الأعراف القاتلة والتّسويات الحائلة

لقد درجت العادة في لبنان بتغليب الأعراف على القوانين، وحتّى على الدستور الذي يُعتبَر السّلطة الأسمى في البلاد. والأكثر من ذلك كلّه، دخلنا في زمن التسويات التي تغلّبت بدورها أيضًا على القوانين والدستور. فهل ستتحوّل هذه كلّها إلى قوانين مُثبَتةٍ؟ أم أنّ لكلّ مرحلة أعرافها؟

ما لا شكّ فيه أنّ المجتمع اللبناني، مجتمع غنيٌّ بالعادات والتّقاليد والأعراف، ولقد انعكست هذه المسألة في الممارسات الاجتماعيّة التي حكمت علاقات البشر بعضهم ببعض. ولم يكتفِ مجتمعنا بإخضاع نفسه لهذه الأعراف في الشأن الاجتماعي وحسب بل تعدّاه إلى الشّأن السياسي. ومن هذا المنطلق، صارت الحياة الاجتماعيّة هي التي تحكم الحياة السياسيّة على طريقة ” كلّو ماشي” أو “ماشي الحال” حتّى صار “البلد ماشي”.

ذلك كلّه مقبول في علم الاجتماع، وحتّى في علم السياسة المنبثق عن الحياة الاجتماعيّة لأيّ جماعة، لكن المجتمع اللبناني المركّب، واستنادًا إلى عدم قدرة هذا المجتمع على ضبط اختلافاته، ومنعًا لانزلاقها إلى خلافات دمويّة؛ لجأ السياسيّون في لبنان إلى بدعة التسويات، وأبرزها تسوية لا غالب ولا مغلوب، وصولا حتّى استيراد مبدأ الديمقراطية التوافقية الانكليزية وإسقاطه على الحياة السياسيّة اللّبنانيّة.

ولا يختلف اثنان حول مفهوم الديمقراطية التي تعني حكم الأكثرية للأقلية التي تتحوّل إلى معارضة تراقب وتضبط أداء أهل الحكم. وتحاول هذه الأقليّة أن تنسج تحالفات لتصل إلى سدّة الحكم.

هذه الحياة الديمقراطيّة السليمة التي تطبّق في البلد الذي يكون فيه الجميع سواسية تحت سلطة القانون؛ وليس في بلد فيه سلاح متفلّت غير شرعي، وآخر غير شرعي أيضًا يُشرعَن عند كلّ استحقاق تحت حجج واهية. ومتى تمّ التطرّق إلى أيٍّ من هذين النّوعين من الأسلحة فيوضع السّائل حكمًا بخانة العمالة، وضرب السّلم الأهلي واستعادة الحرب. لكن الملفت أنّ أصحاب السلاح عينهم يستخدمونه عند أيّ استحقاق للوصول إلى مكاسبهم السياسية. حتّى أنّهم يستعملون وهج سلاحهم غير الشّرعي للوصول إلى مآربهم.

وبفعل مرور الزّمن على وجود السلاح غير الشّرعي، صار مجرّد الحديث عنه محالا ومحرّمًا، وذلك لأنّه صار عرفًا بحدّ ذاته على اللّبنانيّين كلّهم أن يقبلوا بسلاح حزب الله ومفاعيله، كما عليهم أن يقبلوا بسلاح بيئته المتفلّت الذي صار يرفع بوجه الدّولة ويمنع عسكريّيها من تنفيذ أيّ أمر قضائي، حتّى صار مجرّد إحضار أيّ مطلوب يكبّد الدولة شهداء أكثر من محاربتها للإرهاب.

وسط ذلك كلّه، وللحفاظ على توازنات الدولة الهشّة بالأساس، سعت القوى السياسيّة إلى مبدأ التسويات الذي قام على إرساء أعراف أصبحت بدورها أقوى من القوانين.

لن نقبل بشلّ دستورنا الذي نفخر به من خلال الالتفاف عليه بنظام التّسويات والأعراف. فالدستور متى اختلّت قيمته، اختّل سلّم القيم السياسيّة بأكمله. وليس في لبنان وحسب، بل في أيّ دولة من دول العالم. ماذا وإلّا فلنتحوّل إلى جماهرية لبنانية وليصبح دستورنا كتابًا أخضرَ.

أما آنَ آنٌ بأنْ نتعلّم تطبيق القوانين والدّستور والعمل على تطويرها لتصبح على قدر طموح الأجيال الطّالعة عوض الخضوع للتّسويات الحائلة بين الواقع والمرتجى؟ أما آنَ آنُ الفصل بين المصالح الشّخصيّة التي يتمّ بوساطتها إسقاط الأعراف القاتلة على الحياة السياسيّة، وبين المصلحة العامّة التي تستند إلى القوانين والدستور فقط؟

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل