.jpg)
عاد التعثر في ملف تشكيل الحكومة ليسيطر على المشهد الحكومي “سعيدا”، علما أن بعض المصادر المتابعة لحيثياته عن قرب ترى أنه “لم يغادره يوما”. وتقول إن “المتغير الوحيد في المرحلة الأخيرة، يكمن فقط في أن الحجاب أزيح عن المعرقل الفعلي لعملية التأليف المنتظرة منذ أكثر من سبعة أشهر”.
”تلطّى حزب الله عمليا خلف ما سمّي عقدتين مسيحية ودرزية طوال أشهر” بحسب المصادر ذاتها، “ليتبيَّن أن هاتين العقدتين المزعومتين اللتين روّج لهما الحزب واعلامه، وسانده في ذلك التيار الوطني الحر ووزير الخارجية في حكومة تصريف الاعمال جبران باسيل تحديدا، لم تكونا بالفعل سوى مطالبة بحقوق حقيقية فعلية ومحاولة لتحسين الشروط من ضمن اللعبة الديمقراطية الطبيعية، ضمن فترة زمنية معقولة لم تتجاوزاها الى مربع التعطيل”.
وتضيف أن “الدليل واضح للعيان في مدى التضحيات التي قدّمها حزب القوات اللبنانية في اللحظة المناسبة، والليونة التي أظهرها الحزب التقدمي الاشتراكي تجاه الحصة الدرزية، في سبيل اخراج التشكيلة الحكومية من المأزق، الأمر الذي كاد ينجح بإصدار المراسيم عشية 29 تشرين الأول الماضي، قبل أن يخرج حزب الله الى العلن بتمثيل “سنة 8 آذار”، وينسف الولادة الحكومية بإعلان الأمين العام للحزب حسن نصرالله الانتظار الى الف سنة من دون حكومة الى أن يتحقق مطلبه”.
وتتابع المصادر ذاتها، أنه “حتى بعد إطلاق رئيس الجمهورية ميشال عون لمبادرته التي اجتازت مطب “اللقاء التشاوري السني” وقطعت مسافة المفاوضات حول الحل ووصلت الى الأمتار الأخيرة قبل الاعلان عن ولادة الحكومة العتيدة، بعد الاتفاق على اسم جواد عدرا لتمثيل سنة المعارضة من حصة رئيس الجمهورية، تعرقلت في اللحظة الأخيرة وطار معها اسم الوزير الملك وطارت عيدية الحكومة الى أجل غير مسمى”.
وتشدد على أن الأمر وصل الى حد لا يطاق بالنسبة الى عون، لافتة الى أنه لم يتردد في الاعراب عن استيائه مما بلغته الأوضاع، متسائلا عشية عيد الميلاد “لم أفهم ما هي اسباب الحرب الساخنة على العهد، وما هي مرتكزاتها، ولماذا؟”، قبل أن يعيد التأكيد صباح العيد من بكركي على رفضه لمحاولة البعض فرض أمر واقع جديد في عملية تشكيل الحكومة وقراره بإيصال رسالة إلى حزب الله، مُحمّلاً إياه، من دون أن يُسمّيه، مسؤولية استمرار تعطيل الحكومة، من خلال سعيه إلى “خلق تقاليد وأعراف جديدة في التشكيل”.
حمادة: اندفاعة التسوية الرئاسية انتهت
الكاتب والمحلل السياسي علي حمادة يرى أن “عملية تأليف الحكومة لم تعد الى المربع الأول أو الى نقطة الصفر، بل هي عالقة في عنق الزجاجة، استنادا الى رأي يقول إن هناك فريقا في البلاد يريد أن يؤجّل ولادة الحكومة”.
ويضيف في حديث الى موقع القوات اللبنانية الالكتروني، أن “العقدة الاخيرة التي استجدت، فضلا عن العقدة التي كانت قبلها، من الواضح أنها افتعلت من أجل فرملة التأليف وليس للعودة الى المربع الاول بالضرورة”.
وفي أسباب العرقلة الأخيرة، يعتبر حمادة أن “هناك احتمالين بارزين وراءها:
- الاحتمال الاول، أن يكون هناك قرار اقليمي حقيقي وجدّي بتعليق تشكيل الحكومة في لبنان وربطها بسلسلة تطورات تحصل في المنطقة، بدايتها في سوريا على خلفية اعلان الرئيس دونالد ترمب عن الانسحاب الاميركي، ثم العراق والخلافات حول استكمال تشكيل الحكومة، وصولا الى وقف إطلاق النار بالحديدة في اليمن. وبالتالي بالنسبة لهذا الفريق لبنان جزء من هذه الساحة الكبيرة الممتدة من اليمن الى غزة مرورا بالعراق وسوريا ولبنان”.
- الاحتمال الآخر، هو ان يكون الطرف الذي يعرقل التشكيل، أي حزب الله، يواصل بتكتيك واستراتيجية طويلة الامد وهادئة، قضم النظام اللبناني والتركيبة والتوازنات اللبنانية والتقدم خطوة تلو أخرى نحو المزيد من الامساك بالقرار في البلد، ولو كان هناك شيء من الصدام المصلحي مع التيار الوطني الحر”.
وينبّه الى أن “التيار، كي لا نخطئ في العنوان، هو حليف حقيقي لحزب الله، وهو جزء من منظومته في لبنان”. ويوضح أن “التيار يختلف مرحليا وآنيا في هذه الايام مع حزب الله حول مكاسب سلطوية ضيقة لا أكثر، أما في العمق فلا خلاف بينه وبين الحزب، انما يختلف معه على مقعد وزاري أو على مكسب ما أو على موعد إطلاق حملة خلافة رئيس الجمهورية، أي خلافات ذات طبيعة مصلحية سلطوية ومنفعية أكثر مما هي خلاف حول جوهر دور حزب الله وجوهر الوضع في لبنان”.
ويشدد حمادة على أن “ما يحكى حول احتمال اعتذار رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري غير مطروح، وحديث صالونات، مشيرا الى أنه في حال اعتذار الحريري واعادة تكليفه فسيأتي بأغلبية أضعف هذه المرة، الأمر الذي من الصعب أن يقبل به”.
ويضيف، “ألا شيء يدعو الحريري للاعتذار، ولماذا يفعل؟ فالتعقيد ليس من جهته، وهو لم يفشل في مساعيه لتأليف الحكومة! وكما هو واضح فان هناك معركة لا علاقة لها برئاسة الحكومة، والتعطيل هو اما نتيجة خيار اقليمي كبير بمنع تشكيل الحكومة كما أشرنا، وبالتالي لا الحريري ولا غيره يستطيع اخراجنا من عنق الزجاجة، هذا من جهة”.
”ومن جهة أخرى، يتابع حمادة، اذا كان هناك خلاف مصلحي آني أو سعي من حزب الله للتقدم اكثر واكثر على طريق قضم النظام والمؤسسات، فهنا وجود الحريري مكلفا وغير معتذر عن التأليف، هو إحدى الضمانات لحماية ما تبقى من النظام ومن التركيبة اللبنانية”.
ويستطرد أن “العراقيل الاخيرة المعلنة، وبرأيي هناك ما هو أبعد منها، هي عراقيل ذات طبيعة مصلحية صغيرة، بالنسبة لهوية الوزير المفترض الاستاذ جواد عدرا ولمن ينتمي وفي أي كتلة يجلس، أو محاولة الوزير باسيل اعادة خلط الاوراق حول توزيع الحقائب أو حتى التمسك بوهم يسمى الثلث المعطل”. ويؤكد أن “كل هذه أعذار واهية لا تعرقل تشكيل الحكومة فعليا، والعرقلة الأساسية هي عند حزب الله، وعلى هامش الحزب هناك التيار الوطني الحر الذي يلعب لعبة منافع صغيرة يجسدها باسيل”.
ويعتبر حمادة أن قول الرئيس عون في بكركي صبيحة عيد الميلاد إن هناك من يحاول أن يفرض أعرافا وتقاليد جديدة في تشكيل الحكومة، قول صحيح الى حد ما. لكنه يلفت الى أنه لا يستقيم إذا ما اعتبرنا أن رئيس الجمهورية الذي هو غير مسؤول ولا يساءل أمام الدستور الا في حالة واحدة هي الخيانة العظمى، يطالب بحصة وزارية ضخمة بلغت أربعة أو خمسة وزراء، وهذا أمر غير معقول”.
ويعرب الكاتب والمحلل السياسي ذاته “بكل أسف أنه في الاستنتاج الأول، انتهت اندفاعة التسوية الرئاسية، ونتائجها حقيقة لن تكون بعد اليوم ايجابية وفق كل الأحوال”.
”ومن المؤسف أيضا، يتابع حمادة، أنه لو تشكلت الحكومة غدا فإن أثرها الايجابي على الوضع اللبناني سيكون محدودا جدا، في الزمان والمكان والمحتوى، لأنه بات من الصعب جدا استعادة ثقة الناس بأي حكومة، المنتظرة أو غيرها من الحكومات”.
ويعيد حمادة التشديد على أن “جوهر القضية، وقبل كل ما تقدم، هناك أخطبوط حقيقي يتمدد على مساحة لبنان، ان كان في الجغرافيا او في السلطة او في المؤسسات او في معنى لبنان، وهو يمعن يوما بعد يوم بهدوء ومنهجية في تغيير وجه البلد، فيما الأطراف الباقون يتلهون بقشور الأزمة”.
ويؤكد انه “ما لم نطرح الامور الجدية على بساط البحث ونعود الى أصل المشكلة في لبنان، وهي أن هناك دولة ضمن الدولة، وجيشا فوق الجيش، وعدم مساواة في المواطنية، ومواطن فوق المواطن، سيبقى البلد عليلا كما نراه الى أن يبتلعوه، طالما ان (جماعة 14 السابقة) تتلهى بأمور أخرى، للأسف”.
