسي عمل على “صب الزيت على نار القلق التركي” فقال “ان الاميركيين يعملون على انشاء كيان كردي في شمال سوريا”، لترسخ وجودها على شاطئ المياه الدافئة للبحر الابيض المتوسط، فيكون الرئيس بوتين هو محقق حلم روسيا منذ القياصرة. وما ذلك سوى لان تواجده هذه المرة مختلف كثيراً عن تواجده السابق الذي دفع ثمنه في مصر باهظاً، بينما في سوريا الآن وجوده حاجة سوريّة لا يمكن ببساطة ان يرحل بناء لطلب. أما أبرز القواعد الاميركية الأربع عشرة فهي :

 

* قاعدتان في ديريك تضمان افواجاً من قوات الانزال ومدرجاً لهبوط طائرات النقل العسكرية.

 

* تل سمن للتنصت السلكي واللاسلكي.

 

* الجلبية وتحتوي على ٤٠ طائرة نقل عسكري ومدرج للطائرات مهم وقاذفات وأسلحة حديثة.

 

* التنف وهي أساسية في موقعها الاستراتيجي لانها “القفل والمفتاح” للحدود المشتركة للعراق وسوريا وتشكل الممر الطبيعي للإمدادات الايرانية الى سوريا.

 

* تل تمر وتضم ٢٠٠ جندي أميركي و٧٠ جندياً فرنسياً.

 

* قاعدتان في منبج وحلب.

 

* نشرت ابراج مراقبة على طول الحدود السورية ـ التركية.

 

الى ذلك، فإن التعاون الأميركي مع قوات “سوريا الديموقراطية” وصل الى حدود الشراكة الكاملة ولم يبق سوى ان تعلن واشنطن ان الاقتراب من الشمال السوري خط احمر. فماذا يمكن لأردوغان ان يفعله ليصطدم مع الاميركيين ام تبقى العملية كلها مجرد قرع على طبول حرب مستحيلة؟… ويبدو ان الرئيس أردوغان واعٍ لهذه الحالة التي تشكل حقلاً من الألغام، لذلك عاد وترك “الباب موارباً” مع واشنطن حتى لا يواجه بتراجعه امام هذا الخطر الكبير على الأمن القومي مع الأتراك فقال “ان الشراكة مع اميركا تتطلب طرد الجماعات الإرهابية”…

 

سواء نفّذ أردوغان تهديده أم لم ينفّذ فإن سوريا أصبحت أرض كل الحروب والمواجهات وتصفية الحسابات لسنوات طويلة. ولا شك ان صياغة الشرق الاوسط تجري في سوريا ومنها باعتبار ان “اتفاق سايكس ـ بيكو “فقد موقعه ودوره”، ولذلك فإن التنافس بين القوى سواء كانت دولية او اقليمية شديداً وعميقاً، حتى يكونوا حاضرين وشركاء في اقتسام المنطقة وأخذ حصصهم دون اي حساب فيه للرحمة على الشعب السوري

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل