ضغوط وعجوزات وأزمات… وخوف على الليرة (2)

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1690

عام الجمود الإقتصادي والقلق المالي

ضغوط وعجوزات وأزمات… وخوف على الليرة 

 

كان يفترض بالعام 2018 أن يشكّل انطلاقة اقتصادية فعلية في بلد يعاني من التقهقر الإقتصادي منذ عقود. فهو من الناحية الموضوعية، العام الثاني على عهد منطلق بثقة، وتخللته انتخابات نيابية على قانون نسبي، أمل اللبنانيون معها بالتأسيس لروحية جديدة في التعاطي مع القضايا الوطنية، لا سيما الإقتصادية منها. كما تخلله مؤتمر «سيدر»، ومندرجات تقرير «ماكينزي»، وما بينهما من توصيات وتحذيرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. ونظرا للوعود بمكافحة الفساد، كان يؤمل أن يشكل العام المنقضي بداية ترجمة فعلية لهذه الوعود ما يرفع المداخيل ويحسن وضع المالية العامة ويدفع العجلات المتوقفة إلى الدوران.

 

لكن واقعيا، انطلق العام 2018 محمّلا بالعديد من الأثقال، فالدين العام المتراكم يتزايد بوتيرة عالية عاما بعد عام من دون أن تصدر أية مبادرة جدية للجمه، وسلسلة الرتب والرواتب حمّلت الخزينة الخاوية ومعها الوضع العام ما لا طاقة لهما على تحمّله وسط هدرٍ مُزداد المَسارِب، وتقهقر مخيف في المداخيل، سواء من تراجع النشاط الإقتصادي في مختلف المجالات، أو من التهرب الضريبي الذي زاده الفساد حجماً. يضاف إلى ذلك عجز النظام السياسي لأشهُر عن تشكيل حكومة قادرة ومنتجة، ما أبعد التدفقات المالية والإستثمارات، وجمّد حتى ما كان منتظراً من مشاريع أقرها مؤتمر «سيدر»… قد يكون المشهد سوداوياً ومشوشاً ومحبِطاً، وقد نكون حقا في وسط النفق المظلم، لكن ثمّة من يستمر في التطلع إلى نقطة الضوء في آخر النفق…

 

الخوف المرافق لمشكلة تفاقم الدين العام، هو بوصفه مصدراً أساسياً لتضخيم عجز الموازنة، وربما تقود هذه المشكلة تصنيف الديون الحكومية اللبنانية للانحدار، بعدما ارتفعت تحذيرات المؤسسات والوكالات الدولية من مغبة تواصل المسارات الحالية اقتصادياً ومالياً. فإجمالي الدين العام يرتفع بوتيرة تزيد على 5 أضعاف نسبة نمو الناتج المحلي. وقد سجل صافي الدين نموّاً سنويّاً مركَّباً بلغت نسبته 6.88 في المئة أواخر العام الحالي. بينما زاد الناتج المحلي بنسبة 1.5 في المئة أي أقل مما كان متوقَّعا مع بداية العام، عند 2 في المئة.

 

وما يشي بأن المخاوف المحلية والدولية في مكانها، تصنيف وكالة «موديز» لبنان بين الدول التي تواجه ضغوطا سوقيّة وعجزا في الموازنة وفي الميزان التجاري. وبالتالي إدراج لبنان ضمن الدول ذات الوضع الائتماني الأكثر تأثُّراً بزيادة تكلفة الاقتراض، نظراً لمستوى الدين العام المرتفع، والقدرة الضعيفة على تحمّل تكلفة الاستدانة الباهظة. وعليه فقد صُنِّفَ لبنان ضمن الدول الأكثر عرضة لارتفاع علاوات المخاطر. ولم تغفل إيجابيّة محدودية مخاطر السيولة نظراً لتواضع حصّة الديون الصادرة بالعملة الأجنبيّة والبالغة حوالى 43 في المئة من إجمالي الدين العام. ومن المؤشرات المقلقة، ارتفاع العجز الإجمالي للموازنة إلى 3.36 مليار دولار خلال النصف الأوّل من العام الحالي، مقارنة مع عجزٍ بلغ 908 ملايين دولار في الفترة نفسها من العام 2017.

 

لكن، يُنتظر أن تواجه وزارة المال صعوبات في تغطية المستحقات المصدرة بالدولار للعام المقبل، والبالغة نحو 2.65 ملياري دولار. وتكمن المشكلة في تسعير السندات البديلة والآجال التي سيتم اعتمادها. فالإصدارات الجديدة محكومة بالقواعد السوقية السائدة، مما سيزيد من تكلفة الدين. علما بأن مصرف لبنان المركزي يمكن أن يتدخل إنقاذياً لتغطية الاستحقاقات المقبلة، ويعيد ضخها تدريجا وفقاً للعوائد السوقية. فيما ترجِّح مصادر مالية تضاؤل قدرات المصارف المحلية على تغطية الحاجات التمويلية للدولة ما لم يطرأ تحسن ملموس في الأوضاع الداخلية ويتم الشروع في الإصلاحات المالية الأساسية.

 

أرقام وأرقام إلى تراجع

في المجالات الأخرى، يُظهر تحليل أرقام الإستيراد والتصدير للأشهر الثمانية الأولى من العام 2018 إرتفاعاً بنسبة 8 في المئة مقارنة مع الفترة نفسها من العام 2017، ما يحمل العجز السنوي إلى 17 مليار دولار. وهذا المُستوى العام لفاتورة الإستيراد يُعتبر مُرتفعاً جداً مقارنة مع الصادرات، ما يفرض إعادة النظر بالمعاهدات التجارية والقيام بعدد من الخطوات لمنع تزايد الدين الناتج عن هذا العجز. فالإستيراد وصل في الفترة المذكورة إلى 14 مليار دولار أميركي مقارنة مع حوالى 3 مليارات دولار للتصدير، ما يعني أن عجز الميزان التجاري بلغ 11 مليار دولار على ثمانية أشهر فقط من العام 2018 وهو قد يصل إلى 17 مليار دولار على مدى 12 شهراً.

 

والعجز الكبير المحقق في الميزان التجاري والمزداد خلال العام 2018، يُظهر، بحسب الإقتصاديين، سلبيتين: أولاهما السلوك الإستهلاكي السلبي للبنانيين، وثانيهما ضعف التركيز على الصناعات المحلية وتشجيعها. فهناك العديد من السلع المستوردة يمكن تصنيعها محليا ما يقلص الفارق السلبي في الميزان التجاري ويخلق فرص عمل ويفتح بابا لاستقطاب العملة الصعبة، في حدود الـ 8 مليارات دولار أميركي سنوياً.

 

بالتوازي، أظهرت إحصاءات جمعية المصارف في لبنان، إنخفاض قيمة الشيكات المتداولة بنسبة 1.23 في المئة على صعيد سنوي. فيما زادت قيمة الشيكات المرتجعة بحوالى 240 مليار ليرة وبنسبة 13.64 في المئة على صعيد سنوي، إذ بلغت 1.999 مليار ليرة خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الجاري، موزعة على 228.6 ألف شيك.

 

وقبيل نهاية العام، خفض البنك الدولي وصندوق النقد الدولي توقعاتهما للنمو في لبنان بمقدار النصف إلى 1 في المئة، مضافا إليها تراجع كبير في مصادر النقد الأجنبي التقليدية مثل السياحة والعقارات والاستثمارات الأجنبية، بفعل سنوات من التوتر في المنطقة وسوء الإدارة الداخلية، فيما الودائع تنمو بوتيرة أبطأ منذ اندلاع الحرب في سوريا. وعلى هذا الصعيد يُمكن القول إنّ العجز في الميزان التجاري بات خطيرا على الصعيدين الإقتصادي والمالي وحتى النقدي. فالعجز في الميزان التجاري يجعل الماكينة الإقتصادية تفقد الإستثمارات والوظائف. وكذلك، يجعل الإستيراد الواسع من لبنان بلداً مُقيدا أكثر فأكثر بالدول الأخرى، وبالتالي هناك خطر على المدى الطويل. فالمستوى العالي من الإستيراد يفرض رفع الإحتياطي من العملات الأجنبية لتجنّب أيّ إنخفاض في قيمة العملة المحلية، فيما يؤدي إرتفاع التضخّم إلى رفع الفوائد. وهذا علاوة على الخطر الذي يصيب الشركات اللبنانية المتنافسة مع الشركات الأجنبية، وهو ما يظهر في إقفال الشركات الصغيرة نظراً لعدم قدرتها على المنافسة إن على صعيد الأسعار أو على صعيد الجودة. واستطرادا خسارة المزيد من فرص العمل.

 

خلاصات واستنتاجات

في المحصّلة، تُؤكد أرقام وزارة المال، أنّ نسبة الإنفاق ارتفعت منذ أيلول 2017 إلى مستوى 1.5 مليار دولار شهرياً، مع ذروة في أيار الماضي بلغت 2 مليار دولار، ما يشير إلى استخدام الإنفاق العام لمصالح إنتخابية. وبالتوازي، شهد شهر أيار 2018 دفع فوائد بقيمة 974 مليون دولار نتيجة العديد من الإستحقاقات. واقترضت الدولة بالليرة اللبنانية 9.28 مليارات دولار في الأشهر الستة الأولى من العام 2018، تمّ استخدام جزء منها لسداد ديون سابقة، والقسم الآخر كان لتمويل سلسلة الرتب والرواتب وكهرباء لبنان سائر البنود الأخرى. هذا الأمر أنتج المزيد من الفوائد في العام 2018، إضافة إلى الفوائد على الدين بالدولار الأميركي.

 

هذه المؤشرات طبعت العام 2018 بطابع خاص. وإذا ما استثنينا بعض الإنفاق في موسم الإنتخابات، يمكن وصف العام بأنه عام الجمود الإقتصادي والقلق المالي. وما يجب التحوّط له هو أنه سيورث نتائج هذه الأزمات إلى العام المقبل من غير أن يمنحه سبل الحلول. فالهدر في الإنفاق العام وغيره من العوامل التي تتعارض ومفهوم النمو الاقتصادي، أثرت سلبا على جذب الاستثمارات والأموال من الخارج.

 

ويشدد الإقتصاديون على أن هذا الواقع لطالما استدعى الإسراع في تأليف الحكومة والمباشرة فوراً بالإصلاحات الواجب القيام بها، لا سيما ملء الشواغر في الإدارات العامة بأشخاص أكفياء يمكن الإتكال عليهم في عملية النهوض الإقتصادي. ويعتبرون أن التأخير في إجراء الإصلاحات المطلوبة، سيمنع لبنان من الحصول على أية مساعدات من الخارج. فحتى المصارف أصبحت أكثر تشدداً في توظيف أموالها في مشاريع الدولة.

 

إلى جانب ذلك، لا بد من وضع خطّة إقتصادية تهدف إلى دعم قطاعي الصناعة والتكنولوجيا الأكثر قدرة على ضمان ديمومة الوظائف والنموّ الإقتصادي. ووقف نزف الخزينة العامّة الذي يمرّ إلزامياً بثلاث خطوات أساسية لا مفرّ منها هي:

– وقف التوظيف في القطاع العام لفترة لا تقلّ عن 5 سنوات، وذلك بهدف السماح للمالية العامّة بهضم الكمّ الهائل من الموظفين، الذين تمّ توظيفهم في الأعوام الثلاثة الأخيرة.

– محاربة التهرّب الضريبي الذي أصبح يُشكّل تهديداً واضحاً على الكيان المالي للدوّلة اللبنانية بعدما بات يُشكّل 7.2 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي.

– وقف نزيف الكهرباء مع هدر سنوي يفوق الـ 2 مليار دولار وهو مُرشحّ للإرتفاع مع تردّي وضع المعامل الحرارية الحالية.

والمطلوب أيضا، إجراءات حقيقية وحاسمة لمكافحة الفساد وتطبيق الشفافيّة وغيرها، فلبنان ما زال بعيداً عن تحقيق أي تقدّم جدّي ملموس على هذا الصعيد، على الرغم من إقرار تشريعات بهذا الخصوص لتمكين الدولة من إستكمال شروط الإستفادة من قروض «سيدر». فالعام 2018 انقضي من غير أن يقضي الله أمرا كان مفعولا… من القضايا الإقتصادية والمالية الكبرى إلى المواضيع الحياتية المتراكمة. فلا الكهرباء تأمنت ولا فرص العمل توافرت ولا نال المعلمون والسائقون والمياومون مطالبهم، ولا عادت المهدئات الموقتة تكفي لعلاج أزمة تزداد استفحالا مع السنين وتَبدُّل العهود بدل أن يُنذِر الخطر الداهم بضرورة العمل السريع والجاد لحلها، والحلول حتما متوافرة إذا توفرت الإرادات…

 

ضغوط وعجوزات وأزمات… وخوف على الليرة ـ الجزء الأول

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل