2019… عام سعيد؟ (2)


كتب نجم الهاشم في “المسيرة” ـ العدد 1690

 

إذا كان العام 2016 انتهى إلى انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية، وإذا كان العام 2017 هو عام محاولة استعادة الثقة مع حكومة الرئيس سعد الحريري قياسًا على الإستفادة من مفاعيل التسوية الرئاسية وعام إقرار قانون جديد للإنتخابات من أجل تجديد الحياة السياسية، وإذا كان العام 2018 عام هذه الإنتخابات التي أفرزت نتائج جديدة، فإنه شهد انهيار الثقة بإمكانية استعادة الثقة بعد العقد التي واجهت عملية تأليف الحكومة الجديدة التي اعتبر الرئيس عون أنها ستكون حكومة عهده الأولى بعدما استهلك عامين من عمره دخل فيهما لبنان مرحلة الخطر الحقيقي، حيث أنه بعد أعوام على الإستقرار في سعر صرف الليرة بدأ اللبنانيون يشعرون أن هذا الإستقرار مهدد نتيجة عدم الإستقرار السياسي. فهل سيتمكن العهد من تصويب البوصلة في العام 2019؟ أم أن الوضع سيتجه نحو المزيد من الإنهيار على مختلف المستويات؟

 

كان من المنتظر أن يستثمر العهد نتائج الإنتخابات من أجل تحقيق ما نادى به لجهة أن حكومة ما بعد الإنتخابات ستكون حكومته الأولى لتشكل بالنسبة إليه إنطلاقة جديدة من أجل بلورة شعار الإصلاح الذي رفعه. ولكن النتيجة لم تكن على قدر التمنيات. بسهولة مرت عملية تسمية الرئيس سعد الحريري رئيسًا مكلفاً تشكيل الحكومة. وإذا كانت هذه البداية أوحت أن مهمة التأليف ستكون سهلة كما عملية التسمية فقد أظهرت الوقائع أنه مهمة شبه مستحيلة.

 

عقدتان أساسيتان واجهتا الرئيس المكلف وتتعلقان بمحاولة تحديد تمثيل «القوات» والحزب التقدمي الإشتراكي في الحكومة. حاولت «القوات» أن تتفاهم مع باسيل على تطبيق الإتفاق السياسي في تفاهم معراب، ولكن قراره كان واضحا بالتخلي عنه والإنقلاب عليه واضعًا معايير للتشكيل تتناسب مع طموحاته السياسية التي تصب في معركة انتخابات رئاسة الجمهورية، وقد أشار الرئيس عون إلى هذا الأمر عندما قال في حديث صحافي إن الهجوم على باسيل مرتبط بكونه مرشحًا قويًا للرئاسة. ومن هذه الخلفية تم رفض إعطاء «القوات» وحلفائها ستة وزراء وتم رفض أن تكون من حصتها وزارة سيادية أو أساسية. وكل ذلك كان بهدف إحراج «القوات» لإخراجها.

 

على جبهة رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط كانت المعركة محصورة بأحقيته في احتكار التمثيل الدرزي، بينما كان النائب جبران باسيل يطالب بتوزير النائب طلال إرسلان بعد تزويده بكتلة نيابية تضم إليه ثلاثة نواب من التيار الوطني الحر. ولكن تم تجاوز هذه العرقلة بعدما وضع جنبلاط حل هذه المسألة بعهدة رئيس الجمهورية بحيث يسمّي وزيرًا درزيًا غير إرسلان.

 

«حزب الله» الذي حدد مطلبه منذ البداية مع حركة «أمل» بوزارتي المالية والصحة لم يظهر علناً تمسكه بمطالب أخرى، ولا سيما ما يتعلق منها بحلفائه، باستثناء منح حقيبة الأشغال والنقل إلى تيار «المردة».

 

في 26 تشرين الأول قبل أيام من موعد انتهاء العام الثاني من عمر العهد كان هناك رهان على أن تولد الحكومة قبل هذا الموعد. بعد فشل محاولات تشكيل حكومة بمن حضر لإخراج «القوات» منها وافقت «القوات» على أن تكون حصتها في الحكومة نائب رئيس مجلس الوزراء ووزارات العمل والثقافة والشؤون الإجتماعية، ولكن سريعًا ظهر ما لم يأخذه العهد بالحسبان. بعدما كان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله دعا إلى عدم استباق الأمور وتحديد مواعيد لتشكيل الحكومة مطالبًا بتمثيل النواب السنّة الستة المحسوبين عليه من خارج دائرة تيار المستقبل، وبعدما كان رئيس الجمهورية أعلن ليلة 31 تشرين الأول أن هؤلاء لا يشكلون كتلة ولا يحق لهم أن يتمثلوا في الحكومة، عادت عملية التشكيل إلى المربع الأول وبدأت المشكلة تدور بين ثلاثة أطراف: رئيس الجمهورية والوزير باسيل من خلال إرادة الإحتفاظ بالثلث المعطل ورفض أن يتمثل النواب السنّة الستة من حصة الرئيس، الرئيس المكلف سعد الحريري الذي رفض القبول بتسمية أي من هؤلاء و»حزب الله» الذي بقي متمسكاً بعدم تسليم أسماء وزرائه الثلاثة في الحكومة ما لم تحل قضية النواب السنّة الستة.

 

في خلال هذا الوقت الضائع لم تكن «القوات اللبنانية» تضيع الوقت. بعد الإنتخابات النيابية بدأ الحديث عن تحقيق تقدم ملموس في التفاهم مع تيار «المردة» عن لقاء لم يعد بعيدًا بين رئيس «القوات» سمير جعجع ورئيس «المردة» سليمان فرنجية. بينما الجميع كان منشغلاً بعقدة النواب السنّة الستة واتهام «حزب الله» بتعطيل العهد، كان الصرح البطريركي في بكركي يشهد على المصالحة التاريخية بين «القوات» و»المردة» في 14 تشرين الثاني الماضي. ذلك المشهد خطف الأضواء تمامًا كما خطفها يوم 18 كانون الثاني 2016 عندما زار العماد عون معراب لإعلان التفاهم مع «القوات». ومن هذه الزاوية انطلقت عمليات التشكيك بصمود هذه المصالحة وخلفيتها، وهل هي رد على انهيار الإتفاق السياسي مع التيار الوطني الحر والوزير جبران باسيل، وهل هي تتعلق بانتخابات رئاسة الجمهورية في العام 2022؟

 

لم تقترن هذه المصالحة بأي تفاهم سياسي. أراد «القوات» و»المردة» أم تبقى في إطارها الوجداني وفي تجاوز الماضي إلى بناء المستقبل، وإن كانا معًا خاضا مواجهة التمثيل السياسي النيابي وداخل الحكومة مع الوزير باسيل. وإذا كان باسيل اعتقد أن العهد يكون قويًا بتحجيم القوى المسيحية الأخرى، فقد كان مخطئاً في ذلك لأنه خسر التفاهم مع «القوات» والعلاقة مع «المردة» ولم يربح في المقابل حيث وجد نفسه مضطرًا للتنازل أمام مطلب «حزب الله» تمثيل النواب السنّة الستة على قاعدة المفاوضات التي تولاها مدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم، والتي قامت على أساس قبول الرئيس الحريري بتوزير من يمثلهم، وقبول الرئيس عون بأن يكون هذا الوزير من حصته، وبالتالي عدم الإحتفاظ بالثلث المعطل داخل الحكومة.

 

بعد ذلك هل يمكن تسمية هذه الحكومة حكومة العهد الأولى؟ أم أنها حكومة يشترك العهد فيها بحصة تجمعه مع التيار الوطني الحر بدل أن يكون كل الوزراء من حصته؟ هل كان من الأفضل للوزير باسيل أن يتمسك بتطبيق تفاهم معراب وزاريًا أم أن يتخلى عنه؟ لماذا يقبل التنازل أمام «حزب الله» ولا يقبل استمرار التفاهم مع «القوات»؟ هل خسر باسيل تفاهم معراب من دون أن يعوّضه بشيء تفاهم مار مخايل مع «حزب الله»؟ وبماذا أفاد الوزير باسيل العهد من خلال معاركه الكثيرة في تشكيل الحكومة؟ وهل هذا هو العهد القوي الذي رفع لواءه وشعاره؟ هل هكذا يكون العهد قويًا؟

 

بعد كل ذلك، ماذا يمكن أن تحقق الحكومة الجديدة؟

في مقارنة بسيطة مع حكومة الرئيس سعد الحريري التي شكلت بعد انتخاب عون رئيسًا، يبدو أن ظروفها كانت أفضل والفرص التي أعطيت لها كانت أكبر. تداعيات عملية تشكيل الحكومة الثانية بعد انتخابات 6 أيار ستكون لها انعكاساتها السلبية على أدارة العمل الحكومي والتصدي للملفات الصعبة. إذا كانت حكومة العهد الأولى وضعت هدفاً لها استعادة الثقة، فإن الحكومة الثانية في عهد الرئيس عون تدخل إلى السراي في ظل أمل مفقود وثقة ضائعة.

 

قبل عامين كان هناك أمل بأن يكون انتخاب عون رئيسًا للجمهورية بداية جيدة للإصلاح ومحاربة الفساد واستعاد سيادة الدولة والحكومة على كامل القرار السياسي والأمني. بعد عامين استعاد اللبنانيون القلق على سعر صرف الليرة. هل سيبقى ثابتاً أم سينهار أمام الدولار؟ يحصل ذلك بعد عامين من انتخاب الرئيس عون وبعد 25 عامًا تقريبًا على استقرار سعر الصرف.

 

قبل عامين كان هناك أمل بأن يبدأ تقليص الدين العام وحل أزمة الكهرباء. بعد عامين تتم معاقبة أصحاب مولّدات الكهرباء لأنهم أطفأوا محركاتهم ورفضوا أن يركبوا العدادات.

قبل عامين كان هناك أمل بأن تبدأ عودة النازحين السوريين إلى بلادهم. بعد عامين جرت محاولات التطبيع مع النظام السوري وبقي النازحون.

 

قبل عامين كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يدخل إلى البيت الأبيض. بعد عامين أطلق ترامب استراتيجيته الجديدة على مستوى المنطقة متخليًا عن الإتفاق النووي مع إيران وفارضًا المزيد من العقوبات عليها وعلى «حزب الله» في محاولة لرسم خارطة جديدة للمنطقة تبدأ بالتفاهم حول إنهاء الحرب في اليمن ووضع دستور جديد لسوريا في مرحلة انتقالية تنتهي إلى إعادة تركيب السلطة بعد انتخابات جديدة.

في ظل كل ذلك كيف سيتجاوز لبنان استحقاقات العام 2019؟

لا شك في أنها ستكون سنة صعبة. فهل ستكون الحكومة على مستوى هذه التحديات؟ وكيف سيتصرف العهد القوي؟

إقرأ أيضاً: 

2019… عام سعيد؟ (1)

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل