يبدو انّ الأمتار الأخيرة المتبقية في طريق ولادة الحكومة، أُريد لها ان تدخل من جديد في دوامة المقايضات، ومحاولات اللحظة الاخيرة من قِبل بعض شياطين التأليف، لتحسين الشروط وتحصين الحصص.
أبرزت تطورات الساعات الأخيرة، انّ البلد عاش وهماً موقتاً في انّ الحكومة الضائعة منذ 7 اشهر صارت على وشك ان تولد، وكثيرون أعدّوا أنفسهم لاستقبال المولود الحكومي يوم امس الجمعة، او اليوم السبت على ابعد تقدير، تبعاً للمواقف التي تدحرجت من اكثر من مستوى سياسي ورسمي، وفاخرت بأنّها تجاوزت العِقَد وانّ الحكومة صار محسوماً لها ان تكون عيدية الميلاد.
وحيال هذا الامر، لا يُلام المواطن إن جاهر بكفره بالطبقة السياسية التي تحكمه، والقت به في هاوية الأزمات، وهي الطبقة نفسها التي تتحكّم بمسار التأليف، وتضع شهواتها حاجزاً يمنع عبوره الى الهدف المنشود، وتقدّم له على مدار الساعة سبباً اضافياً لإشهار هذا الكفر، ولعلّ أردأها، هو الاستخفاف بحال البلد، والخفّة في التعامل مع الاستحقاق الحكومي، والتي تفتقد الى الجدّية والمصداقية.
توهّم الناس بولادة وشيكة للحكومة، لكن هذا الوهم سرعان ما تبخّر، مع الإدخال المريب لهذه الحكومة في بازار الحصص والأحجام من جديد. الامر الذي لا يثير فقط علامات استفهام في اجواء هذا الملف، بل اكثر من علامة اتهام لهذا المنحى الذي وضع عصا غليظة في عجلات التأليف. ولعلّ السؤال الذي يفرض نفسه امام هذا المُستجد: قيل انّ الحكومة على وشك ان تولد وانّ الامور حُلّت جميعها، ولم يتبقَّ سوى عقدة تمثيل «سنّة 8 آذار» في الحكومة، وقد تمّ حلّها بحسم اسم جواد عدرا وزيراً يمثل «اللقاء التشاوري»، فلماذا برز فجأة ما سُمّي بالتشويش على هذا الحل، ومحاولة انتزاع عدرا من «اللقاء التشاوري» وإلحاقه ضمن الحصّة الرئاسية المشتركة مع حصّة «تكتل لبنان القوي»؟ ومن أوحى بهذا الأمر؟ ولأي هدف؟ ولماذا الآن في هذا التوقيت؟
وأكثر من ذلك، لماذا أُعيد فجأة، فتح ملف الحقائب من جديد، بعدما كان حُسم منذ اشهر، والرئيس المكلّف سعد الحريري سبق ان قال اكثر من مرّة بأنّ صيغة حكومته قد أُنجزت ولم يتبقَّ لاكتمالها سوى أسماء وزراء «حزب الله»؟ ومن اوعز بإعادة فتح البازار؟ ولأي هدف؟
هذا المستجد يدفع الى احاطته بالتشكيك، وبالتساؤل عمّا اذا كانت هناك إرادة خفيّة بعدم تشكيل الحكومة، بحيث ما ان تُحلّ عقدة مستعصية، ما تلبث ان تظهر عقدة اكبر واكثر استعصاء؟
تطورات الساعات الاخيرة، كشفت انّ مسار التأليف محكوم بما وصفت «محاولات تشاطر» من قبل بعض القوى السياسية، إستحضرت من خلالها مجموعة من الشياطين وأدخلتها في عمق ما قيل، انّها تفاصيل اخيرة يجري حسمها قبل ولادة الحكومة. وقد توزعت هذه المحاولات في اتجاهين:
الأول، رفع الحصّة الرئاسية المشتركة مع حصّة «التيار الوطني الحر» الى 11 وزيراً، عبر إلحاق المرشح من قبل نواب سنّة 8 آذار للتوزير جواد عدرا، بهذه الحصّة. بحيث يكون عضواً في هذه الحصّة، وليس ممثلاً لهم، مع إبقاء هامش تنسيقي له بينه وبينهم.
هذا الامر، الذي سوّق له الوزير جبران باسيل، على حد ما يؤكّد أعضاء «اللقاء التشاوري» ومستويات سياسية اخرى، جاء وقعه في منتهى السلبية على «اللقاء التشاوري» مما وصفه بـ«محاولة لمصادرة مرشحه، وكذلك محاولة نسف كل بناء «اللقاء» في معركته للظفر بالتمثيل في الحكومة». وهو ما دفعه بالامس، الى اعلان الاستنفار السياسي، واتخاذ قرار حاسم له، بأنّ الاسم الذي سيسمّيه رئيس الجمهورية ميشال عون بناءً لاقتراح «اللقاء التشاوري» سيُعتبر من حصّة «اللقاء» حصراً وليس من حصّة اي طرف آخر حتى ولو كان رئيس الجمهورية.
وبحسب معلومات «الجمهورية»، فإن «التشاوري» فشل في الساعات الماضية في اقناع «مرشحه» جواد عدرا من الالتقاء به، وحسم موقفه، وثمة اتصالات متعددة جرت بالامس بين بعض اعضاء «اللقاء» وبين عدرا، لدعوته الى اللقاء معهم، وانتظروا قرابة الثلاث ساعات لحضوره، لكنه لم يفعل، فعاد بعض نواب «اللقاء» الى الاتصال به فاستمهلهم لإجراء مشاورات، من دون ان يحدّد لهم الجهة التي سيتشاور معها. كما اوفدوا له ممثلين عن «اللقاء»، عثمان مجذوب وهشام طبارة، للوقوف على موقفه النهائي، ودعوته للقاء نواب «التشاوري»، فكرّر جوابه نفسه بأنّه يرغب في اجراء بعض الاتصالات.
وتشير المعلومات، الى انّ هذا الامر أثار استياء شديداً لدى اعضاء «اللقاء»، الامر الذي دفعهم الى التواصل مع «حزب الله»، مستغربين المنحى الذي تسلكه الامور، والتذبذب في موقف عدرا الميال الى ان يكون ضمن الحصّة الرئاسية، وسمعوا جواباً من «حزب الله» اعتبروه مطمئناً وحرفيته: «لا حكومة من دون الأخذ بموقف «اللقاء»، وبما يقرّره هو حول من يسمّيه ممثلا له حصراً في الحكومة». وكذلك جرى التواصل بين «اللقاء» وبين رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي عبّر عن وقوفه الكامل الى جانب «اللقاء» وما يقرّره في هذا الشأن، بحيث يقبل من يقبل به ممثلاً له في الحكومة ويرفض من يرفضه. ونقل عن بري تساؤله: «كيف يمكن لوزير يُسمّى من قبل طرف سياسي، أن يُحتسب من حصّة فريق آخر ويشارك في اجتماعاته، هذا لم يحصل في تاريخ الحكومات، هذا اشبه بمصادرة مباشرة للوزير؟».
وبحسب المعلومات، انّ اليوم حاسم بالنسبة الى حسم موقف عدرا، حيث انّ «التشاوري» ينتظر ان يتلقى منه جواباً نهائياً وواضحاً، اما ان يكون مع «اللقاء» وممثلاً له حصراً، وامّا لا يكون. اي انّه في هذه الحالة، فإن «اللقاء» سيكون في حلّ من تسميته، وسيسمّي غيره، بحسب ما اكّدت اوساط «التشاوري» لـ«الجمهورية»، التي اشارت الى انّ فكرة نضجت مساء امس، تفيد انّه في حال قبول عدرا بتمثيل «اللقاء» حصراً، فلينص على ذلك في اتفاق مكتوب خطياً وموقّع من قِبله مع «اللقاء».
وكان «اللقاء التشاوري» قد اكّد بعد اجتماعه امس في دارة النائب فيصل كرامي «الالتزام بالمبادرة التي أطلقها رئيس الجمهورية، والتي تتضمن تمثيل «اللقاء» في الحكومة بوزير حصراً من حصّته. واوضح انّه قدّم 4 أسماء من بينها اسم جواد عدرا، وإذا وافق الرئيس عون على عدرا فسيصبح ممثلاً عن «اللقاء التشاوري» في الحكومة. واعتبر النائب كرامي أنّ الحكومة يمكن أن تولد بعد ساعة واحدة إذا صفت نيات الجميع.
.jpg)