تكونُ أو لن تكونَ

يتكثّف الحراك السياسي اليوم لتحقيق الهدف المنشود، أي تشكيل الحكومة، الذي تحوّل عند اللّبنانيّين إلى حلم منشود. ولعلّ هذه المسألة التي من المفترض أن تكون بسيطة جدًّا قد تحوّلت إلى كتلة عقد لسبب رئيسيّ وحيد يكمن في تعطيل العجلة الدّيمقراطيّة للدّولة، وهذا بدوره ما منع قيام دولة دستوريّة حقيقيّة قادرة وفاعلة. فهل يستطيع لبنان اليوم تحقيق ما عجز عن تحقيقه طيلة ربع قرن؟ وهل ستستقيم عجلة الدّولة في ظلّ هذا النّهج الفكري القائم اليوم؟

أُغْدِقَت الوعود كمطر الشّتاء على اللّبنانيّين، وتمّ تصوير الحياة باللّون الزّهريّ، لكن الواقع غير ذلك بالمطلق. الشّارع بات في حالة غليان، لكن المفارقة تكمن في طريقة تحريك هذا الشّارع من قبل نهج معيّن ضمّ كوكبة من الأحزاب التي تدور في فلك مشترك وهي: الحزب الشيوعي- التنظيم الشعبي النّاصري- حزب طليعة لبنان العربي الاشتراكي- الحزب الديمقراطي الشعبي، وذلك تحت مظلّة الاتّحاد العمّالي العام الذي لم يعد خافيًا على أحد كيفيّة تشكّله في فترة الوصاية خدمة لهذا التيّار الفكري الذي حكم لبنان من العام 1990 وحتّى العام 2005.

دعا الاتّحاد العمّالي العام إلى تحقيق مجموعة مطالب تندرج تحت المظلّة الاقتصاديّة التي باتت كالغربال. وهو محقٌّ في مطالبته هذه، إلّا أنّ التّوقيت الذي اختاره مثير للشكّ. في حين أنّ الفئات التي سارعت وتلقّفت الدّعوة جميعها في فلك واحد، إذا ما عدنا إلى طبيعة ممارستها العمل السياسي يتبيّن لأيّ مراقب كيفيّة طعنها الدّولة القادرة ومنع ولادتها تحت أيّ مسمّى سياسي كان أم اجتماعي.

هذا الانهيار الاقتصادي الذي انقسم اللّبنانيّون حتّى في مقارباتهم ومعالجاتهم له بات أكثر من ملحٍّ اليوم. الهيئات الاقتصاديّة ترى الاضراب الذي دعا إليه الاتّحاد العمّالي العام في غير مكانه وزمانه، وبنظرها المطلوب العمل على تقويم الوضع السياسي للحصول على مكتسبات مؤتمر سيدر. بينما الفئات التي أشرنا إليها آنفًا فهي تدعو إلى الاطاحة بالطّبقة السياسيّة الحاكمة بأسرها على قاعدة المثل الشّعبي اللّبناني: “قوم تَ أقعد محلّك”. وذلك من دون أن تقدّم ولا أيّ رؤية اقتصاديّة أو سياسيّة. مع العلم أنّه في حال إشراكها في صلب الدّولة ستكفّ حتمًا عن هذا الصّراخ كلّه.

وسط هذه المشهديّة الاجتماعيّة، يتابع الوزير جبران باسيل سعيه لتحقيق هدفه في الحصول على الثّلث المعطّل داخل الحكومة وإلا لا حكومة في المدى المنظور. فهو قدّم اقتراحات خمسة جميعها يصبّ في خدمة الهدف نفسه. ورئيس الجمهوريّة متمسّك بالوزير السنيّ في حصّته مقابل إصرار حزب الله على تحرير هذا الوزير من قبضة الرّئيس وتيّار باسيله.

وحده حزب القوّات اللّبنانيّة بحث عن آليّة لتفعيل الحياة السياسيّة كي لا تتوقّف الحياة في البلاد، وكي لا يُهدَر ما تمّ تحقيقه في المؤتمرات الدّوليّة من خلال تفعيل حكومة تصريف الأعمال. واليوم الرّئيس برّي يعيد الطّرح عينه مستندًا إلى الاجتهاد الذي تمّ في العام 1969 حيث شرّعت حكومة تصريف الأعمال في عهد الرّئيس الشّهيد رشيد كرامي آنذاك. وأضاف الرّئيس برّي المطالبة بالدّولة المدنيّة وبتحقيق قانون انتخابي على أساس لبنان دائرة انتخابيّة واحدة.

في ما يتعلّق بقانون الانتخابات لقد حقّقنا رؤيتنا بما هو أفضل للّبنانيّين كلّهم، ونعمل على تحقيق المزيد من خلال أجهزة الحزب القانونيّة. ونذهب أبعد من الرّئيس برّي في طرحه الدّولة المدنيّة حيث طرحنا الدّولة الدّستوريّة في الشرعة السياسيّة لحزب القوّات اللّبنانيّة، في الفصل الثّاني منها، تحت عنوان: “بيان بمبادئ القوّات اللّبنانيّة وثوابتها” في النّقطة رقم 15 كالآتي:

” الدّولة الدّستوريّة: إنّ التمسّك بالكيان اللّبناني يحتّم وجود دولة دستوريّة، سيّدة، ديمقراطيّة، ذات نظام برلماني ليبرالي. دولة دستوريّة تكوّن الاطار القانونيّ للحياة السياسيّة اللّبنانيّة، والضّمانة القانونيّة لحرّيّات الأفراد والجماعات.”

لن يتحقّق أي تقدّم أو ازدهار سياسيّ أم اقتصاديّ إلا بالعودة إلى تحقيق الدّولة الدّستوريّة القادرة والقويّة. عندها يحقّق اللّبنانيّون كلّهم ما عجزوا عن تحقيقه خلال ربع قرن وأكثر. وهذا النّهج الفكري القائم على مبدأ الازدواجيّة بين الدّولة والدّويلة سيؤدّي إلى مزيد من التّعطيل، وما قالته بكركي اليوم والأمس وما ستقوله غدًا في هذا السياق، يبقى وحده المرجع لتحقيق المنشود. إمّا تكون الدّولة الدّستوريّة القادرة القويّة اليوم أو لن تكون أبدًا. ومن له أذنان للسّماع فليسمع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل