
على غير عادة لن اودعكِ باللعنات وتكسير الصحون، احببت الكثير منكِ، والله! كنتِ منيحة ببعض ما احتويتِ لا أنكر، كنتُ سعيدة في بعض ما انجزتِ اعترف، مع مفارقة صغيرة كبيرة، كبيرة جدا، فالخير الطارئ على بعض تفاصيلكِ لم يكن من بادرة شخصية منكِ او من كرمك الفائض، لا كرم عندك ولا من يتكرّمون الا بالمصائب، انما كان من صنع ايادينا، من تعبنا، من عرقنا، من جهدنا، من حالنا.
مَن نحن؟ نحن يا حلوة يا راحلة الى ابد الابدين الا من بعض تفاصيل كتاب التاريخ، أقدم لكِ نحن “القوات اللبنانية” وعليكِ ان تقولي بالصوت العالي، العالي جدا، والفم الملآن وانتِ تعنين ما تقولين، “تشرّفنا”. أكيد تشرّفتِ كما تشرّفت بنا وفينا تلك الـ2018 وقبلها بعشرات السنين ومن بعدها سنين موغلة في الدهر الآتي.
كل ما كان فيكِ، الكثير من الشوائب كما هي العادة في الزمن اللبناني المدمن على بؤسه، ازهرتِ فسادا، أمعنتِ استغلالا لمقدرات الشعب، أدمنتِ كذبا ونفاقا وتضييقا علينا في الاقتصاد والسياسة وحقوقنا العادية الطبيعية كمواطنين احرار. ومع ذلك كان فيكِ ما فيكِ من قبس ضوء، لأننا نحن حملنا مشعلنا المضاء من تضحياتنا واخلاقياتنا ومبادئنا وتوغلنا في ظلام الانفاق التي حفرتها عمدا في مسيرتنا علنا نتوه او نتراجع او الاهم نستسلم، وكما هي العادة لم نفعل ولن نفعلها بالتأكيد.
لا تزعلي وانتِ راحلة صوب افولك الابدي، فثمة كأس نبيذ بعد نشربه ونقول كاسك! تصوري لكِ بذمتنا كأس نرفعه على شرفك… على ما تبقى منه عالقا على ثوبك الملطخ بالكثير من تفاصيل العار، لكن الشرف الفعلي هو لمن اصرّ على اختراق السجن الكبير في وطن يصر بعض من فيه ان يجعلوه صغيرا وهو بحجم الكون عندنا، بحجم القديسين الذين اسروه بالإيمان، بحجم الشهداء الذين رفعوه الى مرتبة الاحرار، بحجم مناضلين يعيشون يوميات الكرامة وبهؤلاء. هؤلاء وحدهم لا يزال اسم الوطن وطنا، وهؤلاء تحديدا صنعوا التفاصيل الحلوة الكبيرة، القطية الجميلة المحبوكة بالنضال الذين أضفوا لمسة الحب تلك عليكِ يا آفلة يا راحلة وانت تأخذين من الارض البعض الكثير من حلاها وكرامتها ولو لبعض الوقت نعرف…
وانتِ ترحلين بنهم الغياب الى العدم نرفع كأسك وندعو عليكِ حينا، ولك في بعض الاحيان، ان رغم ما يبدو من سواد الايام، على الرغم من الحصار، وتكاثر المنافقين من حولكِ وعليكِ وعلينا. نحن المواطنين العزّل الا من كرامتنا وايماننا، نعترف امام الله والحق اننا تمكنا من الانتصار عليكِ في محطات كثيرة.
صنعنا مجدنا الصغير المتواضع لنصل الى مجد الوطن، حيّكنا تفاصيلنا الحلوة وحتى المرّة، فكانت تلك ميزتنا وتمايزنا، حيّكنا تحالفاتنا وصداقاتنا مع من يشبهنا لننتشل الوطن من براثن من لا يشبهنا ويرفض ان يتشبّه بنا ويمعن في محاربتنا واستغلالنا ليرتفع هو فوق انقاضه، وليصبح الوطن اطلالا، وهو لا يعرف ان متى صار الوطن ظلالا لمات هو قبل الجميع…
لكن، وباسم 365 يوما من تلك الآفلة، وباسم الـ2019، وباسم السنين والدهور المقبلة، نقسم ان كأسنا سيبقى مرفوعا باسم الوطن، وان لا سنين راحلة ولا سنين آتية ستجعلنا نحيد عما حفرناه بالدم والقلم والنضال، وان كل الاعوام ستكون اعوامنا لأننا قوات لبنانية، لان لبنان هو عمرنا الاتي، كأسنا الطيب، حياتنا التي لا قيمة لها ما لم يكن لبنان نحن ونحن لبنان…
فلّي وما تطلّعي وراكِ فحين نشرب كأس المسيح ينسكب الحب في شرايين لبنان، حين نرفع كأس المسيح تصبح الدماء خمرا يا ربي في خابية ارضي…
