عندما تحيا الثقافة في الزمن الصعب (1)

كتب عماد موسى في “المسيرة” – العدد 1690

بدأ حزن السنة بخسارة الزجل اللبناني واحدا من مؤسسي عصره الذهبي: جوزف الهاشم (زغلول الدامور)، وانتهى بغياب فعلي للممثلة الرقيقة نهى الخطيب سعادة، وهي الغائبة عن الدراما منذ ما يجاوز العقدين. يكتشف الإنسان فداحة الخسارات متى شعَر بحجم الفراغ الذي يتركه المسافر وحيدا إلى دنياه الثانية، دنيا الحق تقول الأديان.

في الشهر الأول من العام 2018  مات الزغلول عن عمر 93 سنة، شاعر عذب الصوت ومن أسياد الإرتجال.عاصر الهاشم في بداياته  المبكرة شحرور الوادي وخليل روكز وبغيابه انطوت صفحة من تاريخ الزجل وقد سبقه قبل شهر خليل شحرور وقبل أعوام ركنا جوقته ورفيقا دربه إدوار حرب وزين شعيب، وبقي من فرسان جوقة الزغلول طليع حمدان (مؤسس جوقة الربيع) يرثي الغائبين بشعر أصفى من دموع الزهر. عايشَ الزغلول المنبرَ الزجَليّ سبعة عقود ويُعتبَرُ مع الشاعر موسى زغَيب (81 عاما)، المبتعد عن المنابر لا عن الكتابة، من ألمع روّاد المسرح الزجَليّ على الإطلاق ورنة صوته لا تُجارى. كما غابت الأديبة إميلي نصرالله بعد أسابيع على تكريمها. التكريم والأوسمة تسبق الموت مباشرة أو تليه.

وفي الشهر الأخير من السنة الراحلة، ترك الشاعر الصديق والزميل في سنوات “المسيرة” الأولى موريس عواد بصاليم وعيلته ومحبيه  بعدما ناء جسده بأعوامه ال85. أينما حلّ وأينما كتب وعلى أي أثير أطلّ ترك شيئاً من جنونه وثورته وشعره الحار ولغته المتفلتة الجامحة والمختلفة و”هون موريس عواد”. إلتزم “اللغا اللبنانيي” ولم يسمّها العامية اللبنانية أو المحكية. وظل عواد طوال حياته وفياً لقناعاته  وكان قبول ترشيحه إلى جائزة نوبل للآداب حدثاً لم يغيّر موريس الذي ختير وابيض شعره وظلّ يشبه نفسه فلاحاً مثقفاً وقانعاً بثروة  شاعريته!

وقبل موريس توفي، المسرحي اللبناني، زياد أبو عبسي. وكان من حظي أنني تواصلت معه في الأشهر الأخيرة، وكنا نتبادل السخرية ولم يفسد التعارض في المقاربات السياسية الود والإحترام المتبادلين. صدمني موت أبو عبسي المذهل بشخصية أبو الزلف في مسرحية “شي فاشل” للفنان زياد الرحباني وقبلها لعب دور المسيحي الخائف “إدوار” في “فيلم أميركي طويل” وفي سائر أعمال الرحباني.

وفي سجل أبو عبسي أعمال لافتة وسيرة أكاديمية وقد تراجع حضوره تباعا مع ثقل حركته لكنه يبقى علامة مضيئة في تاريخ المسرح، وفي إحياء التراث الشكسبيري!

وكما تتساقط الأوراق في شتاء العمر، سقط إسم الممثلة والإعلامية نهى الخطيب سعادة. سيدة الرقة التي رافقت تلفزيون لبنان في انطلاقته العام 1962 حين كان عمرها 18 سنة كمذيعة، وأول دور حصلت عليه كان في العام 1970 في مسلسل “الخديعة” إلى جانب محمود سعيد، وقد عرض عليها الموسيقار فريد الأطرش مشاركته بطولة فيلم “زمان يا حب” ولكنها رفضت.

بعدها اشتركت ببطولة مسلسلات عديدة أهمها: “الجوال”، “حتى نلتقي”، “النهر”، “لمن تغني الطيور”، و”غرباء”، وكانت ترتاح للتمثيل الى جانب أنطوان كرباج. في تسعينات القرن الماضي غابت عن الشاشة لكنها عملت، كما معظم الممثلين اللبنانيين، في مجال الدبلجة. نهى الخطيب سعادة إسم مضيء من زمن الأبيض والأسود  مرورا بزمن الألوان الطبيعية سيكام…

بيروت مدينة المسرح

يموت الشعراء في كل الفصول فيما تورق الحياة الثقافية مع إعادة إحياء المكتبة الوطنية وتدفق الحرارة إلى الحركة المسرحية في شتاء المدينة، ومن مسرحيات هذه السنة “أبو الغضب” لجو قديح على مسرح الجميزة، وفيها إستذكار للغة الملاجئ ومفردات أعوام  الحرب الأولى بإطار كوميدي, وعلى مسرح المدينة، قدمت المخرجة (والممثلة) لينا خوري مسرحية “حكي رجال” وعُرض “كاس ومتراس” في “التياترو” فردان كما عُرضت على مسرح مونو و”ميترو المدينة” و”دوّار الشمس” وخرج  الممثل زياد عيتاني من سجنه ومن معاناته بمسرحية “ما طلّت كوليت”. أما رفيق دربه السابق يحيى جابر فأطل بعمل جديد “شو ها”… واختتمت السنة المسرحية باحتضان “مسرح المدينة” لمهرجان لبنان الوطني للمسرح في دورته الأولى، دورة أنطوان كرباج، فعُرضت  سبعة أعمال مسرحية لبنانية هي:

“البحر أيضاً يموت” لأنطوان الأشقر و”وهم” لكارلوس شاهين

و”البيت” لكارولين حاتم و”فريزر” لبيتي توتل. و”شخطة شخطين” لباتريسيا نمور. و”الديكتاتور”، سحر عساف.

أما الشانسونيه فإلى تراجع ملحوظ بسبب الوضع الإقتصادي المتردي.

من جهته ساهم كازينو لبنان في تنشيط الحركة السياحية ـ الفنية من خلال استقدام عروض أجنبية وإحياء حفلات في برمجة امتدت طوال أشهر السنة في محاولة جدية وطموحة لاستعادة دوره الريادي على صعيد لبنان والشرق الأوسط.

معرض الكتاب العربي: تواقيع وطوابير

يعتبر معرض الكتاب العربي (الدولي)، عميد المعارض والأنشطة الثقافية والأكثر عراقة، على رغم تراجع الإهتمام بالنشر إلى الحدود  الدنيا، كما في بيروت كذلك في القاهرة وبغداد وتونس وسائر العواصم الثقافية. وأبرز ما في الدورة الثالثة والستين المُستضافة على أرض “سي سايد” هو حفلات التوقيع التي يعوّل عليها لرفع منسوب المبيع فتجد الطوابير الطويلة أو المتوسطة تبعاً لأهمية هذا الكاتب أو ذاك وحجم علاقاته الإعلامية والإجتماعية، وليس غريباً أن تلاحظ صفاً لا ينتهي في حفل توقيع النائب السابق غازي العريضي لكتابه “من بلفور إلى ترامب”، فيما يزمّ عدد المصطفين في دار أخرى. الدنيا وجوه وأعتاب.

ومن الكتب البارزة هذا العام رواية “جمهورية كأن” للطبيب المصري علاء الأسواني صاحب “عمارة يعقوبيان” والتي مُنعت في مصر وصدرت في بيروت عن دار الآداب، إلى ديوان “المهندس” ابراهيم شحرور “تياب القلوب… قلوب”. واللافت أن بعض دور النشر نظّمت ندوات فكرية وثقافية ومنها دار الأمة التي أمّنت مكاناً خاصاً للنساء!

وفي معرض الكتاب، وتحديداً في جناح “دارالفارابي”، وقّع المؤلف الموسيقي مارسيل خليفة، والمغنية عبير نعمة  ألبوم “غنّي قليلاً” الذي يضم أربع عشرة أغنية وتوزعت القصائد بين قاسم حداد من البحرين وجوزف حرب الذي حمل الألبوم عنوان قصيدته التي سبق وأدّاها خليفة بصوته “غنّي قليلاً يا عصافير، فإني كلما فكرت في أمر بكيتُ/ وليس لي جارٌ أناديه لكي نسهر في الليل/ ولا أهلٌ وبيتُ” ولم يغب طلال حيدر، ومحمود درويش وهنري زغيب عن العمل كما لحن خليفة قصيدتين للشاعر جرمانوس جرمانوس والزميل حبيب يونس.

وهذه السنة احتفل معرض الكتاب الفرانكوفوني بيوبيله الفضي  بنشاط موسّع. ومن الأفلام التي عُرضت في المعرض “مغامرات سبيرو وفانتازيو” للمخرج ألكسندر كوفر وأتاح جناح الناشرين العرب الذي افتتح عام 2013 تبادلا ثقافيا و”حوارا بناء” ما بين اللغتين العربية والفرنسية عبر وجود 15 دار نشر عربية. ومن الكتب البارزة  التي نوقشت “في رأس بشار الأسد” الصادر عن دار “أكت سود” الفرنسية لصبحي حديدي وزياد ماجد وفاروق مردم بك. وإلى العروض الموسيقية والمسرحية والرقص والمحاضرات واللقاءات الموزعة على مسارح المدينة إحتفل المعرض بالراحلين منير أبو دبس وإميلي نصرالله التي كرّمت بوسام تسلمته قبل وفاتها بأسابيع. وهذه العادة متأصلة حيث يُمنح المبدعون أوسمة قبل رحيلهم أو تعلّق على نعوشهم. كما استضاف المعرض الفرانكوفوني الكتّاب الياس خوري وفوّاز طرابلسي ووسام سعادة وغيرهم.

(يتبع)

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل