بعد الاصطدام بالحائط… طرح “القوات” الى الواجهة

في ظل الأفق المقفل وانزلاق البلد المتدحرج نحو الهاوية “بلا فرامل”، عاد الطرح الذي كان أول من بادر اليه رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع منذ أشهر، حين طالب رئيسي الجمهورية ميشال عون والحكومة المكلف سعد الحريري بإعادة تفعيل عمل حكومة تصريف الاعمال، وفق جدول اعمال محدد ومن خلال عقد جلسات لمجلس الوزراء مقتصرة على امور ضرورية واستثنائية للتصدي للأوضاع الخطيرة ومعالجة المشاكل الاقتصادية تحديداً، الى واجهة التداول في الأوساط السياسية المعنية.

ويشدد حزب “القوات” في توجهه للمسؤولين على انه لا يجوز ترك البلاد من دون حكومة ترعى شؤون المواطنين وتنكب على معالجة الوضع الاقتصادي الذي ينذر بكارثة شبه محتومة بالاستناد الى التقارير والتحذيرات المحلية والدولية عن حجم الخطر المقبل. مع التأكيد على استمرار العمل على تأليف الحكومة الجديدة الذي يبقى أولوية، غير انه يجب التفكير في بدائل دستورية وقانونية لمواجهة المسألة، وهي متوفرة من خلال تفعيل عمل حكومة تصريف الاعمال، وسط غياب اي مؤشر على ولادة قريبة للحكومة العتيدة في ظل التناتش الحاصل والشروط والشروط المضادة.

وبدا لافتا ملاقاة رئيس مجلس النواب نبيه بري لـ”القوات” في هذا الطرح، اذ اشار بري خلال لقاء الاربعاء النيابي الى “اجتهاد اعتُمد عام 1969 أيام حكومة الرئيس رشيد كرامي عندما كانت في مرحلة تصريف الاعمال بعدما تعذر تشكيل حكومة جديدة سبعة أشهر، وقضى الاجتهاد بإقرار الموازنة العامة”. وأضاف أن “اعتبار الموازنة مسألة ضرورة فرض هذا الاجتهاد، ويمكن اعتماده اليوم ايضا”. مع الاشارة الى ما أعلنه وزير المال علي حسن خليل من ان الاموال متوفرة للوزارات والموظفين لشهر واحد فقط!”.

كرم: تفعيل تصريف الاعمال لتفادي الشلل العام

أمين سر تكتل الجمهورية القوية النائب السابق فادي كرم، يؤكد أن “مطالبة حزب القوات اللبنانية بتفعيل حكومة تصريف الاعمال هي من منطلقات اجتماعية بضرورة معالجة الامور الاجتماعية للمواطن اللبناني، الذي وصل الى وضع لا يحسد عليه، والى تراكم كمّ من المشاكل الاجتماعية التي ستؤثر على الوضع الاقتصادي بأكمله للمواطنين”.

ويضيف كرم في حديث لموقع القوات الالكتروني، الى أن “القوات”، ومن هذه المنطلقات بالذات، كان سباقا بالدعوة الى تفعيل حكومة تصريف الاعمال لحل هذه المسائل الضرورية التي لم تعد تنتظر تشكيل حكومة جديدة”.

ويذكّر أن القوات سهَّل كثيرا عملية تأليف حكومة جديدة، لكن بما ان العراقيل تتوالى الواحدة تلو الاخرى، وربما تكون عراقيل مفتعلة لأسباب داخلية او خارجية، المواطن اللبناني لم يعد بإمكانه الانتظار لتحل مسألة معركة تأليف الحكومة، والمعركة بين السلطات التي تريد وضع يدها على الحكومة”. ويؤكد أن “الشعب اللبناني لم يعد يستطيع الانتظار بلقمة عيشه وكرامته حل هذه الامور، وأصبح هناك ضرورة قصوى لتفعيل حكومة تصريف الاعمال للبحث فقط في المسائل الضرورية والمحددة جدا كي لا تكون حكومة عادية”.

ويشدد كرم على ان الحكومة يجب ان تتصدى لهذه الامور الملحة والمحددة بدقة، والتي تتعلق بالموازنة والخدمات الصحية والاجتماعية ومعاشات الموظفين وتأمين استمرار العمل بمؤسسات الدولة وعدم تعطيل المرافق العامة، وهذه كلها تتوقف على قرارات من مجلس الوزراء. وبالتالي، ان لم تنعقد حكومة تصريف الاعمال ولم تؤلَّف حكومة جديدة، كل هذه المسائل ستتوقف وستُشَل كافة مؤسسات الدولة اللبنانية”.

ويحذّر أمين سر تكتل الجمهورية القوية من أنه في ظل هذا الامر سيصبح الوضع اللبناني مفتوحا على المجهول – المعلوم، اذ مع شلّ كل مؤسسات الدولة اللبنانية ربما يتبع ذلك عدم استقرار، ليس فقط مالي ونقدي واقتصادي، لكن عدم استقرار أمني”.

ويضيف، “من هنا يجب أن نحتاط لكل هذه المخاطر، وان ننشئ خط دفاع لتجنبها، وذلك يكون بانعقاد وتفعيل حكومة تصريف الاعمال في ظل التعثر القائم في تشكيل حكومة جديدة، مع استمرار العمل الجاد لتشكيلها في أسرع وقت”.

مالك: “الاستثنائية” توجب توسيع تصريف الاعمال

الخبير الدستوري والقانوني المحامي سعيد مالك يرى أن “تفعيل حكومة تصريف الاعمال أمر أساسي وجوهري لمواجهة الاوضاع الاقتصادية السيئة والمتردية”.

ويضيف، في حديث الى موقع القوات الالكتروني أنه “من دعاة التفسير الواسع للمعنى الضيق لتصريف الاعمال، بحيث يمكن للحكومة أن تجتمع لإقرار الموازنة، ولمعالجة الوضع الاقتصادي المتدهور الذي يقض المضاجع ولا يرحم لا البلاد ولا العباد”.

ويلفت الى أن “المفهوم الواسع لتصريف الاعمال يجب أن يأخذ مجاله، ودعوة الرئيس بري، والتي سبقتها دعوات من حزب القوات اللبنانية الذي كان أول من طالب بتفعيل عمل حكومة تصريف الاعمال في حال استمرار التأخير في تشكيل حكومة جديدة، ذهبت في هذا الاتجاه”.

“وبالإضافة الى ما تقدم، يتابع مالك، هناك مبدأ عام يقضي أن النصوص تكون دائما لمصلحة المجموعة وليست المجموعة بخدمة النصوص”. ويوضح أنه “اذا كان النص ينص على ما يسمّى بالمعنى الضيق، فذلك لا يفيد على الاطلاق انه يتوجب امام اوضاع استثنائية خطيرة كالتي نمر بها اليوم، ان يصار الى التقيد بحرفية وبالتفسير الضيق لعبارة المعنى الضيق لتصريف الاعمال”.

ويشير الخبير الدستوري مالك الى ان “المشترع لم يفكر برهة ان فترة تصريف الاعمال يمكن ان تستمر لأشهر عدة، وهو بالطبع لم يتخيل ذلك ابدا لا من قريب او من بعيد”. ويذكر بـ”سابقتين حصلتا واحدة ما قبل الطائف والثانية بعده:

– الاولى، في العام 1969 أيام حكومة الرئيس رشيد كرامي التي كانت مستقيلة منذ أشهر، وأفتى مجلس شورى الدولة بجواز انعقادها لإقرار موازنة العام 1970، معللا الاسباب الموجبة.

– والثانية، حصلت في العام 2013 ايام حكومة الرئيس نجيب ميقاتي المستقيلة، وأوصت هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل في حينه بإمكانية وصحة انعقادها لإقرار الموازنة العامة”.

ويؤكد أنه “من الطبيعي ان تكون الاولوية لتشكيل حكومة جديدة. لكن اليوم مع عدم التشكيل، هل نترك البلاد من دون اي ضابط ايقاع”؟ ويشدد على أن “ضابط الايقاع هو الحكومة، وذلك مواجهة للأخطار المحدقة، لا سيّما لجانب الوضع الاقتصادي. بالتالي لا يمكن ترك الامور بانتظار تشكيل حكومة جديدة، خصوصا وان المؤشرات تدل انها ليست بقريبة. من هنا مطالبة الرئيس بري والقوات اللبنانية بتفعيل عمل الحكومة القائمة”.

عجاقة: اعادة تفعيل الحكومة أمر إلزاميّ

الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة يرى ان اعادة تفعيل الحكومة أمر إلزاميّ لوقف التدهور الحاصل”، معتبرا أن “المخاطر التي نعيشها هي بالدرجة الاولى على المالية العامة، وهي في خطر جدي. أما الكلام عن مخاطر على الاقتصاد والنقد فهو بعيد عن الواقع”.

ويوضح في حديث الى موقع القوات الالكتروني أن “الخطر على المالية ناجم عن حاجة الدولة الى الاموال التي تزداد سنويا نتيجة الارتفاع في الإنفاق لعوامل عدة، منها: التوظيف السياسي العشوائي في القطاع العام من خارج الاطر القانونية تحت تسميات متعددة. الهدر والفساد. التهرب الجمركي. وأخيرا، بل ما يتصدر اللائحة، موضوع الكهرباء”.

“بالتالي، يضيف عجاقة، هذه العناوين تتسبب بزيادة الانفاق. ومعلوم ان في الـ2018 ازداد الانفاق في الاجور باعتراف وزير المالية في حكومة تصريف الاعمال علي حسن خليل، الذي اعلن انه تم ادخال ما لا يقل عن خمسة آلاف موظف الى القطاع العام في العام المنصرم. بالإضافة الى سلسلة الرتب والرواتب”.

ويتابع: “هناك موضوع الكهرباء أيضا، وهذه السنة استثنائية اذ ستفوق التحويلات الى شركة كهرباء لبنان الـ2.2 مليار دولار. وخدمة الدين العام، التي بحسب تصريح حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بالأمس ازدادت بما لا يقل عن 700 مليون دولار”.

ويشير عجاقة الى ان “هذه الزيادة في الانفاق قابلها تراجع في الايرادات من دون معرفة الاسباب الحقيقية. علما ان حكومة تصريف الاعمال الحالية رفعت الضرائب لكن الايرادات تراجعت 500 مليار ليرة، بحسب تقرير وزارة المال عن الاشهر الستة الاولى من العام 2018 نسبة للعام 2017”.

ويؤكد أنه “على ضوء هذه الوقائع لا يمكن ان تستمر الدولة، وسينعكس ذلك أذى كبيرا على المواطنين”. لكنه يؤكد “ألا خطر من الافلاس المالي، بل الخوف من ان كلفة تأمين الاموال المطلوبة للدولة ستزداد، بحيث ستقوم الدولة برفع الفوائد لتأمينها، وهنا الاشكالية لان الدولة ستؤمّن الاموال من المصارف لكن كلفة تغطيتها ستكون عالية من خلال ضرائب سيدفعها كل المواطنين، الامر غير المقبول”.

ويلفت الخبير الاقتصادي ذاته الى أنه “في غياب انعقاد الحكومة لا يمكن القيام باي شيء، اذ ان دستور الطائف وضع كل القرارات في يد السلطة السياسية، وإذا اختلف السياسيون تتعطل القرارات الاقتصادية”.

واذ يجانب الدخول في “النقاش القانوني والسياسي حول موضوع تفعيل حكومة تصريف الاعمال”، يقول إن “حزب القوات اللبنانية كان السبّاق في الدعوة الى انعقاد حكومة تصريف الاعمال وتلاه الرئيس بري وآخرين، وهذا أمر معروف للجميع”.

ويضيف “أود تناول الموضوع انطلاقا من المعطيات الاقتصادية البحتة”. ويكشف في هذا الإطار عن انه انطلاقا من المعطيات القائمة ان “غياب الحكومة حاليا يتسبب بخسائر على الاقتصاد اللبناني تبلغ 25 مليون دولار يوميا، اي اقل بقليل من مليار دولار سنويا”. ويرى أنه “بناء على هذه المعطيات، ان اعادة تفعيل الحكومة هو أمر إلزاميّ، فماذا لو لم يشكلوا حكومة خلال سنتين او أكثر؟”. ويستطرد، “إذا كان المعنيون لا يرغبون بتشكيل حكومة جديدة، أمرنا الى الله، لكن على الاقل فلتجتمع حكومة تصريف الاعمال لاتخاذ قرارات اقتصادية توقف التدهور والانهيار”.

ويشدد على ان “على الحكومة ان تنعقد لاتخاذ أربعة قرارات سريعا وفي اول جلسة لمحاولة انقاذ الوضع، وهي:

– أولا، اعادة فرض رسوم جمركية على كل البضائع المستوردة من دون استثناء- اذ ان الاستيراد ارتفع الى 21 مليار دولار، وسلسلة الرتب والرواتب تستفيد منها الاقتصادات الاجنبية بدل ان يستفيد الاقتصاد اللبناني- وذلك سيؤدي الى تخفيف العجز في الميزان التجاري، والعجز في ميزان المدفوعات، اي تخفيف الضغط عن الليرة اللبنانية ما يعيد تفعيل عمل الشركات الصغيرة والمتوسطة ويدخل أموالا اضافية الى خزينة الدولة.

– ثانيا، وقف هذا النزيف غير المقبول استمراره في الكهرباء. وهنا الشراكة مع القطاع الخاص أساسية، ضمن الادارة والانتاج وبشروط مناسبة للدولة.

– ثالثا، وقف التوظيف في القطاع العام بشكل قاطع. والارقام تشير الى ان هناك 27 الف وظيفة جديدة في القطاع العام خلال السنوات الثلاث الماضية. والاجور في القطاع العام زادت منذ الـ2007 حتى اليوم بمعدل 435 مليون دولار سنويا، وهذا الرقم كمعدل يمكن توفيره سنويا في حال الالتزام بوقف التوظيف.

– رابعا، التصدي لقضية التهرّب الضريبي الثابتة بحسب ارقام وزارة المالية المنشورة، اذ ان الاموال التي تم تحصيلها في الاشهر الستة الاولى للـ2018 أقل منها في الفترة ذاتها للـ2017، والاموال المحصلة من الشركات انخفضت فيما ارتفع تحصيل الضرائب من المواطنين، ما يعني ان التهرب الضريبي واضح”.

ويؤكد عجاقة ان “التهرب الضريبي بحسب الدراسات التي اجراها يبلغ سنويا 4 مليارات دولار بنسبة 7.2 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي، ويمكن تخفيضه تدريجيا الى المستويات العالمية التي لا تتجاوز الـ2 الى 3 بالمئة، شرط اتخاذ قرار حاسم بذلك من قبل المسؤولين، ما يؤمّن سنويا لخزينة الدولة مئات الملايين من الدولارات”.

ويشدد على أن “اجتماع الحكومة هو ضرورة واجبة للتصدي لهذه المخاطر ومعالجة القضايا المطروحة واتخاذ القرارات المناسبة لوقف التدهور المتدحرج”، معتبرا أنه من الناحية الاقتصادية “اجتماعات مجلس الوزراء لا يجب ان تتوقف لمتابعة القضايا الملحة، وان كان هناك خلاف حول الموضوع فليتوجهوا الى مجلس النواب لتفسير المواد المتعلقة بهذا الامر، لكن لا يمكن ان تبقى البلاد من دون حكومة”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل