لبنان في “الدائرة الحمراء” بعد قرار ترمب

شكل قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بانسحاب القوات الاميركية من سوريا وبدء التنفيذ، مفاجأة غير سارة لمختلف اللاعبين على الساحة السورية، سواء من حلفاء الولايات المتحدة أو من خصومها، بغض النظر عن المواقف العلنية المرحّبة أو المعارضة. وذلك بما يعنيه من فرض عامل جديد على الاطراف كافة، لم تكن مستعدة تماما للتعامل معه، على الرغم من اشارات ترمب السابقة في هذا الخصوص.

وفي حين من المبكر بعد القفز الى قراءات وخلاصات نهائية للنتائج التي سيفضي اليها قرار ترمب، يمكن القول إن الانسحاب الاميركي فتح الصراع في سوريا على احتمالات شتى وفي كل الاتجاهات. وما لا شك فيه أيضا، أن المنطقة دخلت في منعطف مفصلي مفتوح على مصراعيه على “المفاجآت”.

نادر: الخوف أن يكون لبنان ساحة المواجهة

المحلل السياسي الخبير في شؤون المنطقة سامي نادر يعتبر أن قرار ترمب يطرح فرضيات عدة، منها، أن يكون تم بالتنسيق مع روسيا وتركيا. ويلفت الى أن القرار يأتي مباشرة بعد الاتصال الهاتفي بين ترمب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، مشيرا الى مسارعة روسيا الى التعليق إيجابا، واعتبارها أن قرار الرئيس الأميركي يمكن أن يفتح الباب لتسريع التسوية السياسية في سوريا!

ويضيف في حديث لموقع القوات اللبنانية الاكتروني، أنه من المبكر الاستنتاج حول مقومات هذه التسوية، خصوصا مع وجود “Elephant in the room” والمقصود إيران، المرشحة للاستفادة من الانسحاب الاميركي الأحادي، والعودة للتوسع والتمدد بشكل مريح لإقامة الجسر البري الذي لطالما حكي عنه ويربط طهران بالمنطقة، والذي كانت الولايات المتحدة تقطعه شرقي الفرات.

ويوضح المحلل السياسي ذاته، أنه في ظل هذا المعطى الجديد وارتفاع امكانية تمكُّن ايران من اعادة وصل هذا الجسر البري، يمكن عندها الاستنتاج حول ردة فعل اسرائيل المحتملة، خصوصا أن اسرائيل حاولت، في الأمس، بناء ملف، وقدّمت مرافعة أمام مجلس الأمن الدولي شددت فيها على التهديدات الايرانية لأمنها وانفاق حزب الله على الحدود الجنوبية.

ويرى نادر أن قرار الرئيس الاميركي يرفع منسوب احتمال قيام اسرائيل بعملية عسكرية لمواجهته، لأنه في مكان ما يقوّي ويعزز التمدد الايراني في المشرق، الامر الذي لن تسلم به اسرائيل بسهولة، محذرا من الأخطار التي يرتبها على لبنان والخوف من أن يكون ساحة المواجهة.

العميد الحلو: هل ثمة صفقة بين ترمب والايرانيين؟

من جهته، يعرض العميد المتقاعد خليل الحلو في حديث لموقع “القوات”، لسلسلة وقائع. ويذكر ان قرار ترمب بالانسحاب من سوريا ليس الأول من نوعه، إذ أعلن في نيسان الماضي عن قرار مشابه، لكنه لم يصدر الامر بتنفيذه، بعدما تكفلت بعض الدول العربية، خصوصا السعودية، بكامل الرواتب والمجهود الحربي للقوات المنتشرة شرقي الفرات والتي تتألف من أكراد وعرب سنّة، لافتا الى ان الخلاف السعودي التركي أدى بالمملكة ان تكون أحد الاطراف المساندة لـ”قوات سوريا الديمقراطية” والتكفل بدعمها.

ويشير الى ان ترمب يمارس هذه السياسة مع كل حلفائه، مذكرا بهجومه حتى على حلف شمال الاطلسي (الناتو)، لأن دوله لا تلتزم بصرف الموازنة المفترضة لشؤون الدفاع البالغة 2 بالمئة من الدخل القومي لكل دولة، ما يضطر واشنطن الى التعويض. إلا أنه بعد تكفل السعودية بالمجهود الحربي، تغير الموقف الاميركي وعاد الاعلان عن بقاء القوات الاميركية في سوريا.

ويقول انه بعد اعلان ترمب الانسحاب في نيسان الماضي، هاجم الروس والنظام السوري والايرانيون مناطق درعا والجولان واستعادوها. وبدأت إيران والنظام العمل على العشائر العربية السنية شرق الفرات لإقناعها بأن مصلحتها تكمن بالانضمام الى هذا المحور لأن الأميركيين سيرحلون في النهاية، في محاولة لزرع الخلاف بين العشائر والاكراد وشق صفوفهم.

ويتابع، لكن محاولات ايران والنظام فشلت في حينه، لأن الاميركيين قاموا سريعا بجولات مضادة واستعادوا السيطرة على الوضع وأبلغوا العشائر العربية أن قواتهم باقية في سوريا طالما ايران و”داعش” بقيا، وأكدت واشنطن على موقفها عبر تصاريح علنية عدة.

يضيف، صحيح كلام ترمب عن نهاية “داعش” كدولة بعد سيطرة “قسد” على آخر معقل له شرق دير الزور قبل أيام بعد أكثر من 300 غارة أميركية. لكن تصريحه هو نوع من اللعب على الكلام، لأن “داعش” التنظيم السري والخلايا النائمة في سوريا والعراق والعالم العربي وفي العالم لا يزال موجودا، والجميع يعلم ذلك.

والأمر ذاته بالنسبة للإيرانيين، يتابع العميد الحلو، الذين لا يزالون في سوريا على الرغم من الضربات الاسرائيلية خلال هذا العام والتي بلغت نحو 240 غارة، والتي أدت الى تدمير كل المنشآت الايرانية التي تعتبرها اسرائيل مصدر خطر عليها، مثل قواعد الصواريخ وغرف العمليات والقيادة والسيطرة فضلا عن العمليات الخاصة وغيرها. صحيح أن الوجود الايراني بات أقل من السابق لكنه لم ينته.

ويعتبر الحلو أن علامة الاستفهام الكبيرة تتعلق بمعبر التنف حيث السيطرة الاميركية المباشرة، والذي يشكل أحد المعابر الثلاثة الاساسية التي تربط العراق بسوريا وتسمح بتمرير عشرات الأطنان من الذخائر والاعتدة والمواد العسكرية، اضافة الى الطريقين الاساسيين شرق سوريا، وتقع كلها تحت سيطرة القوات الاميركية وحلفائها. وفي حال انسحب الاميركيون منها، فهذا يعني منطقيا ونظريا أن الطريق بين طهران وبيروت باتت مفتوحة بشكل تام وواضح. فالنقل البري يسمح بتمرير السلاح والذخائر والصواريخ وغيرها بما لا يقاس مع الطرق البحرية والجوية.

ويلفت الى أن من الواضح أن ترمب لم ينسق قراره مع حلفائه الفرنسيين والبريطانيين الذين أعلنوا عن بقائهم في المناطق الكردية، واعربوا عن عدم موافقتهم على أن “داعش” انتهى وأنه لا يزال موجودا. وبالتأكيد هو لم ينسق قراره مع السعودية بأي من الأشكال.

ويرى الحلو أنه على ضوء هذه الوقائع نكون امام احتمالات عدة. واحدة منها، وجود صفقة بين ترمب وايران بعد رضوخها للمطالب الاميركية اثر الضغوط الكبيرة التي يعاني منها الاقتصاد الايراني نتيجة العقوبات الاميركية، مع تراجع تصدير النفط بنسبة تفوق الـ65 بالمئة والانهيار المتصاعد للعملة الايرانية.

ويؤكد ان ايران لا تستطيع مواجهة العقوبات، وهي بلا شك تحت ضغط من هذا النوع فتحت قنوات اتصال خلفية بينها وبين واشنطن، والامر لا يحتاج الى تحاليل وأدلة كبيرة. وفي حال وجود مثل هذه الصفقة وتعهد ايران بأنها ستخفف من وجودها وتدخلها في سوريا، تبقى مفاعيل خطوة ترمب محدودة ومضبوطة من ضمن اللعبة القائمة من دون ان تترك ذيولا كبيرة.

ولكن في حال عدم وجود مثل هذا الاتفاق، يضيف الحلو، فسوريا مقبلة على فوضى عارمة جدا، بعد الاستقرار النسبي الموجود مع “تحديد” مناطق السيطرة والنفوذ للقوى النافذة، الاميركية والروسية والتركية والايرانية. ولكن هذه المناطق ستصطدم ببعضها مع انسحاب العامل الاميركي.

ويوضح أن الانسحاب الاميركي يطرح علامات استفهام كبرى حول ردة فعل مختلف أطراف الصراع، وخريطة التحالفات أو المواجهات المحتملة المقبلة بين الاكراد والنظام وتركيا وايران وروسيا بعدما اصبحوا وجها لوجه نتيجة زوال العامل الاميركي. وكل سيناريو من السيناريوهات الممكنة يفرض ردود فعل في المقابل من قبل سائر الاطراف المتضررين.

وعن انعكاسات القرار الاميركي على لبنان، يلفت الى وجود العامل الاسرائيلي أيضا، اذ أعربت اسرائيل عن تفهمها لقرار الرئيس الاميركي ودفاعه عن مصالح بلاده، الا انها اكدت انها ستدافع عن مصالحها ايضا وتحمي امنها. وهذا يعني، وفق العميد الحلو، انها ستواصل تنفيذ الغارات على المواقع الايرانية في حال استغلت ايران الغياب الاميركي للتوسع والتمدد على الساحة السورية، ما يعني المزيد من التأزم الذي يضاف الى التأزم على الحدود الجنوبية مع حزب الله.

ويرى العميد الحلو أن الوضع يدخل اليوم “الدائرة الحمراء” ومنطقة الخطر. إما حرب واعادة تصعيد الضربات الاسرائيلية في سوريا على غرار ما كان يحصل، أو يمكن أن ينتقل الخطر الى لبنان، لافتا الى مفارقة، اذ ان الوجود الاميركي الذي يعتبر الروس انه يشكل عامل عدم استقرار في سوريا، هو بالفعل عامل استقرار، لأنه في ظل وجود توازن قوى على الارض ينشأ استقرار معين، ومع الانسحاب الاميركي ينكسر التوازن القائم.

ويشير الى ان “قوات سوريا الديمقراطية” تضم في صفوفها ستين الف مقاتل، وهؤلاء باقون. ولكن هل ستبقى المساندة الاميركية لهذه القوات بعد الانسحاب الميداني؟ وهل سيستمر تقديم السلاح والذخائر والغطاء الجوي لها؟ لأنه في حال حصول الاكراد على وعد بالإبقاء على الدعم الاميركي ولو من دون الوجود المباشر، عندها لن يتغير الشيء الكثير، لان ليس لدى تركيا الاستعداد للاصطدام بالأميركيين باي من الاشكال على الرغم من كل التهديدات التي يطلقها أردوغان وحكومته، خصوصا في هذه اللحظة مع الموافقة على صفقة صواريخ “باتريوت” الى انقرة.

ويضيف، اما اذا أزيل الغطاء الجوي الاميركي عن المناطق الكردية شرق الفرات، فلن تقتصر المواجهة المحتملة على الاكراد والاتراك بل ستتمدد لاحتمال التصادم مع ايران التي لا تخفي عدم ارتياحها للوجود التركي في سوريا، لافتا الى انه بذلك سنشهد تصاعد سخونة الوضع، لان العاملين التركي والايراني سيصبحان عندها وجها لوجه وعلى تماس مباشر في حال تمكن تركيا من السيطرة على مناطق شمال سوريا.

ويرجح العميد الحلو أن الاحتمالات تميل الى دخول المنطقة في دائرة الخطر الكبير والموقف يتجه نحو التصعيد، الا في حال وجود صفقات ما خلف الكواليس ستكشفها التطورات في الايام والاسابيع المقبلة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل